صفحات ثقافية

Politico: مصنع السبق الصحافي

null
مساء 22 كانون الثاني، بعد ساعات قليلة من المؤتمر الصحافي الأول لإدارته، قام باراك أوباما بزيارة مفاجئة إلى المركز الضيق للجسم الصحافي في البيت الأبيض. أراده أن يكون حدثاً ودياً، وراح يصافح بسرور المراسلين والمصورين ويمازحهم قليلاً بينما يشق طريقه وسطهم.
غير أن مراسل “بوليتيكو”، جوناثان مارتن، لم يكن هناك لتبادل الحديث معه. كان مارتن قد هاجم أوباما بشأن قراره تعيين ويليام جيه لين الثالث – وهو عضو سابق في مجموعة لوبي دفاعية – نائبا لوزير الدفاع، بشأن تعهده كبح تأثير مجموعات اللوبي. وجنح الحديث نحو التشنج. قال أوباما الذي بدا الغضب واضحاً عليه “أرأيتم؟ هذا ما يحصل. لا يمكنني أن أزوركم وأصافحكم إذا كنت سأتعرض للهجوم كلما جئت إلى هنا”. لم يرتدع مارتن. فأضاف الرئيس “أردت فقط أن ألقي التحية وأقدّم نفسي إليكم. هذا كل ما أحاول فعله”. في غضون ساعة، نشر مارتن والكاتبة في “بوليتيكو”، كاري بودوف براون، خبر الحديث الذي دار مع الرئيس على موقع “بوليتيكو” الإلكتروني تحت العنوان الرئيس الآتي “أوباما يثير الغضب في غرفة الصحافة”.
كان خبراً صغيراً مقارنة بالأحداث العالمية. غير أن كتّاب “بوليتيكو” ومحرّريها يعرفون جيداً الخبر الذي من شأنه أن يحصد الكثير من الاهتمام. في غضون ساعات قليلة، نشر موقعا “هافنغتون بوست” و”درودج ريبورت” على الإنترنت رابطاً يسمح بالاطلاع على الخبر، وبحلول ذلك المساء امتلأت المدوّنات المحافظة بمقالات تفصّل وقائع الحديث. في الصباح التالي، استعمل المقدّم الفكاهي راش ليبمو الحديث للسخرية من الرئيس الجديد (قال “لا يُفترَض بكم أن تطرحوا أسئلة على المسيح قبل أن يأذن بذلك”). وبحلول آخر اليوم، كان الخبر قد أذيع عبر قناتَي “سي إن إن” و”فوكس نيوز”.
إذا كانت المدونات قد طغت في حملة 2004، فإن السباق الرئاسي لهذا العام انطبع بصعود موقع “بوليتيكو” للصحافة الإلكترونية الذي أسّسه سليل الأسرة المصرفية والقطب الصاعد في الإعلام روبرت ألبريتون، ويترأسه صاحبا الباع الطويل في صحيفة “واشنطن بوست” جون هاريس وجيم فانديهي. منذ البداية، كان هدفهم من خلال “بوليتيكو” الجمع بين السرعة التي يوفّرها الإنترنت وشرعية الصحف التقليدية. وعلى الصعيد الصحافي، كانت استراتيجيتهم تقضي بالتفوق في التقارير والسرعة على الصحف التي طغت على تغطية الانتخابات، ونشر روابط على المواقع قبل وصول الناس إلى مكاتبهم وأجهزة الـ”بلاكبيري” في الصباح، ومواصلة نشر الأخبار طيلة فترة بعد الظهر كي يتلقّفها النقاد في برامج الذروة عبر المحطات الكبلية.
نجحت “بوليتيكو” في شق طريقها نحو سماء الصحافة السياسية من خلال حجم التقارير وتركيز قوي – قد يصفه البعض بالهوسي – على السبق الصحافي والهفوات في واشنطن التي تستدعي الثرثرة وتثير اهتمام “درودج ريبورت” والمحطات الكبلية التي تسعى وراء الصحافة الصفراء. ارتفع عدد قراء “بوليتيكو” خلال الانتخابات، فقد استقطبت 4.6 ملايين قارئ في أيلول 2008 (أي نحو ثلث قراء “واشنطن بوست” على الإنترنت). وفي الشهر التالي، صنّفت شركة “نييلسن” موقع “بوليتيكو” في المرتبة التاسعة بين مواقع الصحف الأكثر قراءة في البلاد. نشرت “بوليتيكو” أخباراً عن نسيان جون ماكين عدد المنازل التي يملكها، وعن إنفاق ساره بالين على الملابس الذي يصل إلى مستوى الرقم السداسي – وقد طغت هذه الأنباء على الدورة الإخبارية لأيام وأرغمت الصحف الرئيسة مثل “نيويورك تايمز” على متابعتها بأخبار نُشِرت في الصفحة الأولى. في يوم الانتخابات، تبجّح كريس ماثيوز في برنامجه Hardball بأن “بوليتيكو” هي “الفريق السياسي الأكثر إثارة في البلاد”، وتساءل “هل واشنطن بوست لا تزال موجودة؟”
غني عن القول إن انهيار الصحافة المكتوبة ساهم في صعود “بوليتيكو”. ومن الواضح أن نهم المحطات الكبلية للصحافة الصفراء والأخبار الشخصية ساهم في ذلك أيضاً. لكن بعد عامين من انطلاقة تجربة “بوليتيكو”، ثمة افتتان في واشنطن بما يمكن اعتباره أول صحيفة إلكترونية، ويتساءلون إذا كانت تمثّل طريقة لبناء “بيزنس” قائم على التقارير السياسية. بينما تسرّح الصحف التقليدية موظفيها، تصمد “بوليتيكو” في وجه الأزمة. هذا الشهر، أخبرني ألبريتون أن المشروع سيتحول شركة مربحة في غضون ستة أشهر. قال “لقد تجاوزنا الموازنة كثيراً. لن يفاجئني إذا بلغت الأرباح هذه السنة ملايين الدولارات”.
حتى ألبريتون فوجئ بما حققته “بوليتيكو”. يروي “أجده غريباً جداً أنه كلما ذهبت إلى مكان، يسألني الناس ماذا تفعل؟ فأجيبهم أدير بعض المحطات التلفزيونية وصحيفة. فيسألون “أي صحيفة؟” وعندما أقول “بوليتيكو”، يصرخون “أقرأها طوال الوقت!” فأفكر في نفسي، من هم هؤلاء الأشخاص؟ هذا مخيف!”
لكن تبقى بعض الأسئلة عن قابلية “بوليتيكو” للاستمرار. أولاً، العمل فيها هو عقاب من نواحٍ عدة. فقد غادرها أكثر من اثني عشر موظفاً منذ انطلاقتها، ويتذمّر كثر من الوتيرة الضاغطة جداً. ثانياً، لم يتم اختبار نموذج الـ”بيزنس” الذي تقدّمه الصحيفة في المدى الطويل: على الرغم من أن المعلنين في المطبوعة الذين يعتبرون “بوليتيكو” صحيفة لا بد من قراءتها في واشنطن يؤمّنون الجزء الأكبر من التكاليف، إلا أن حركة الموقع الإلكتروني انخفضت بمعدل أكثر من 50 في المئة مقارنة بنسبة الذروة التي بلغتها قبل الانتخابات. لكن سواء صمدت المؤسسة أم لا، فإنها أرست نموذجاً من التقارير المتواصلة وغير المحلَّلة كانت الصحف بطيئة في اعتماده مما أضرّ بها.
تشغل غرفة الأخبار في “بوليتيكو” مساحة مفتوحة في الطابق الأرضي في برج صقيل من الزجاج والفولاذ وسط المكاتب المجهولة في روسلين في فرجينيا. يعمل نحو 36 مراسلاً ومحرراً في مساحات مجزّأة إلى جانب منتجين من فرعَي قناة “أي بي سي” في واشنطن، “تشانل 7” و”نيوز تشانل 8″، اللذين يملكهما ألبريتون. المكان هادئ ونظيف. وقد عُلِّقت على الجدار أجهزة تلفزيون ضُبِطت على المحطات الكبلية من دون صوت، بينما يجلس المحررون في مكاتب مجهّزة بنوافذ تطل على غرفة الأخبار.
تقع “بوليتيكو” في الطابق الأرضي لمكاتب “ألبريتون كومونيكايشنز”، وهي شركة إعلامية ذات ملكية خاصة يديرها روبرت ألبريتون، 39 عاماً، الذي ورث ثروة في قطاعَي البث والمصارف عن والده جو ألبريتون. آل ألبريتون الذين حافظوا على ملكية مصرف “ريغز” طوال عقود، هم لاعبون أساسيون في السياسة  والـ”بيزنس” في واشنطن منذ إدارة ريغان، حيث يديرون أموالاً لحساب السفارات وصناديق الائتمان والنخبة في مجتمع واشنطن. كان ألبريتون الأب، وهو من تكساس ونادراً ما كان يعطي مقابلات صحافية، يفضّل البهرجات الخاصة للسلطة في واشنطن – تربية جياد أصيلة، وجمع التحف الفنية، وإقامة مآدب فاخرة في قصره في شمال غرب واشنطن. (اشترت “بي إن سي فايننشال” مصرف “ريغز” عام 2004).
بعدما كبر روبرت، وهو ولد وحيد، سار على خطى والده في “بيزنس” العائلة وأصبح رئيس مجلس إدارة مصرف “ريغز” عام 2001. ابتعد هو أيضاً عن الإعلام لكنه كان يستعرض بطرق أخرى. عام 2007، سجّل هو وزوجته إيلينا، طبيبة الجلد، رقماً قياسياً في مجال العقارات في واشنطن عندما اشتريا قصراً من القرن التاسع عشر في جورجتاون بـ24 مليون دولار. كان روبرت، الدمث والواثق من نفسه، يهتم بالشركة الإعلامية المتوسّعة لعائلته – التي كانت تملك عام 2006 ما يزيد عن ست محطات تلفزيونية – أكثر من اهتمامه بالعمل المصرفي. في آب 2006، أعلن روبرت أنه ينوي إطلاق صحيفة تصدر يومياً في فترة انعقاد الكونغرس وتُعرَف بـ”كابيتول ليدر” للتنافس مع “رول كول” و”ذي هيل”.
في هذا الوقت تقريباً، كان جون هاريس، الذي كان آنذاك محرر السياسة الوطنية في “واشنطن بوست”، وجيم فانديهي مراسل الصحيفة في البيت الأبيض، يناقشان مدى تغير المناخ الإعلامي. وعند مشاهدة تغطية انتخابات منتصف الولاية، تكوّن لديهما اقتناع بأن قدرة الإنترنت على تزويد الناس بالأخبار بصورة شبه فورية، إلى جانب صعود المحطات الكبلية والمراسلين الذين تحولوا ماركات في حد ذاتهم، تتيح فرصة لإنشاء وسيلة إعلامية سياسية إلكترونية ترتكز إلى حد كبير على التقارير. حاولا في البداية إقناع المسؤولين في “واشنطن بوست” بتبني فكرتهما، لكن سرعان ما قررا أن يفعلا ذلك بمفردهما.
كان هاريس نافذاً في غرفة الأخبار في “واشنطن بوست”. بدأ هذا المراسل والمحرر ذو الوجه الصبياني والمعروف بكتابة نثر غنائي، متدرّجاً في الصحيفة عام 1985، وارتقى عبر المناصب ليتولى إدارة كامل التغطية السياسية في “واشنطن بوست”. وكان فانديهي، المراسل السابق في “رول كول” و”وول ستريت جورنال”، يُعرَف في “واشنطن بوست” بأنه نجم صاعد طموح. كان لديه طموحات أبعد من إعداد التقارير. يقول مراسل “نيويورك تايمز” في البيت الأبيض وزميل فانديهي السابق في “واشنطن بوست”: “إنه شغوف بريادة الأعمال إلى حد كبير. أراد مغادرة “واشنطن بوست” لأنه رغب في أن يدير شيئاً ما”.
وكان هاريس وفانديهي يعتبران في سرّهما أيضاً أن الصحافة التقليدية قانعة ومعتدّة بنفسها في معظم الأحيان، وأرادا تحدي الاستاتيكو من خلال مدوّنين – مراسلين معروفين ينقلون الأخبار و”يعرضون ما يدور فعلاً في واشنطن”، كما شرحا بالتفصيل في إحدى المذكرات الداخلية.
في تشرين الأول 2006، اجتمع هاريس وفانديهي مع ألبريتون لعرض خطتهما. وافق الأخير على تمويل مشروعهما، وفي تشرين الثاني، أخبر هاريس وفانديهي رئيس مجلس إدارة “واشنطن بوست” دون غراهام ومدير التحرير فيل بينيت، بما يقومان به. وكانت الصحيفة قد عانت من رحيل أشخاص بارزين بينهم الكاتب مارك ليبوفيتش، وستيف كول الحائز على جائزة بوليتزر، والمراسلة هنا روزين. قال المسؤولون في “واشنطن بوست” للرجلَين إن بإمكانهما أن يطوّرا مشروعهما الإلكتروني في الصحيفة. لكنهما كانا قد اتخذا قرارهما، ولم يكونا يخجلان من طموحاتهما. قال فانديهي لأسبوعية “نيويورك أوبسرفر” آنذاك “أظن أننا سنبرهن أننا أفضل من “نيويورك تايمز” أو “واشنطن بوست”.
قضى المشروع بأن تكون “بوليتيكو” عبارة عن نموذج هجين: تتركّز إعلاناتها في البداية في النسخة المطبوعة، مع مصدر متنامٍ من العائدات من موقع “بوليتيكو” الإلكتروني الذي يجب تحديثه باستمرار من جانب مجموعة من المدوّنين المعروفين مثل بين سميث وجوناثان مارتن. وتُعتبَر شخصيات المراسلين وميولهم مزايا يجب العمل على تعزيزها لا إخفائها. وكانت “بوليتيكو” مستعدة لدفع أجور خيالية (بحسب المعايير الصحافية) للمراسلين الذائعي الصيت. يقال إن الكتّاب الكبار يجنون بين 150 و200 ألف دولار. وذكرت مصادر أن “بوليتيكو” وقّعت الصيف الفائت عقوداً لمدة سنتين مع بعض أبرز مواهبها.
أثبتت “بوليتيكو” نفسها في فترة وجيزة وسيلةً تستطيع نشر عناوين رئيسة تحرّك الدورة الإخبارية، وكان مراسلوها ومحرروها يظهرون بانتظام في البرامج عبر المحطات الكبلية. في 28 تشرين الثاني، قبل ساعات من مناظرة الحزب الجمهوري في فلوريدا، حصل سميث على أول سبق صحافي أساسي لـ”بوليتيكو” والذي ورد فيه أن عمدة مدينة نيويورك السابق، رودي جيولياني، أرسل الفواتير إلى وكالات المدينة كي تسدد تكاليف سفره الشخصي إلى هامبتونز في بداية علاقته العاطفية مع جوديث ناثان. وقد نشرت “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” ونشرات الأخبار المسائية الثلاث، النبأ. (صدر الخبر قبل ثمانية أسابيع فقط من الانتخابات الأولية في فلوريدا ولم تتعافَ حملة جيولياني من تداعياته).
مع احتدام موسم الانتخابات الأولية، نشرت “بوليتيكو” أخباراً حصرية مثل زيارة أوباما إلى منزل العضو السابق في المنظمة اليسارية الراديكالية “ويذر أندرغراوند”، بيل آيرز. وخلال السباق الرئاسي، أوردت “بوليتيكو” أن جون ماكين لم يستطع أن يتذكر أنه يملك سبعة منازل على الأقل، وأن أوباما لم ينظر قط في ترشيح هيلاري لمنصب نائبة الرئيس، وأن اللجنة الوطنية الجمهورية أنفقت أكثر من 150 ألف دولار على ملابس ساره بالين. العام الفائت، ارتفعت حركة زوار موقع “بوليتيكو” 219 في المئة. يقول مدير مكتب “نيويورك تايمز” في واشنطن، دين باكيت “أظن أنهم قادرون على المنافسة”. ويوافقه آخرون في واشنطن الرأي. يقول بايكر من “نيويورك تايمز”: “لا شك في أنهم مارسوا تأثيراً فريداً. ظهروا من العدم في غضون أشهر قليلة وفرضوا أنفسهم في المجال. تشغل “بوليتيكو” مساحة كان يجب أن تشغلها “واشنطن بوست”. إن كان هناك من صحيفة تكتب بهوس عن السياسة، فهي “بوليتيكو” بكل تأكيد”.
تستيقظ معظم غرف الأخبار في المدن الكبرى ببطء. لكن هذا لا ينطبق على غرفة الأخبار في “بوليتيكو” حيث تسود السرعة. يُفترَض بالمراسلين أن يكونوا قد نشروا أخباراً عندما يعقد المعاونون في الكونغرس والموظفون في البيت الأبيض اجتماعاتهم الصباحية. يُعرَف عن فانديهي أنه يوجّه رسالة بالبريد الإلكتروني إلى الموظفين الساعة الخامسة والنصف صباحاً، وينشر المراسلون مقالات بحلول الساعة الثامنة. يُعطى كل الموظفين تقريباً في “بوليتيكو” كمبيوترات محمولة وأجهزة موديم لاسلكية كي يتمكنوا من العمل في أي مكان. (يُسمَح لهم أيضاً بأن يرسلوا مواد للنشر حول أي موضوع كان – بما في ذلك حول موضوع من اختصاص أشخاص آخرين – إذا كانوا يملكون المعلومات، مما دفع بعض الموظفين إلى التذمر من الأمر).
يحض المحررون الكبار في “بوليتيكو” أيضاً موظفيهم على اختصار الأخبار المعدّة للنشر على الموقع الإلكتروني. خلال اجتماع للموظفين هذا الصيف، قال هاريس وفانديهي إنه يجب ألا يتعدّى أي خبر في “بوليتيكو” 1500 كلمة. قال لي مراسل في “بوليتيكو” في تموز “لم يعد هناك مراسلون يكتبون على طريقة آر دبليو آبل. وإذا كتب آر دبليو آبل في “بوليتيكو”، تُختصَر كل مقالاته إلى النصف”. (تنشر “بوليتيكو” من حين لآخر مقالات طويلة مثل مقال روجر سايمون عن السباق الديموقراطي الذي تألف من حوالى 20 ألف كلمة). ويبعث مراسلو “بوليتيكو” أيضاً مواد للنشر كلما استجد نبأ ما. بعيد الساعة الثامنة صباحاً من يوم العاشر من تشرين الثاني، علم المراسل المتخصص بوسائل الإعلام مايكل كالدرون، بينما كان يتوجه إلى العمل، أن جو سكاربورو من محطة “إم إس إن بي سي” قال للتو “تباً” على الهواء. فقفز كالديرون الذي غالباً ما يدوّن انطلاقاً من المقاعد الخلفية في سيارات التاكسي والحافلات، من حافلة “ماونت بليزنت” المكتظة، ودوّن الشريط المنشور على موقع “يوتيوب” الإلكتروني انطلاقاً من مقعد في أحد المتنزهات.
مايك آلن هو خير تجسيد لهذا النموذج الجديد في “بوليتيكو” التي انضم إليها في كانون الأول 2006. فآلن، المراسل السابق في “واشنطن بوست” ومراسل مجلة “تايم” السابق في البيت الأبيض، يشتهر في واشنطن بساعات العمل الماراتونية. أنجز آلن مجوعة من الأخبار الحصرية خلال الحملة، بينها إجراء المقابلة الأولى مع الرئيس بوش لحساب وسيلة إعلامية إلكترونية، ونشر زلّة ماكين في موضوع المنازل السبعة. كل صباح، يعدّ تقريراً بعنوان Playbook يستجمع فيه تقاريره والمقالات البارزة من الصحف الكبرى والتمنيات بعيد مولد سعيد للصحافيين والمعاونين السياسيين. ثمة ميزة هوسية في Playbook: يكتب آلن جملاً كاملة بالأحرف العريضة للتركيز عليها، ويعتمد نسقاً خاصاً في الفواصل المقطعية بحيث يمكن قراءة نسخة بسهولة على جهاز “بلاكبيري”. (شبّه رئيس التحرير التنفيذي بيل كيلر في “نيويورك تايمز” هذه الرسائل الإلكترونية بـ”رسالة إخبارية شبيهة برسائل الأخويات من إعداد مدمن على السياسة”). يتذكر بين سميث الذي غطّى السباق الرئاسي الديموقراطي، أنه سافر مع آلن إلى مانشستر في نيو هامشير على طائرة هيلاري كلينتون عشية المجلس الانتخابي (كوكس) في أيوا. قرابة الفجر، بينما كان مراسلو الحملة يجرون أقدامهم متوجهين للنوم، أخرج آلن كمبيوتره المحمول وبدأ يعد Playbook الصباحي. أخبرني سميث “كنت أحتضر من شدة الإرهاق، أما مايك فجلس في الردهة وبدأ يكتب”.
لهذه الوتيرة سيئاتها. يشير صحافيون آخرون في واشنطن إلى أن “بوليتيكو” تنشر أحياناً أخباراً لم يتم التأكّد منها، مثل التقرير الذي نشره سميث عام 2007 بأن جون إدواردز سيخرج من السباق الديموقراطي للاعتناء بزوجته المصابة بالسرطان؛ أو التقرير الذي أورد في الثاني من كانون الثاني أن فريد تومبسون سينسحب من الانتخابات الأولية الجمهورية (لم ينسحب تومبسون إلا بعد مرور ثلاثة أسابيع أخرى). يقول مراسل سياسي متمرّس “الوجه السلبي هو أنهم ينشرون أخباراً خاطئة. يفعلون ذلك مدفوعين بالرغبة التي تعلموها وتحضهم على نشر الأخبار”.
في الجزء الأكبر، يكتسب موظفو “بوليتيكو” زخمهم من هذه الطاقة المرتفعة، غير أن الضغط النفسي اشتد في تموز الماضي عندما وجّه هاريس رسالة موجزة بالبريد الإلكتروني للموظفين يطلب منهم فيها عدم الاستسلام لـ”الفتور” في الصيف، كما يروي العديد من الموظفين. قال لي موظف في “بوليتيكو” “لم يكن لها وقع جيد”. يقول هاريس إنه لم يفكّر قط في أن الموظفين في “بوليتيكو” “يتهربون من مسؤولياتهم”. لكنه يردف أنه أراد أن يدرك موظفوه أننا “لا نستطيع أن ننظّم تفكيرنا حول الإيقاعات المؤسسية للصحيفة. ليس جيداً أن نعدو بأقصى سرعة طوال ثلاثة أيام ثم نمشي بتكاسل”.
في 21 تموز، جمع هاريس موظفي غرفة الأخبار لمناقشة المسألة. ووُزِّعت على الموظفين في الاجتماع مذكرة وضعها آلن لشرح فلسفة الصحافة في “بوليتيكو”. جاء في المذكرة بحسب نسخة حصلت عليها “نيو ريبوبليك” “لسنا “أسوشييتد برس” أو “نيويورك تايمز”… إذا اكتفينا بالقيام بما تقوم بها هاتان المؤسستان العظيمتان، لن نصمد ولن تكون لدينا وظائف”. وختمت المذكرة “المكافأة مقابل خرق هذه المدوّنة هي أنكم جزء من مؤسسة… هي واحدة من حفنة قليلة من المؤسسات الإخبارية في العالم التي تنمو في الواقع”.
غير أن إعداد التقارير ليس سوى جزء من المعادلة: الشعار في غرفة الأخبار في “بوليتيكو” هو: “كونوا رابحين في الصباح، وكونوا رابحين في العصر”، ويقصد به المحرّرون أنه يجب أن تتصدّر أخبار “بوليتيكو” الأحاديث المتداولة وتكون الأكثر حضوراً في الدورة الإخبارية اليومية. وأحد معايير النجاح هو أن يتم الربط بأخبار “بوليتيكو” على مواقع مثل “درودج ريبورت” و”هافنغتون بوست”، فهذا يؤدي إلى ظهور الأخبار في برامج المحطات الكبلية. تستخدم “بوليتيكو” ثلاثة وكلاء إعلان يرسلون باستمرار روابط إلى المدونين والمنتجين. يقول فانديهي “نحن منهجيون جداً في الحرص على جعل كل من يهتم بخبر كتبناه، يعلم بأمره”. أخبرني ألبريتون أن الصحافيين كانوا لفترة طويلة شديدي الحساسية حيال فكرة ترويج عملهم. يقول “أظن أن الكثير من الصحافيين يقولون إن هناك خطأ ما [في العلاقات العامة] يتعلق بآداب المهنة والأخلاقيات. أما أنا فأجيب، مهلاً، إذا كتبتم خبراً رائعاً ودقيقاً لناحية الوقائع الواردة فيه، فلماذا تخجلون من الأمر؟”
أثارت وتيرة “بوليتيكو” وتسويقها الذاتي غضب البعض في الجسم الصحافي في واشنطن. يتذمر أحد المراسلين في واشنطن “هذا مثير للجنون. على الجميع أن يلحقوا بهم. ينتهي بك الأمر تلهث وراء اللحظات المؤلمة التي تستطيع أن تنال فيها منهم… إنها مقاربة “نيويورك بوست” لتوليد الأخبار”. بعد مواجهة مارتن مع أوباما الشهر الماضي، وصفت مدوّنة “وونكيت” “بوليتيكو” بأنها “منشور سافل وفظ”، وأعلنت أن مدونتها ستتوقف عن نشر روابط من موقع “بوليتيكو”: “سوف نتوقف عن الربط مع هذه المقالات المتخلّفة والاستفزازية التي تنشرها “بوليتيكو” في الصفحات الأولى للحصول على دقيقتين في برنامج أندرسون كوبر 360 في الليل”.
يصف بيل كيلر من “نيويورك تايمز” السبقات الصحافية الصغيرة التي تحققها “بوليتيكو” بأنها أساس واهٍ لا يمكن بناء مؤسسة إخبارية مستدامة عليه. يقول “لو لم تذكّروني، لما استطعت أن أقول لكم من أول من نشر خبر المنازل السبعة وموازنة الثياب… ركّزت بوليتيكو على لعبة داخلية. ولست واثقاً من أنها ستُترجَم إلى لعبة خارجية. لست واثقاً كيف يتدرّجون، وإذا لم يكن هناك من تدرّج، فأنا لست واثقاً من نموذج البيزنس لديهم”.
في يوم الانتخابات، اجتمع موظفو “بوليتيكو” في غرفة الأخبار لتناول الكعك احتفالاً ببلوغ خط النهاية في حملة رئاسية محتدمة استمرت عامين. في اليوم السابق، كان هاريس وفانديهي قد وجّها مذكرة من 2600 كلمة عن خطط “بوليتيكو”. وكانت المذكرة المصممة بوضوح للاستهلاك العام، عبارة عن ملخص ذكي لإنجازات “بوليتيكو” وتعرض تفاصيل عن خطط التوسّع. كتب المحررون “ربما ليس هناك في القطاع أشخاص أكثر تفاؤلاً منا نحن الاثنين ورئيس مجلس الإدارة فريد ريان وروبرت ألبريتون. إنه التفاؤل الذي لا يستند إلى الأمل إنما إلى الأدلة الملموسة حتى الآن حول طريقة عمل نموذجنا في مجالَي التحرير والبيزنس”.
يزداد موظفو “بوليتيكو” عدداً – تضم غرفة الأخبار أكثر من 60 موظفاً، ومن الأشخاص الذين انضموا حديثاً إلى المؤسسة مراسل “نيويورك تايمز” السابق في البنتاغون، ديفيد كلاود، ومراسل “نيويورك صان” السابق، جوش غرستاين. بعد وقت قصير من انتهاء الانتخابات، أعلنت “بوليتيكو” أن نسختها المطبوعة ستصدر خمسة أيام بدلاً من ثلاثة في الأسبوع عندما يكون الكونغرس منعقداً، وأنها ستعيّن من جديد مراسلين لتغطية أخبار البيت الأبيض؛ كما أنشأت مدوّنة، “بوليتيكو 44″، لمتابعة أخبار إدارة أوباما. وقد وافقت 68 صحيفة على الأقل ونحو 36 محطة تلفزيونية على نشر محتوى “بوليتيكو” مجاناً مقابل مشاركتها عائداتها الإعلانية.
حتى الآن لا تزال قاعدة “بوليتيكو” الإعلانية بمنأى عن الانهيار الاقتصادي. وأحد الأسباب هو أن المعلنين في “بوليتيكو” هم في شكل أساسي أعضاء في مجموعات اللوبي ويسعون إلى السيطرة على الكونغرس في الأزمنة الجيدة كما السيئة. وتلحق “بوليتيكو” أيضاً ضرراً كبيراً بالصحف اليومية الكبرى بسبب تقاضيها أسعاراً أدنى مقابل الإعلانات (كلفة إعلان ملوَّن يُنشَر على صفحة كاملة هي 11 ألف دولار، بحسب بيان الأسعار؛ في حين أن الإعلان المنشور على صفحة كاملة في “نيويورك تايمز” يكلّف أكثر من 100 ألف دولار). لكن ألبريتون يضيف أنه ليس متمسّكاً بالنسخة المطبوعة، فعندما يحين اليوم الذي ينتقل فيه كل القراء تقريباً إلى الإنترنت، يسرّه أن يتخلّى عن النسخة الورقية: “قلت منذ البداية، لا يهمني إذا كانت العائدات تتحقق من النسخة المطبوعة أو الإلكترونية، المهم هو توافر العائدات”. يقول ألبريتون إن تحول “بوليتيكو” إلى الصدور على الإنترنت فقط أمر ممكن في غضون خمس سنوات. (يقر ألبريتون أن “هناك جيلاً في واشنطن” يريد الصحيفة الورقية. ويتابع “من وجهة نظرهم، إذا لم تكن لديك صحيفة ورقية، فأنت لست فاعلاً. قلت ذات مرة مازحاً: لماذا لا نطبع لهم الموقع الإلكتروني؟”)
يصرف ألبريتون النظر عن أحد المجالات التي برعت فيها الصحف الورقية – صحافة التقصي التي تنشر مقالات مسهبة وطويلة الأمد – وقال لي إنه من غير المرجّح أن تستخدم “بوليتيكو” فريقاً لنشر تقارير متخصصة بالتقصي. يقول عن استثمار “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” في صحافة التقصي المستندة إلى المصادر “يجب أن نقر أن المال يُنفَق لتحقيق مكاسب في السمعة وفي الخدمة العامة. ما الهدف من نشر فرضيات لا يزالون يعملون عليها؟” أكثر من ذلك، يتخوف ألبريتون من أن نموذج الصحف ينهار: “لا أعرف إذا كانت “نيويورك تايمز” ستبقى موجودة بعد بضع سنوات. أحب “نيويورك تايمز” لكنني قلق”.
يكمن تحدي “بوليتيكو” في الأشهر المقبلة في إثبات أن مقاربتها ذات الوتيرة المتسارعة جداً، والتي تتناسب تماماً مع تغطية الحملات الانتخابية، سوف تصمد في اختبار متابعة أخبار إدارة أوباما والكونغرس والنقاشات حول الاقتصاد والسياسة الخارجية. لكن ثمة أمر يصب في مصلحتها، وهو النجاح. فكما يقول مراسل في واشنطن “إذا كان هذا هو المجال الذي يدر المال، فأنا واثق من أننا سننخرط فيه جميعنا”.

(“نيو ريبوبليك” ترجمة نسرين ناضر)
النهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى