صفحات ثقافية

“متسوّل الضوء” لسامر محمد إسماعيل: شعرية الومضة وغياب النص اليومي

null
عمر الشيخ
هي إحدى المجموعات الشعرية التي أصدرتها الأمانة العامة لاحتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية 2008، ضمن مجموعة الأدباء الشباب، وهي الأولى لسامر اسماعيل. نلحظ الخطوط المتشعبة في الأسلوب التي يحاول الكاتب من خلالها البحث عن خصوصيته في التعامل مع النص والجمل والتراكيب. فقصيدة الومضة الموزعة كاستراحات بين دفتي الكتاب، إضافة إلى سواها من القصائد الأطول، جميعها تبدو محكومة بخطّ بياني شديد التواتر والحدة، لكأن الكاتب شاء أن يقطف من كل بستان زهرة، أو من كل أسلوب لوناً قبل أن يحسم أمره نهائياً في اتجاه خصوصية، غالبا ما ينشدها الشعراء.
يشتغل سامر محمد إسماعيل على الغربة الداخلية المعيشة المنبوشة من تفاصيل الذاكرة، فالبيئة التي كوّنت ثقافة الشاعر تبدو من خلال الصور والألفاظ بعيدة عما اعتدناه لدى الشباب من عبارات تتأثر كثيراً بالتكنولوجيا والحداثة بمفهومها الحسّي. وعلى ذلك يمكن القول إن عاطفته تطلق الكثير من العطر الشعري في صيغة قريبة قليلاً من الحداثة، لكنها تتمتع بحساسية خاصة، حيث يستعين غالباً بوجه حبيبته في لوثة الوداع. وهذا المشهد يطبع أكثر مناخات المجموعة، ليقف أمام العالم يعزف بناي الشعر: “لا تأتي إليّ هذا المساء/ لا أملك نبيذاً كافياً/ بالكاد يكفيني موتي./ بالكاد يكفيني/ لأتسلق روحي الشاهقة/ بشهقة./ وأنسى./ أنسى أنكِ حقودة/ إلى هذا الحدّ/ وأنكِ خالدة إلى هذا الحدّ./ أنسى أني لا أنساكِ” (ص36).
يقترح إسماعيل هواءً لغوياً متعدد الإتجاه. فقصيدة النثر التي يتخذها كلغة أولية، تتجول أحياناً في فضاءات موسيقية أشبه بالدراما المسرحية المتشحة بغنائية خافتة، وهذا أحياناً يتسبب بقلق في توصيل الحالة الشعرية للقارئ. غير أن الإخفاق في تطابق عناصر الفكرة الشعرية مع انتقاء الكلمات أحياناً، يفضي الى إخفاء الكثير من المشاهد، مثلاً: “الرمانة الحامضة./ طعم عزلتي المفتعلة/ نام إخوتي العشرة/ إلى جانب بعضهم- لوحة-/ لم يبق منهم/ سوى أنفاسهم”.الخاتمة تدهش قليلاً لكن سنرى هنا أن هذا المقطع يحوي تفاوتاً ملموساً في صيغة الرؤية الشعرية. للوهلة الأولى تبدو المقطوعة تخلخل غير المتجانس، وهذا ما سنكتشفه في أكثر القصائد طولاً، أي القصائد التي تنحو منحى السرد، بالإضافة إلى احتوائها أكثر من قصيدة صغيرة، وذلك يجعل التداخل ملحوظاً بسبب إفلات الدهشة في المنعطفات.
في قصائد أخرى يبدو الشاعر قلقاً، وهذا التأثير نجده في الاسهابات الشعرية نحو القصائد المتعددة الحالة، أما قصيدة الومضة الشعرية فيمكن العثور عليها في بعض القصائد القصيرة للغاية والقليلة، مما يدل على وضع هذه القصائد في محطة الاكتمال الشعري، وتجاوزها التجلي اللغوي.
يستطيع إسماعيل شدّ القارئ خلال المقاطع الصغيرة المستندة إلى عناصر الخيال، وأحياناً خلال عناوين صادمة مثل “متسوّل الضوء”، “القط أكل عشائي”، و”عيون في مجرة مطفأة”. وفي إمكانه أيضاً ترك المتلقي يفكك تأثيرات الغريزة بنيات شعرية، ففي “الأرملة” يبرمج تلك الظاهرة إلى شعر يحاول أن ينزع الى الجدة قدر الإمكان: “الأرملة المسجونة بنظرات الفضوليين/ تطهو رجلاً على العشاء” (ص 67).
تتعدّد مواضيع “متسول الضوء”، بين الوحدة والذكريات والعائلة البعيدة ورصد الآخرين بمرآة الذات، أي رؤية شخص الشاعر في تصرفات من يحبهم، وكذلك تركّز على منحى مهم هو الغربة الشديدة التي يعيشها الشاعر مع العالم المباشر، وهو نفسه لا يعرف لماذا. غربته في وطنه تحلل مزاجه وتفضح تفكيره: “تسهر وحيداً هذا المساء./ كصنبور ماء./ نقطة/ نقطة/ رعافك الفكري” (ص85).
أما الموت فهو العنصر الحيوي الأكثر حضوراً في مناخات الديوان، حيث يمنحه الشاعر لقطات صادمة، فيطلقه وحيداً عارياً حقيقياً مؤمناً بصدقيته الروحية التي تفتك بالعالم ولا تشبع! من بابٍ ساخر يستدرج الشاعر الموت إلى نصّه ويقابله بالحبّ والحياة: “لأن الموت سهل إلى هذا الحد/ لأن النرجس ينبت/ حتى/ تحت أخشاب المقصلة./ ولأننا خطان مستقيمان/ لا يلتقيان /خطك دائماً مشغول/ وخطي خطيئة لم أقترفها/ ولأن الماء يخدعنا. كلما تقمص شكل إنائه./ أحبكِ” (ص 97- 98).
في “متسول الضوء” يغيب حسّ اليومي وهوية المكان، فتنتمي النصوص إلى حقبة زمنية متفاوتة بعيداً عن اللحظة الراهنة. أسلوب التقديم الشعري للقصيدة في هذه المجموعة متعدد المناخ قليلاً، ولا يزال تحت لوثة تأثير كلاسيكي سردي اعتاده أكثر الشعراء السوريين من جيل الألفية الثالثة في أعمالهم الأولى. فحرية السرد لدى إسماعيل تضعف التواصل مع القارئ. ربما كان عليه أن يستخدم، أكثر، الممحاة الشعرية.
يستطيع إسماعيل التكلم بلسان بهلوان يثير العواطف ويفجر النصّ بعيارات شعرية جديدة و مقنعة في الصفحات الأخيرة، وهناك يحاول البحث عن الشاعرية في رصد مشهد متكرر وتحويله إلى حالة درامية متحركة كما لو أنها مقطع من “فيديو شعري” يحقق اللون والحركة والبيئة الطبيعية للخيال، حيث يبدو المهرج شاحباً بحزن مخبوء: “البهلوان يفقد التوازن/ فيهوي ألف سنة في الضوء/ خانتك الحبال يا متصوف العلوّ/ أم أخذتك سِنة/ وقعت/ وعندما نزعوا عن وجهك قناعك المضحك/ رأوك للمرة الأولى/ كل هذا الوقت كنت تبكي./ يا لك. يا لك” (ص 119).
يحاول سامر محمد إسماعيل التأسيس لعالم خاص في كينونة المتعة، ويعمل على صور تحاول تقديم ما هو لافت وغير مهم في الحياة العادية، عدسته الكلمة والعاطفة الحقيقية مع خفض تسعيرة التكلفة اللغوية. لكنه يتخلى عن مفردات اليومي وصور العولمة على عكس أبناء جيله، وهذا ما تحتاج اليه المجموعة حقيقةً، فهو لا يبتعد عن الشكل والمضمون الحداثي كثيراً، بل ينشر شظاياه العاطفية ويتركنا أسرى السؤال والشعر!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى