صفحات العالمما يحدث في لبنان

لبنـان كـمشــروع ثقـافـي: التقرير الوطني للتنمية البشرية: 2008 ـ 2009

عباس بيضون
«نحو دولة المواطن» هو عنوان التقرير الوطني للتنمية البشرية 2008 ـ 2009. وهو خلاصة عمل مشترك بين برنامج الأمم المتحدة الانمائي ومجلس الانماء والاعمار. استغرق العمل على هذا المشروع ثلاث سنوات وساهم فيه اكثر من مئة وخمسين شخصا من اختصاصيين وأكاديميين وخبراء ومخططي سياسات.
من طبيعة أي عمل يخص التنمية في لبنان، ويتطرق تحديدا الى عنوانين بارزين: «الدولة والمواطن»، ان يثير نقاشا متعددا ومتنوعا، نقديا أحيانا، مؤيدا تارة، مشاكسا مرارا. ومن الفضائل الديموقراطية، ان يفتح النقاش على أمدائه كافة، لإحياء حوار مفتقد، ولإعطاء المشاركين حقهم في التوضيح، والناقدين حقهم في «التصحيح»، وليكون اللبناني مقيماً في منطقة الحوار بلا قفازات او لكمات، في زمن لبناني، بات يفضل فيه الصمت على الكلام.
أعطي التقرير حقه من الوضوح والتقديم والرعاية والاحاطة، كما أعطي بعض المشاركين فيه حقهم في «تبرئة أنفسهم» من بعض ما ورد فيه، وهو أمر طبيعي لكل عمل مشترك. ومن حق الذين قرأوا، أن يقدموا مطالعاتهم النقدية، الموضوعية او الغاضبة، على ان يكون المعيار الأخير، استقامة غائية الكلام.
حين تقول بأن لبنان مشروع ثقافي فإن هنا يقترح نظرة ثانية اكثر رجاء على الصراع وربما يدعو الى رؤيته في مدى تاريخي مختلف، قبل الاستقلال كتب جبران والريحاني وعبود مشاريع للإنسانية لكن لبنان كان نموذجهم. تدرجوا من الصراع ضد الهيمنة الكنسية الى اقتراح ديانات جديدة ومن الصراع ضد الإقطاع الى شريعة رومانطيقية. كان نقد الهيمنة الدينية ونقد التقاليد المقابل للعاميات والإعلاء لصراع وحراك قائمين في لبنان الصغير.
لم يكن لبنان دولة لكنهم لم يكونوا على حيرة من أمره، او لم يكن بين الوطن والأمة والقومية ذلك الحين تعارض او فوارق كبيرة، وسواء كان لبنان هذا او تلك فقد كان موضوع الكلام المعلن او الضمني. لقد فكروا فيه كمحل لوعي ديموقراطي، لمساواة حقوقية وتحرر من الرتبية المغلقة وتعايش ديني مع نظرة للاسلام كعامل ثقافي. كان لبنان الذي لم يحظ بعد بالاستقلال أنجز شبه ثورة ديموقراطية في الجبل خصوصا وإن تكن لحقت بعض الأطراف، وستجد هذه فوراً معادلاً ثقافياً وستكون على نحو متين عنصراً فيما سيكون بعد ذلك النظام اللبناني. لقد بدأ التفكير في هذا النظام مع المشروع الاستقلالي. جرى دائماً تقديم لبنان كفضاء ثقافي، وربما كان البلد العربي الوحيد الذي كان نظاماً قبل ان يكون دولة. لقد رسم كبلد مختلف في محيطه فكان الأصل في وجوده حق الاختلاف هذا. ورسم بعد ذلك كفضاء لتعايش الأقليات فكان البلد العربي الوحيد الذي يقوم على حق الأقلية بما يعني ذلك استبعاد الواحد القومي والواحد الوطني. كان التعدد والوساطة الثقافية من علل وجوده. لنقل إن وجود لبنان احتاج الى أكثر من بداهة. احتاج الى أسباب وعلل. وإذا كان هناك من وجد في اختراع لبنان، في وجوده المعلل وفي صناعته عقلانيا ما يجعل وجوده ناقصاً او «وضعياً» أي غير منزل ولا إلهي، فإن لبنان وجد كحاجة، وكحاجة ثقافية اولاً. إذا كان وجوده «بسبب» مدعاة لتشكيك البعض فإن وجوداً على هذا النحو يملك اكثر من غيره شرعية وحقاً. ولعل في بقاء لبنان واحداً رغم الويلات الأهلية ما يثبت ان «عقلانية» هذا الوجود ووضعيته كانا دائماً حداً رادعاً للنعرات ومحصلة نهائية لا يمكن تخطيها. لقد كان هذا الوجود مركباً غير بسيط ومتحركاً غير ثابت ومبرراً بحركيته وتركيبه أي بتاريخه وتقلبه في الزمن. ربما لذلك احتاج لبنان الى تفسير تاريخي لا إلهي. لم يكن «خير أمة أخرجت للناس» ولم يستطع الحكماء الذين نظّروا لوجوده ان يقولوا إنه سقط من السماء. إذا وضعنا جانبا الميتولوجيا السعقليّة (نسبة الى سعيد عقل) فإن ميشال شيحا لجأ الى الجيوبولتيك لايجاد نظرية للبنان. ليس الجد الإتني ولا الجد السماوي، في نظره، هما الأصل بل المكان الذي كان باستمرار محل غزوات ونزوحات جعلته محل تهجين متصل. ومن النهجين والتلاقح والاختلاط والتنازع ولد لبنان بدون أي نقاء او اصل. نظرية تجعل من الاختلاط والامتزاج قيمة وطنية وركيزة وطنية هذا بالطبع مخالف لفرضية وحدة واصل قوميين، قلما عنيا بالدفاع عن نفسيهما بالتاريخ او الجغرافيا.
كان وجود لبنان مساوياً لـ«النظام» الذي حكمه. لقد ولد حين غدا الاختلاف حاجة، ولد كفكرة حديثة سادت بزوال الامبراطوريات، كانت «الصيغة» الشهيرة سبباً في قيامه ومنذ ذلك الحين لم ينفصل الاثنان: الوجود والنظام. هكذا كانت «وضعية» الوجود و«وضعية» النظام سبباً في بقائهما موضع تنازع مستمر فقد كانا ثمرة التسوية والاتفاق وموازين القوى، ولم يكونا هبة لدنية، ولم يوضعا في يوم فوق البحث والسؤال.
الحروب
غالباً ما توصم الحروب اللبنانية بالعبثية وهي كذلك عندما يؤدي الانسداد السياسي لها الى نسيان أهدافها والدوران في طاحونة عنف يتولد من ذاته. لكن الصراع اللبناني منذ الاستقلال الى اليوم لا يحمل على العبث او العنف المفلت. لقد دار حول مسائل مصيرية إذا جاز القول هي ذاتها التي تتناول الوجود والنظام. منذ 1958 حتى 1974 حتى يومنا هذا. كان هناك، من الجهتين، سعي الى ادماج لبنان في المحيط او إخراجه منه وسعي، من الجهتين، الى الخروج من الصيغة ومن الازدواج اللبناني نحو استقطاب واحد وانتماء بسيط. لم تكن الصيغة ولا النظام الذي نتج عنها موضع تحبيذ الاّ من طبقة سياسية لا تزال قادرة على تأطير الحراك السياسي. ليست التسويات ولا التنازلات شعبية بالطبع ولا تزال متهمة في التكاذب السياسي وهي الازدواج. والأرجح ان الطموح الى واحديه واندماج هما صورتنا اليتيمة عن الوطنية والقيادة، لذا كان التوحيد يعني اولا قيام طرف مقام العمود وجره بالقهر الطرف الثاني الى صفه بل إخضاعه وإجباره على الانصهار فيه. لم يكن لدى الفريق المسلم هذه القوة لذا كان يؤثر عليها إلحاق البلد او ضمه او الاستنجاد بجار او نصير عليه، اما الطرف الآخر فكان طموحه في الازمات اما ان يهيمن او ينفصل. كان النظام في النهاية ثمرة اتفاق بالتأكيد لكنه لم يكن مسؤولية تاريخية على أحد، لقد تمت الصيغة بين بارونات السياسة ولم تتحول في يوم الى عقيدة شعبية. كانت الصيغة وربما الدولة والديموقراطية لا تخص أحداً ولا تجتذب بالتالي سوى المشتغلين فيها وبها. مع ذلك فإن الصيغة والنظام كانا ينتظران حتى تستنفد الازمات فيعودان من جديد حداً رادعاً. مع ذلك فإن الصراع اللبناني دار على الدوام حول طبيعة البلد ونظامه. كان الصراع يتجوف في نهاية الأمر حين يصطدم بحدوده، لكنه كان يتبع بدقة تعديلات في موازين القوى ويتطابق في النهاية معها. تغدو الديموقراطية مخنوقة ولا تستوعب أي تعديل لكن الصراع ينتهي بتوسيعها وجعلها اكثر مطابقة. لم يتغير النظام بل توسع وتعدل بعنف يفوق هذه الحاجة ولكنه في النهاية بني وتفصَّل داخل هذه النزاعات. لقد اثمرت الحروب المتوالية اعادة تعريف متوالية للوجود والنظام باتجاه اكثر ازدواجاً وتركيباً، أي نحو تعميق للصيغة وتفصيل لها. عند كل موقف كان على الازدواج ان يصل بالجهد وبالعنف غالباً الى استخلاص وحل متباين. لقد بني النظام وسط الحروب بالفعل ورغم ان الامر لم يكن بالضرورة بحاجة الى ذلك، الا ان الحروب كانت «استفتاءً» قاسياً على نظام وتعديلاً «دموياً» منتظماً له. كانت (أي الحروب) ثمرة تسييس انفجاري لم يجد قنوات كافية لتسييره سلمياً. تسييس تقاطعت فيه من هنا وهناك تحبيذات عالمية وإقليمية وداخلية متكاملة تصادمت، ورؤى متضاربة حاولت الخروج من التسوية او تجاوزها بدون الخروج من النظام نفسه. كسر الصيغة بدون كسر النظام، كان هذا متناقضاً ومستحيلاً والأغلب ان الحروب اللبنانية دارت على حافة الاستحالة هذه. لذا كان سهلاً ان تتحول في بعض أطوارها الى عنف مجاني. كانت «نقاشاً» مصيرياً سرعان ما يقع في مثاليته ويفقد مساره ويتردى الى نكاية وتصاد وصراع مسدود. الى ان تُجبّر في ما بعد وعبر مسار طويل، الى الاندراج في التسوية التي جرحتها بعمق وجعلتها اضعف وأكثر هشاشة. لكن الأمر لا يحدث إلا بعد تكييف للتسوية او في الاحرى اعادة تركيب وإعادة تأسيس لبعض بنودها. يمكن الكلام هنا عن اعادة صياغة وربما بلورة وبناء نظري. يمكن الكلام هنا عن بناء منتظم للتسوية. كانت هذه في بدئها تخريجاً فوقياً وبرانياً للتعايش الذي «أجبر» عليه اللبنانيون، تخريجاً بسيطاً ومتناقضاً كما هي الصيغة نفسها. لم يكن التعايش نفسه سوى واقع متناقض وبسيط. لم تكن ديموقراطية المحاصصة نفسها شيئاً غير ذلك، ولم يكن النظام اكثر من هذا التخريج. لقد صنع لبنان مما يشبه الاستحالة، وواجه، بدون أي استعداد سوى اختباراته السلبية، تحدياً ضخماً لم يطرح بالدرجة نفسها على أي بلد آخر في المنطقة، هو أن يكون حديثاً، وأن يؤسس تجاه تحدياته مجتمعاً ونظاماً وتسوية تاريخية. قيل فيه إنه مصطنع وغير اصيل ومفتعل لمجرد انه وحده تقريباً في المنطقة وُجد كما يوجد بلد حديث. أي توجب عليه ان يرى نفسه في مرآة حديثه وداخل تصوّر حديث. ان يقر بانقساماته وتعدده وخلافاته، ان يتأسس من جماعات مختلفة وان يرى في هذا وضعاً «تاريخياً» لا بد له ان يعالجه في كل حين. كان قدر هذا البلد صعباً بدون شك. لم يكن له أي خبرة تاريخية بما يواجهه ولا استعداد فعلي. لقد خرج من تآكل السلطنة العثمانية فيما ساس الانتداب المنطقة على انها سديم عشائري. كانت له ميزة او ميزات بدون شك: التعليم المكثف، الثورات الفلاحية وبوادر وعي ديموقراطي، بداية اقتصاد خدماتي وتحول برجوازي، بوادر «تغرب». لكن هذه الميزات لم تكن ترسخت او نضجت الى الحد الذي يستطيع معه ان يواجه تحدياً حديثاً وأن يكون حقا في مستوى «تركيب» مجتمع ودولة ونظام. ذلك التحدي الذي لم يكن في الوسع التحايل عليه او القفز عنه باستبداد طغمة عسكرية او مدنية او فرض اجتماع قسري وتوحيد صوري كما كان الأمر في المنطقة كلها. لم يكن هناك مهرب من جواب جدي، أن يتأسس من شتات اتني وديني وعشائري مجتمع ونظام ودولة.
كانت الصيغة حدساً بعيداً واستشرافا مستقبليا فحسب. كانت صنيع بارونات السياسة القادرين حتى ذلك الحين على التقرير والأرجح ان التخريج الذي غلب عليها لم يكن من فراغ. لا بد ان النعرات لم تكن كل شيء حينذاك. كان ثمة اشتراك اولي بين الجماعات، وكانت المصالح المستجدة تواجه النعرات بدون ان تصادمها وغالبا ما تنتهي الى الاندراج فيها فتغدوان واحداً او شبه واحد. تطل النعرة برأس المصلحة او تطل المصلحة بوجه النعرة، لم تكن «الصيغة» يومذاك تضرب في فراغ لكنها ايضا لم تكن مؤسسة على شيء صلب، إذ لم يكن في وسع هذه البوادر الجديدة ان تتحول الى وضعية تاريخية او واقع مؤسس، فضلا عن انها كانت تتعرض لامتصاص وتحويل وتأطير.
لم يكن في وسع لبنان الجديد ان يتحايل على تحدياته كما كان الأمر في المنطقة كلها. لم يكن في وسعه ان يتحايل على التعايش بيوتوبيا قومية او وطنية، ولا على الدولة بطغمة من أي نوع، ولا على المجتمع باستنفار عصبي او حزبي. لم يكن التحايل على كل حال قابلاً للصمود، إذ كان على الصيغة، التي كانت حتى الآن تخريجاً، ان تواجه حبلاً من الصراعات قبل أن تتحول الى واقع.
الحروب اللبنانية لم تكن قدراً بالطبع ولا يمكن ان نتكلم عن ايجاب فيها، لكنها مع ذلك كانت ثمرة ذلك التفاوت الفظيع بين التحديات والقدرات. لم تكن صناعة مجتمع حديث اختياراً حراً واعتباطيا، كانت قدراً لا يزال لبنان يصارعه، اما ان يكونه او لا يكون. بالاحرى، اما ان يكونه او يستمر في الصراع ليكون. التعايش، الذي كان جمعاً اعتباطياً بادئ بدء، واجه انفجارات عدة هي ايضا خروجات متتابعة على صيغته وفي كل مرة كان يبدو واضحا ان لا مهرب من التعايش الا بتعميقه وتفصيله. لا مهرب من التعايش إلا بتحويله الى صيغة مركبة وفعلية، لا مهرب من التعايش إلا بتحويله الى واقع.
كانت هناك ايضا إرادة الاندماج في المحيط او الخروج منه ولم يكن «لبنان ذو الوجه العربي» سوى تخريج، ومع صورية التعايش وتأزم المنطقة سقط ضحية تجاذب قاس. كان علينا ان نقفز من انفجار الى انفجار لنفهم ان الانتماء الثقافي والجغرافي لا يمكن التحايل عليه وان ثمة واقعاً ثقافيا اقتصاديا له لا يمكن تخطيه، بل ان لبنان قد يكون رائداً لمئة سبب في بلورته وتعميقه. لنفهم ايضا ان اليوتوبيا الوحدوية ليست مطروحة الآن وأن الحلم بها لا يجعلها واقعاً ملحاً ومباشراً. كانت الصيغة ايضا انفجارية، وكان عليها ان تصمد إزاء كل الحروب لتغدو حاجة، ولتتجسّم أكثر فأكثر في نقاش تفصيلي، وتتعرض لتوسعة وجرح وإعادة تأسيس. لتغدو هكذا واقعاً.
مشروع تحديثي
كانت الصيغة أولاً، التعايش ضمن اعتراف متبادل، لكن تحدي بناء وطن لأقليات متوازنة الى هذا الحد لا يمكن الاكتفاء فيه بصيغة بسيطة. إذ لا يمكن لهذه ان تصمد بدون تحديث متواصل تتغلب فيه المصلحة على النعرة، ويحل القانون حكماً، ويتوازن فيه الانتماء الى الحاضر والمكان مع الجد الاتني او الديني، وتقوم الدولة فيه بتمثيل ثقافة مشتركة وإدارة للحراك الاجتماعي. هذه بالطبع غايات لا يبدو اننا نقترب منها. لكنها مع ذلك ليست خياراً إرادياً. الواضح ان «الصيغة» لا يمكن ان تتحول الى واقع إلا بالاستناد الى تحديث منتظم وتدريجي قد يواجه عند كل منعطف انسداداً اجتماعياً وسياسياً ذا طبيعة انفجارية. الواضح ان خياراً تاريخياً كهذا لن يتم بسهولة. لكنه خيار تاريخي وليس مهما بهذا المقياس أن ننظر إلى بعد الأهداف بعداً يقارب الاستحالة. ليس مهماً أن تكون الأهداف «مثالية» كما يقال وأن يظهر أكثر فأكثر تفاوتها مع القدرات والاستعداد والواقع. إذ ليس في وسعنا أن نتقدم من دونها وليس في وسعنا أن نتقدم إلا إليها. إنه مشروع كما سبق أن قلت، وحين نتناول لبنان كمشروع فإننا نفهم أننا لسنا تماماً في العبث والاعتباط. إنه مشروع بالمعنى الذي نفهم به المشروع. أي أنه لا يتحقق ولكن يُقارب، لا يتحقق بالأخص في فترة منظورة. إنه تاريخ والتاريخ يهرب من مراقبتنا ويتحقق (نسبياً بالطبع)، بعيداً عنا وعن إرادتنا المباشرة. حين نقول عن لبنان إنه مشروع تحديثي، أي ثقافي فإننا نعني أننا نملك على هذا النحو خطة للتاريخ أو نملك فكرة عن المستقبل، نملك سبب وجود يرتكز أكثر فأكثر إلى الحاضر ونملك، رغم كل شيء، هذا المسار المؤلم حقاً، للتحول إلى واقع.
البرنامج نفسه
لا نعرف كيف يؤدي الانسداد إلى الانفجار ولكنه أيضاً يستدعي بالتدريج حلولاً مستحيلة. لا يسعنا القول إن الحرب الطويلة التي دامت 15 عاما كانت إيجابية، لكننا لا نقول إنها لم تنته ولا سبيل إلى أن تنتهي ولا سبيل إلى أن تصل إلى نتائج. يقرر ذلك من يقيسون على الانقسام الحاصل وعلى مظاهر السلاح والعنف. لا بد أن بعض مفاعيل الحرب لا يزال يجر نفسه لكن الانقسام اليوم غير الانقسام الماضي على الأقل، والصراع وإن تعدى أحيانا إلى العنف غير الصراع الماضي. لقد انتهت الحرب الماضية واستخلص درسها. لم يكن النزاع من قبل على لبنان، كان نزاعا مع وضد لبنان واليوم بات النزاع على لبنان وتأكد لبنان مصبّا لكل النزاعات ومرجعا. مهما يكن من أمر الأطراف المتنازعة فإنها ترجع الى اللبنانيين وتحتكم إليهم. لم يكن للانتخابات الأخيرة هذا الثقل لولا أن الشرعية، بالرغم من كل شيء، تصدر عن هنا. لم يكن الأمر لذلك لولا اتفاق طوعي ولولا أن الحرب أثمرت في إعادة تعريف واختراع لبنان. لم يصر كذلك لولا أن الحرب خرجت بهذا الوعي المضاد لأوليتها ولمسارها. لم تكن الحرب على لبنان لتستمر بعد أن غدا لبنان حاضنا للجميع. مع العودة إلى لبنان ثمة عودة إلى جملة قيم متلازمة معه أو متضمنة فيه: الجمهورية والديموقراطية والتعايش والتعدد والتوسط الثقافي والجغرافي. شكلت هذه القيم اتفاقا اجتماعيا وبرنامجا مشتركا. شكلت بكلمة أخرى نظاما مقبولا من الجميع ومشروعا جامعا وأساسا أوليا، لما يمكن أن نسميه ثقافة مشتركة. انتهت الحرب إلى هنا وتوقفت عنده.
اليوم نكاد لا نصدق حين نرى الجميع يتقاسمون البرنامج نفسه ويتبادلون تهم الخروج عليه أو خرقه. في ذلك ما فيه بالطبع من التحايل والسجالية. مع ذلك فإنه يعني الكثير. ذلك البرنامج اليتيم الذي لا قوى له: جمهورية بدون جمهوريين، ديموقراطية بدون ديموقراطيين. تعايش بدون قوى للتعايش وتعدد بلا أي دفاع حقيقي. إنه برنامج معنوي لكنه تحول الى قيم رادعة بحيث يبدو أن الاحتكام إليه جار من الفريقين المتنازعين. لا بد ان الانتساب إليه مضلل أحيانا لكن تجاوزه العلني والصريح يؤدي إلى ثمن لا يريد أحد دفعه. يعني ذلك أنه غدا قوة ولو بلا دفاع أو قوى، لكنها قوة، قوة ثقافية لنسمها، قوة دستور أو قانون أو عرف، قوة اشتراك طوعي وإرادة طوعية. ذلك يعني أن ثمة هياكل ورؤيا مشتركة. ليست هذه خطوة صغيرة، إنها قاعدة لبناء مجتمع. قاعدة لا بد منها لقيام مشتركات ولقيام أطر للسجال ولقيام ثقافة مشتركة. أي أننا أمام إنجاز قد لا يظهر اليوم أمام الحرتقات والمماحكة والطاحونة السياسية والتجويف المثابر لكل شيء، لكنه ثمين وفاعل بعين المستقبل. لقد تمخضت الحروب على فلتانها، عن إعادة رسم للحدود أو رسم للحدود. هنا إنجاز تأسيسي.
قد يخطر لواحد أن يحتج على هذه الرؤية لمجريات اليوم. لا بد أن رؤية كهذه لا تقاس على يوميات بقدر ما تقاس على وجهة كاملة. إلا أن احتجاجا كهذا لا يمكن دحضه بمجرد وعد مستقبلي ينذر بميتافيزيقا تاريخية. ثمة اليوم خطر مصيري لكن البرنامج الرادع، حصيلة حرب منتهية، يشكّل حتى في هذا الجو قوة رادعة. بل هو رغم كل شيء القوة الأولى في وجه الشطح والمحاولة المتجددة لتوحيد قسري. إنه القوة الأولى التي تتيح ازدواجا طويل الأمد قد ينتهي مع الزمن، وللزمن أهميته الكبرى هنا. باندراج القوى المضادة مجدداً في بنية النظام والتسوية. لقد حدث هذا من قبل. اندرجت القوى المضادة طوعا والخارجة على النظام فيه. كان هذا درسا من الحرب تعلمته بنفسها، فلماذا لا نأمل أن يتم أمر مماثل بدون حرب. لماذا لا يتعهد الزمن بتدجين الخروج وتكييفه. على كل حال لسنا أمام إمكان آخر.
بنية مضادة
نملك إذن، رغم كل شيء، مشروعا تحديثيا ومستقبليا هو وإن بدا مستحيلاً إلا أن استحالته الظاهرة هي ما ينبغي تجريبه كل مرة. إن مسالك التاريخ الغامضة والعجيبة تدعونا إلى أن نفكر على هذا النحو. لقد انتهت الحروب إلى تحويل طوعي في الرؤى وانتقال إرادي من المقلب إلى المقلب المضاد، أليست هذه صورة المجتمع اللبناني اليوم. لنقل إننا يمكن أن نعتمد الحساب التاريخي وإن لم يلق جواباً مباشراً من الواقع. في قمة الاعتصاب الطائفي يبدو النظام الطائفي مستنفداً وكسيحاً. لقد انتهت المحاصصة الطائفية الى انسداد كامل إذ لم يعد ممكناً أي توازن بين العرض الحكومي والطلب الطائفي. تحول النظام نفسه لذلك إلى حرتقة ومسخرة فعلية (صراع على نقل حاجب مثلا) وسينتج نخبا سياسية على هذا المقاس. لكن المحاصصة الطائفية تبدو الآن في تضاد مع الاتفاق الاجتماعي. إنها ليست ديموقراطية لأنها تنازع على الامتيازات لا على الحقوق. وليست جمهورية لأنها مافياوية وقائمة على تعدي الدولة والقانون. وليست تعددية لأنها تقوم على أساس عنصري ولأنها تنزل بالشيع والاتنيات الثانوية إلى حال من العدم والإمّحاء. وليست وطنية لأنها تستنفر الطائفة أو الجماعة ضد المشتركات والثقافة الجامعة. لنقل كذلك ان المحاصصة المستنفذة تدافع عن نفسها بمزيد من الاستنفار ومزيد من التشنج ومزيد العصبية. بل إنها تتحول في وضع كهذا إلى إيديولوجيا أو نظام ايديولوجي تصدر عنه كل القيم الأخرى السياسية والاجتماعية أو التربوية. إلى ثقافة صادة تأبى التحول الى سياسة وتستعصي على التبادل. هذا صحيح وهذا ما يبدو أن هناك من هم بصدده، تحويل النعرة إلى دين أعلى والى ناظم اجتماعي والى ثقافة ثانوية وخاصة. لا بد أننا نشعر بخطر ذلك ولا بد أن يسود في برهة لكنه لا يسود على الدوام. ثمة هذا الاتفاق المشترك الذي يشكل قوة مقاومة فعلية. ثمة التبادل الاجتماعي والسياسي الذي سيتأكد مع الوقت، هذا التوازن الإيديولوجي. ثمة الانقسامات داخل الجماعة, وثمة الاستقرار الذي تضطر إليه القيادات وهي تعلم أنه عدوها الفعلي وأن لا شيء يفت في سيطرتها مثله. يمكننا القول بلغة شبه ماركسية أن هذا مجرد انقلاب على التاريخ ولا يمكن له أن يدوم.
ثمة أيضاً هذا المجتمع الذي يتكون خارج الحلولية الطائفية والسياسية. مجتمع ليس موحدا ولا متجانسا لكنه يصدر عن اختبارات متفاوتة ليس لها معادل، أي معادل، ولا قطب استقبال في الصراع السياسي. يمكن أن نتكلم مباشرة عن الإنترنت والموسيقى والرياضة وحياة السهر الشبابي والقراءة أو التعبير بلغات ثلاث لنجد أن ثمة سهما يتجه إلى دائرة مضادة، هي تكون الفرد والحياة الخاصة والتحرر من الرقابة والإيديولوجيا الجماعية. التحرر بالدرجة نفسها من التكريس السياسي والعقائدي. يكفي أن نتأمل كل مساء في المتمشين على كورنيش المنارة، لنرى وسط لبنانيين، من كل الجماعات والمناطق كم أن الحياة الخاصة والحق فيها مصونان، وكم أن هذا بات تقليداً. لنتأمل أيضاً في احترام حقوق الأقليات الثقافية والجنسية والإثنية، احتراماً يغدو هو الآخر تقليداً. لنتأمل بوادر الحب الحر والمساكنة، لنرى أن ثمة نمط حياة لبنانياً «نسبياً». أن هذا النمط الذي هو امتياز نسبي هو إنجاز ثقافي أيضاً، وهو من جانب آخر قيمة تضاف إلى ديموقراطيتنا، ولا تستطيع السياسة المباشرة أن تمنحها مثله. قيمة للمستقبل تستحق الدفاع عنها. قد يجد البعض في هذا انحرافا وأغلب الظن أن القيادات الطوائفية من كل الجهات تراه كذلك. إذ أنها جميعا، فيما أعلم ترطن بلهجة دينية ومحافظة. ثمة مجتمع آخر لم يجد بعد سياسته ولعل في ضجره من السياسة ما يبعده طويلا عن ذلك. لكننا أمام قيم أخرى لا تندرج بسهولة في الاستقطاب الاجتماعي، أمام مجتمع لا يندرج بسهولة في الوحدانية الطائفية والثقافية ثمة باختصار ثقافة مضادة تنتظر إلى أن تغدو فاعلة ويغدو لها لسان وأطر.
يمكننا أن نفكر ثانية بالمثقفين. بعضهم ولا شك من ضباط الجماعات لكنهم سيزدادون انحدارا في السلم الاجتماعي، وحتى ضمن جماعاتهم. ثم أن ركاكة الخطاب السياسي المتزايدة لا بد ستنتهي بتذمرهم وإحراجهم.
يمكن أن نفكر أيضا ببقع اجتماعية وثقافية مضادة. مشتتة وغير مؤمنة بفعاليتها. لكننا حين نفكر بما كان المجتمع ينتظره من زياد بارود مثلاً، نفهم أن ضعف هذه الجماعات واستقلالها وهامشيتها قد تغدو في التأزم الاجتماعي عامل قوة أيضا. ثمة في أحوال كهذه أمل أكبر في المعنوي والثقافي. ثمة رجاء أكبر في النخب الأقلوية. أحسب ان لقاء بين هذه البقع قد يجعل منها قوة ضغط فعلية. أمر كهذا إذا حدث سيحول في الحراك الاجتماعي كله ويعيد الاعتبار الى التوسط والتبادل والحوار، بل يعيد الاعتبار إلى الثقافة والسياسة وكل ما يبدو الآن بلا قوة.
السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى