صفحات ثقافية

‘رائحة القرفة’ لسمر يزبك: الخطأ التراجيدي والعقاب النبيل!

null
د. حسين محمود
كثيرة هي الدراسات النفسية التي تحلل ظاهرة المثلية، وتفسرها، وكلها تنطلق من الكلاسيكيات الأدبية مفسرا لها، باعتبار أن الأدوات الفنية الإبداعية تمزج بين الفكر والوجدان، وهو ما يترجم إلى جسد وروح، أو بسيكه وإيروس، طبقا للثنائية الميثولوجية الشهيرة، أي أن هناك ميلا لتفسير السلوك الإنساني النفسي والجسدي معا.
وقد قرأت كثيرا من الأدب في العلاقات المثلية بين الذكور، وفيها علاقات الحب بين رجل وآخر، يمثل فيها أحد الطرفين معادلا للأنثى والآخر عكسه، وهي بالتالي علاقة لا تستبعد الأنثى، بل تستحضرها حتى ولو بصورة ممسوخة. ولكن المثلية بين النساء ليست بهذه الشهرة، والإنتاج الأدبي فيها ليس وفيرا، وهو في الأدب العربي نادر.
وهكذا وجدت في رواية السورية سمر يزبك ‘رائحة القرفة’ مدخلا ثمينا، لندرته، إلى عالم النساء، إلى الحرملك، وإلى العلاقات الإنسانية التي تميز فئة من النساء في مجتمعاتنا نسمع عنها ولا نعرفها، نراها ولا نفهمها. يتحول حرملك يزبك إلى خلفية لأحداث اجتماعية واقتصادية واجتماعية وثقافية، للمجتمع كله، تدينه بقدر ما تحلله وتكشفه وتفضحه، حيث العلاقات متفسخة بين الجميع، والحب مستحيل حتى وإن كان مثليا، فليس هناك تلاق مهما كانت قوة النداء.
وقبل أن يعلو الصراخ الأخلاقي ليدين الرواية، لابد أن نثبت شيئا هاما، أراه لازما، رغم أنه أصبح في عالم اليوم المفتوح بديهيا، وهو أن الرواية تهتم بالإنسان وإنسانيته، وبلغة شاعرة حساسة لا تثير في القارئ أية غرائز، وهي أساسية لفهم حركة المجتمع وسلوكه لأنها تدخل مجتمع النساء بجرأة وحرية وشجاعة من لا يحس بالخجل وهو يكشف المستور الذي لا يريد أحد أن يراه أو يسمع عنه، رغم أن الكثير يمارسون هذا المستور ويحرصون عليه. أنا شخصيا لم تفسدني القراءة ولم تغوني، بقدر ما أمتعتني، وأحببت فيها المرأة نبيلة الإحساس، ولن تفسد المرأة التي تقرأها، فالإنسان طبقا للرواية أسير لأول من يكشف له مواطن اللذة رجلا كان أو إمرأة.
الرواية تحكي ببساطة قصة حب تجمع بين سيدة من سيدات المجتمع، حنان، وفتاة بسيطة من قاع المجتمع عليا، قصة حب تنتهي بفراق بدا أبديا. حنان زوجوها ابن عمها، الذي رباها، وكان لها مثل أخيها، وراهنوا عليها لكي تنجب الوريث، ولكن فرس الرهان الذي تحول من إنسان إلى شيء، سقط من أول السباق، لأنه لا ينجب ولا يبدو أنه يمكن أن ينجب أبدا. حنان أيضا تعرفت على مواطن اللذة في جسدها في حمام النساء بواسطة عروس من الحي، من ساعتها ارتبطت بالأنثى لإشباع روحها العطشى للحب، خاصة وأن الزواج من كهل يشرب الفودكا، ويمارس الجنس السريع ثم يغتسل ويمسك المسبحة’ لم يمنحها أية فرصة لكي تكتشف نفسها، وأحاسيسها مع رجل. وهنا تبدأ قصتها مع عليا، الفتاة الفقيرة، التي تشبه الرجال في قوتها وفتوتها، وفي سمرة بشرتها، وشعرها الأشعث، وفي عدوانيتها الخشنة التي لا توجهها إلا إلى الجنس الآخر. وفي نفس الوقت الذي تقود فيها حنان الفتاة الفقيرة عليا في رحلة تتعرف فيها على عالم آخر لا تعرفه، وربما لم تعرفه على وجه الدقة، لأن الرحلة كانت مغلقة على شخصية حنان وعالمها، عالم القصر الذي تعيش فيه، ملكة عليه، ولكنها ملكة زائفة، فهي تكتشف في النهاية أن حنان لم تجهزها لغزو عالمها الحقيقي، وإنما وفرت لها كل ما يمكنها من البقاء خادمة المنزل نهارا وسيدته ليلا، تقيم علاقة مزدوجة – تشبه علاقة جزيرة الماعز – مع سيدة البيت وسيده.
في الوقت نفسه كانت لحنان علاقات مع مجتمع نسائي مغلق، يميز المجتمع البرجوازي الذي يفصل عالمي النساء والرجال ويرتاح لهذا، عالم يرى الحب الحقيقي الصادق بين النساء والنساء، وأن العلاقات مع الرجال لا تشبع ولا تعرف من المرأة إلا لحظة مارقة بعيدة عن روحها. وفيما يشبه عقدة بيجماليون تكتشف حنان أن محبوبتها تخونها مع زوجها، تمردا عليها، فتطردها من عالمها، وتتحطم العلاقة بين الخالق والمخلوق، والحقيقة أن الخالق والمخلوق كلاهما يتحطمان.
الرحلة في عالم النساء التي تقودها سمر يزبك، ارستقراطية نبيلة ، بلغة شاعرية، فيما عدا جزء بسيط، من صفحة 153 إلى صفحة 160 عادت فيه المؤلفة إلى الواقع فأفلتت منها شاعريه أمسكت بها بقدرة فائقة طيلة أحداث الرواية، حتى وهي تصف بشاعة حياة البؤساء والتعساء في حاويات الزبالة بروائحها البشعة، حتى وهي تستخدم بعض الألفاظ العامية التي تناسب قاع المجتمع. بنية الرواية في خطوطها الأفقية والرأسية تفضي إلى اكتمال السرد ووصوله إلى رسالته، والدوال الوظيفية الأساسية قليلة، فالوظائف المركزية للرواية مكشوفة منذ البداية مما جعل السرد يعتمد على وظائف الوصف والمعلومات.
البطل في ‘رائحة القرفة’ هو المؤلف، الحاضر دائما، فالحكاية يتم سردها من خارج المشهد، والراوي، رغم أنه عليم، ورغم أنه واحد وحيد، إلا أنه يتبادل مع نفسه السرد من وجهتي نظر مختلفتين، وفي هذا حضور طاغ له، يعرف حنان ويعرف عليا، وهو ليس حنان ولا عليا، وإنما هو المؤلف، وفي ذلك رسالة: هو صاحب الكلمة والتحليل والتفسير والمالك الوحيد لحقوق التصرف في الشخصيات. والسرد من هذه الناحية يشبه النظام السياسي ذي الحزبين، عالمان مختلفان يتطفل كل منهما على الآخر، ولكنهما لا يلتقيان.
من ناحية الشخصيات، هناك تميز وانحياز من المؤلف للشخصيتين النسائيتين الرئيسيتين حنان وعليا، اللتين ظهرتا بوضوح حاد وبقوة مهيمنة على الحدث. أما باقي الشخصيات فتتراوح بين الضعف والقوة، وتأثيرها في الحدث الرئيسي تطويري، وليس تثويريا، فهي تدفع الشخصيتين الرئيسيتين إلى النهاية المتوقعة، ولا تغير من سلوكهما، هذا ما نجده في أم عليا وعليا الكبيرة، والفتيات والفتيان في الحي الفقير. وهذا ما نجده في عروس الحي، وفي شلة نازك، وفي الحضور الواهي لمجتمع رجال الأعمال في خلفية الأحداث. الشخصية الوحيدة المركزية التي قامت بحدث أثر بشكل دراماتيكي على تطور الحدث هي حنان بالنسبة لعليا، وعليا بالنسبة لحنان.
الشخصيات الذكرية أيضا تتسم بأنها أحادية التعريف، فهي في الغالب شخصيات شريرة أو تميل إلى الشر، أو هي بغيضة، بما يكفي لكي لا تحبها النساء في الرواية، ومن ثم لا يحبها القارئ أيضا، وهي واهية وخارج دائرة التأثير المباشر. لكننا لم نجد في الرواية شخصية رجل واحدة تم تحليلها بنفس العمق والشاعرية والدقة التي وصفت بها النساء. فهي كما قلنا شخصيات سلبية كما في أنور، أو متسلطة تتمنى باقي الشخصيات لو خرجت من الحدث، مثل شخصية والد عليا، المفتون بنفسه، والمؤثر على التكوين النفسي والعاطفي، بل والجنسي لعليا، التي لم تعرف لنفسها ولا لجسدها قيمة إلا مع السيدة وزوجها، ولم تشهد في كل حياتها كل هذا القدر من الحب مرة واحدة إلا مع حنان. ولكنها عادت من حيث أتت، بمكاسب لا تتعدى سلسلة من الذهب، سوف تفقد قيمتها سريعا، ولكن الخبرة التي تعلمتها سوف تجعلها تعرف كيف تتعامل مع الناس على نحو أفضل. أما حنان فقد خرجت من الخواء إلى الخواء، ومن المؤكد أنها سوف تعود في النهاية إلى نازك والحرملك. لقد ارتكبت حنان الخطأ التراجيدي بغيرتها على حبيبتها الصغيرة، وارتكبت عليا خطأها التراجيدي بخيانة سيدتها مع سيدها، فاستحقت الاثنتان العقاب النبيل.

‘ كاتب من سورية
القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى