قانون الاحوال الشخصية الجديدياسين الحاج صالح

تعقيب على نقاش منتدى -هلوسات- حول مشروع قانون الأحوال الشخصية الأخير

null
ياسين الحاج صالح
بعد قراءة التعليقات الكثيرة في منتدى موقع “هلوسات” على مقالتي “تساؤلات في شان مشروع قانون الأحوال الشخصية في سورية” تولد لدي شعور بالتزام أدبي تجاه قراء الموقع، وبوجوب أن أشارك في النقاش تعبيرا عن امتناني واحترامي لهم، الغاضبين من المقالة وكاتبها كما بالطبع المتعاطفين معها والمدافعين عنها وعنه. إنه لمما يبهج القلب أن تحظى مواد كاتب باهتمام القراء وأن تثير نقاشا، ولو كان متحفظا أو سلبيا حيالها. ومن المؤثر أن يكتشف الكاتب أن له قراء على اطلاع ممتاز على ما يكتب، ويظهرون مودة إزاء أفكاره ومواقفه وشخصه. ولكوني غير متأكد من أني أعرف أياّ من المعلقين على مقالتي (وعلى المقالة الأخرى في المنتدى: “عودة إلى مشروع قانون الأحوال الشخصية”)، فإن اهتمامهم يغدو مؤثرا أكثر.
ولا أظن أني مختلف عن غيري في كوني لا أسعد بأن أشتم أو تستخدم ضدي لغة مشحونة بالكراهية. ككاتب، أنا أنتقِد وأُنتقَد، ولست ممن يفتعل صدمة حين يساء فهمه أو يرفض تحليله أو يسخر من موقفه. لكني أصاب بالوجوم حيال كلام ينز ضغينة وعنفا. الشيء الوحيد الذي أعرفه في مثل هذه الحالة، وهي نادرة حقا، أني لن أرد، لا بالمثل ولا بغيره. بلوغ هذا المستوى يفوق قدراتي.
على أني أود أن اغتنم هذه الفرصة لتوضيح ثلاث نقاط استخلصتها من مجمل النقاش حول مقالتي الأولى (“تساؤلات..”) ويبدو أنها ملتبسة. تتصل النقطة الأولى بتوقيت المقالة، والثانية بطعني المفترض للناشطين ضد المشروع وتشكيكي فيهم وتخويني لهم، والثالثة بالحصانة المزعومة لكاتبها.

ملتحق متأخر بالمعركة..
ركز كثير من التعليقات المنددة بمقالتي، وبي شخصيا، على كوني قدمتُ متأخرا وشاركت في معركة سبقني إليها كثيرون، مواجهين الأخطار وحدهم بشجاعة… وقد يحصل القارئ غير المدقق على انطباع بأني كتبت بعد أن سحب المشروع.
لا أجد لهذا النقد وجها. هل يفترض أن نقف كلنا في الوقت نفسه وبالنبرة نفسها ونقول الكلام نفسه ضد المشروع؟ فوق أنه غير ممكن إنسانيا، فإن بعضنا غير مؤهلون لتناول قضايا قانونية، وبعضنا يستهلك عملهم الكتابي (تأليف، ترجمة…) وقتهم فلا يستطيعون تخصيص وقت كاف لقضايا تطرأ مهما تكن مهمة، بعضنا لنقل مسافرون، بعضنا متشككون (أكثر مني!) ولا يريدون أن يستخدموا في أمر ربما تتعارض بواطنه كثيرا مع ظواهره. هذا بديهي إلى درجة أن المرء يشعر بالسماجة وهو يذكره. وحده تحويل نقاش عام، صحي وضروري، إلى معركة خاصة يضطر المرء لذكر البديهي.
وإذا تذكرنا أن هناك مشكلات وطنية واجتماعية كبيرة مرت على سورية دون أن يجند جميع الناشطين العامين أنفسهم لفعل شيء بشأنها، ودون أن يكون منصفا طلب تجنّد الجميع فيها، صار مباحا لنا أن نشتبه في أن الغضب والاستنفار والتنديد الساخط بمن لا يشاركوننا الرأي والتوجه ربما يكون آلية نفسية لمنح أنفسنا الشعور بأننا على حق. ويتراءى لي أن ثورة الانفعالات على هذه الصورة موسومة بروح مصادرة لا تتناسب مع الغيرية والأريحية المطلوبتان في العمل العام. وعن الروح نفسها ربما يصدر الإيحاء بأن التنديد بالمشروع فعل شجاعة وركوب لمركب الخطر… لا شيء من ذلك البتة. حتى أن الشيء الوحيد الذي يستحق النقاش هو التساؤل عن سبب هذا الإيحاء الذاتي. أخمن أن للجواب علاقة بذهنية الحزب الواحد، أو “الملة الناجية”، العصبة الوحيدة التي على حق.
.. وليس صحيحا بحال أني اعترضت على النقاش بحد ذاته؛ ما اعترضت عليه وتشككت فيه هو مقاربة بعينها للمسألة مثار النقاش، مقاربة بدت لي ضيقة وأحادية الجانب وغير نقدية.
نشرت مقالة “تساؤلات..” يوم 25/6. وكانت كتبت قبل نشرها بأيام قليلة. وما كنت بالطبع أعلم أن رئاسة مجلس الوزراء ستنتهي خلال أيام إلى عدم الموافقة على المشروع. كنت أيضا وعدت في مقالتي هذه، وعنوانها الكامل هو “تساؤلات بصدد السياق السياسي والمؤسسي لمشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد في سورية” (قلصته “الجريدة” قليلا لطوله) أن أخصص مقالة لمضمون المشروع، فكان أن كتبت مقالتين، نشرت الأخيرة منهما يوم 2/7 كما بيَن أحد المعلقين، أي يوم أعلن أن الحكومة لم توافق عليه، فيما كانت الأولى نشرت قبلها بيومين. وكلتا المقالتين كتبتا قبل نشرهما بأيام قليلة أيضا، ونشرتا بفاصل يومين بينهما فقط بطلب مني، بسبب وحدة موضوعهما.
ولما كانت ثقافتي القانونية محدودة، ولم أكن مختصا في قضايا الأحوال الشخصية وما يحف بها من شؤون، فقد اقتضى الأمر أن أطلع على المشروع وأجمع مواد تتناوله. وبالفعل لم أكتب شيئا قبل أن أعد وأطبع ملفا من 92 ألف كلمة عما كتب عن المشروع فضلا عن المشروع نفسه. هذا يحتاج وقتا، أليس كذلك؟
مرة أخرى أشعر بالسماجة لاضطراري لقول هذه كله. وأخشى أنه لن يشفع لي رغم كل شيء. إذ قد لا يكون “تأخري” في الكتابة ضد المشروع هو المشكلة، بل بالضبط مشاركتي في الكتابة. وقد لا تكون مقالتي وأفكاري هي الخطأ، بل أنا بالذات. وعذرا، لا يسعني المشاركة في فعل تصحيحي أو محوي.

يشكك بمن سبقوه إلى الميدان..
النقطة الثانية تتصل بتشكيكي في معارضي المشروع وتخويني لهم أو اتهامهم بالعمالة للنظام. يبدو لي أن هذا الاعتراض يحيل إلى مشكلة أعمق تتصل بدور المثقفين والناشطين العامين، وكذلك بمعنى النقد. كل نشاط عام منقود، مستحق للنقد ومعرّض له، ولا حق له في أن يرفضه أو يقمعه. لا يكفي أن تعمل من أجل قضية محقة حتى تكون محقا في كل ما تعمل، أو حتى تطلب لنفسك رخصة إعفاء من النقد. ومن يعمل في حقل عام يلام إن قصًر، ولا يثنى عليه إن أحسن. وغاية ما يحق للفاعلين العامين، السياسيين منهم والثقافيين والحقوقيين وغيرهم، المطالبة بإنصاف عام. أعني أن لا يكون النقد كيديا أو مغرضا أو شخصيا أو متعدد المعايير. لكن تقييد النقد (بذريعة “النقد البناء” مثلا) أخطر بكثير من إطلاقه، وإن تضمن الإطلاق إغراضا وكيدية.
هل كان نقدي كيديا ومغرضا؟ هل أتوسل معايير مختلفة لنقد جهات مختلفة؟ أترك الإجابة مفتوحة.
والواقع أن نقدي انصب على السلطات العامة التي يبدو لي أنها تصرفت بصورة غير مسؤولة، إن في تشكيل “اللجنة السرية” على الصورة التي شُكِّلت بها، أو في طريقة تفاعلها مع المشروع بعد إنجازه، أو حيال تداعياته بعد نشره. وقد طرحتُ أسئلة كثيرة في هذا الشأن أعتقد أن من الغفلة ألا تطرح. انتقدتُ أيضا المشروع بسطور قليلة لأني كنت بصدد كتابة شيء مستقل عنه. انتقدت أخيرا مقاربة للمشروع بدت لي حولاء، ترى شيئا وتفوتها أشياء، وتستخدم لغة بالغة العنف، لا تترك للقارئ خيارا غير أن ينضم إليها مسلوب الإرادة أو يعزل نفسه لأنه لا يفهم جلية الأمر. حاولت أن أوسع المقاربة، أن أسهم في إتاحة الفرصة لسماع أقوال أخرى وطرح أسئلة أخرى والنظر من زاوية أخرى، وتاليا أن يشارك آخرون في هذا النقاش الحيوي. وأنا اليوم أكثر يقينا من أن المقاربة التي انتقدتُ تجتذب جمهورا أقل إلى الاحتجاج على المشروع من مقاربة أهدأ نبرة وأوضح فكرة، أوسع إحاطة أيضا وتاليا أكثر جذرية. ينفر الناس عموما من العنف المادي واللفظي، ولعلهم يشتبهون، بحق، أن وراء كل كلام زاعق تطلعات ذاتية. ورأيي أنه كلما كان الكلام أشد عنفا أتاح فرصة مشاركة أضيق، وأقصى إلى السلبية جمهورا أوسع، فكان أقل ديمقراطية. وعليه فإن القول إني عطلت “العمل”، أو نلت منه، ليس غير صحيح فقط، بل إن عكسه تماما هو الصحيح. ولكان ظهر هذا بجلاء أكبر لولا أن خمد النقاش حول المشروع إثر سحبه (المؤقت؟) من قبل الحكومة.
ومن جهة أخرى يبدو لي أن مقاربة عنيفة وأحادية الجانب كالتي انتقدتُ (وهي لا تظن نفسها الوحيدة إلا لأنها ربما لم تسمع صوت غيرها بسبب ما أحدثت هي بالذات من جلبة: كتب محامون ومحاميات مواد ممتازة، وكتبت ناشطات وناشطون مواد مفيدة جدا..) لا يمكن أن تكون محايدة سياسيا، أو حتى تترك مجالا للتبيّن السياسي. لقد قادت نفسها بنفسها إلى قراءة واحدية ضيقة للمشروع، وشخصت الشر في جهات دينية أو في ذهنية دينية، فلم يغب الاجتماعي التاريخي والثقافي فقط، بل غاب أننا نعيش في ظل نظام سياسي بعينه، وأنه نظام تدخلي بكثافة في كل الشؤون العامة (وكثير من الشؤون الخاصة)، وأن الصعيد القانوني ليس مستقلا بالدرجة التي أوحت فيها مداخلات المقاربة المعنية. وغابت عنها أكثر المحددات السياسية الجوهرية والمديدة للعلاقة بين الديني والسياسي في البلد، وذلك الضرب من الشراكة في السيادة بين الدين والدولة التي تجعلني أراهن من يرغب منذ الآن بأن أي قانون أحوال شخصية قد يصدر في ظل الهياكل السياسية الحالية لن يكون مختلفا إلا شكليا عن هذا الذي ألغي، وأنه سيكون مشروعا طائفيا ولا مدنيا حتما. وهنا نقطة أساسية، مفادها أن من يستند إلى الهياكل السياسية الراهنة من أجل قانون مدني للأحوال الشخصية يخذل نفسه، ولن يحصل على غير ما يشبه القانون الحالي، أو على المشروع المعترض عليه نفسه مع بعض التشذيب (نُسِب إلى مفتي الجمهورية قوله إن 18 مادة من المشروع حذفت، فيما يبدو أنه مؤشر على إصدار قانون له البنية نفسها لكنه ربما أكثر حصافة..، موقع النداء، 26/7).
وخلاصة ذلك أنه لا مجال للعمل من أجل قانون أحوال شخصية مدني إلا في سياق العمل من أجل أوضاع سياسية مختلفة، أكثر ديمقراطية وشفافية وإنصافا. هذه بالطبع معركة طويلة، تتطلب وضوحا أكبر في المقاصد واسترخاء أكبر في النفوس وانفتاحا أكبر على جمهور السوريين الواسع.

فهيا ننزع عنه الحصانة!
النقطة الأخيرة غريبة جدا، وتتصل بما يفترض أني أنعم به من “حصانة”. أقر أني عاجز عن الفهم. فإذا كان المقصود الحصانة من النقد، فالأكيد أني مفتقر إليها، فوق أني لا أطلبها لنفسي ولا أقر بها لغيري. وإن كانت الحصانة من التسفيه والشتم، فالواضح أني محروم منها أيضا، وكنت أفضل لو حرم ممارسوها أنفسهم من تلك المتعة البخسة. من أين جاءت فكرة الحصانة هذه إذاً؟ هل احتاج المسفهون إلى نسبة حصانة إلي كي يشجعوا أنفسهم على تسفيهي؟ وربما كي يمنحوا أنفسهم الشعور بأن التسفيه هو في الواقع نضال ضد امتياز غير مقبول أحظى به؟ لا أملك جوابا.
على أني متعاطف مع طلب رفع الحصانة عني، أيا يكن معناه.

“بدها طولة بال”
بودي، أخيرا، أن أحيي النقاش الواسع حول مشروع قانون الأحوال الشخصية، بما فيه ما انتقدته. وأفضل أن أعتقد أن لهذا النقاش دور في عدم موافقة الحكومة على المشروع. بل إني أجزم بذلك. ما قدر هذا الدور؟ لا أعلم. على أني أرجح أن دور هيئات دينية في الاحتجاج على المشروع أكبر من دور ناشطين مدنيين. ومعلوم أن النظام اعتاد لدينا على الانفتاح على أرباب الشعائر الدينية وشيوخ العشائر ووجهاء “المجتمع الأهلي”، وعلى سماع طلباتهم والاستجابة لوساطاتهم ومراعاة حساسياتهم، فيما ثابر على تحطيم منظمات السوريين السياسية المستقلة وتفكيك أية تجمعات ثقافية أو حقوقية مستقلة أيضا، وإن كان نجح في تأليف قلوب كثيرين من الفئة الأخيرة. ليس في هذا كله أيضا ما هو جديد أو غير معروف، وهو يضيء جوانب مهمة من الواقع الاجتماعي والسياسي السوري، بما في ذلك المصير المتقلب لمشروع قانون الأحوال الشخصية الأخير. لكن تلزم رؤية هذا الواقع بوضوح إن كنا نروم سدادا في العمل العام.
والخلاصة، مرة أخرى، أن فرصة تحقيق تقدم في معركة الأحوال الشخصية مرهونة بوضعها في سياق أوسع، سياق تمكين قطاعات أكبر من السوريين من المشاركة في النقاش العام والعمل العام. هذا ممتنع على الأرجح دون أكبر قدر من التواضع من جهة المثقفين والناشطين، ودون التوضيح الأقصى للقضايا مثار النقاش.

خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى