قانون الاحوال الشخصية الجديد

انتصار جزئي للعلمانية في سوريا

عمار ديوب
اتخذ العلمانيون، ربما لأول مرّة في سوريا، موقفاً لافتاً في سيرتهم هذه، حيث وقفوا ضد مشروع قانون الأحوال الشخصية، فأقيمت حملة إعلامية واسعة، ليست منسقة بالمطلق كما يشير بعض الكتاب، ولكنها صادرة عن هم وطني وخوف كبير من تمدد العقلية الأصولية إلى مؤسسات الدولة، والخشية من تحويل سوريا مستقبلاً إلى دولة طالبانية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، فالمشروع تضمن تمييزاً ضد أديان وطوائف ومذاهب معينة وأذلّ النساء بكلمات كالموطوءة والمرتدة والكتابية ومن أهل الذمة وغير ذلك. عدا قضايا لم تعد من الأفكار السائدة حتى في الأوساط الشعبية، كالمواد المتعلقة بالظهار أو اللعان أو الإيلاء وغيرها.
وجاءت حملة العلمانيين من مختلف المنظمات النسائية والمثقفين المستقلين، وكتبوا في كل وسيلة إعلامية سورية سمحت بذلك، وفي الصحافة اللبنانية، عدا مئات المقالات في الانترنيت والفيس بوك، وقد انفرد مرصد نساء سوريا بتغطية الموضوع بأكثر من مئتي مقال وبحوار إلكتروني مستمر، وأقيمت عدّة برامج تلفزيونية علىbbc وتلفزيون المشرق، وعدة برامج على إذاعات سورية خاصة، واشترك في الحملة بضعة آلاف من السوريين، ووزعت الاعتراضات على مكتب الرئاسة و الوزراء وبعض أعضاء مجلس الشعب. لم يقف أحد من العلمانيين ضد الدين بل اعتبر المشروع ضد الديانات السماوية وقد كتبه بعض المتسلقين على الدين لتنفيذ مشاريعهم الوصائية على المجتمع السوري، ويتضمن انتقاصاً في المواطنة السوريّة، سواء كانت فكرة أو كانت نصاً في الدستور السوري، رغم أن الدستور يتضمن بنوداً تنتقص بدورها من المواطنة ومن العلمانية.
انفرد الحزب السوري القومي ببيان عن هذا المشروع الظلامي، وأتاحت جريدة الحزب الشيوعي «النور» صفحة خصصت للموضوع بكتابة بعض المقالات فيها، ولكنه لم يُصدر بياناً مستقلاً، وبالمقابل رفض حزب شيوعي آخر نشر أية مقالات على صفحات جريدته أو أن يتم التركيز على الموضوع، وهناك أحزاب يسارية وليبرالية لا تزال حائرة في اتخاذ موقف من المشروع رغم إلغائه من رئاسة الوزارة السورية! وأيضاً لم تُغط المنظمات الحقوقية الموضوع سوى بطريقة تشي بعقم فهمها لقوانين حقوق الإنسان وملحقاته، وهو ما يظهر مقدار العقلية السياسية الضيقة في فهم مسؤوليات هذه المنظمات. دون أن نتجاهل وجود منظمات أخرى كتبت عن الموضوع في هامش بيانات تدبجها للتنديد باعتقالات سياسية تطال ناشطين سياسيين نتعاطف معهم، ونتعجب كثيراً من بيانات تلك المنظمات.
رئاسة الوزراء في سوريا تلكأت في إلغاء المشروع وأصدرت في البداية تصريحات باسمها ومن طرف بعض أعضاء مجلس الشعب ورئاسته تفيد بالموافقة على المشروع؛ الذي كُتب بناءً على تكليف من رئاسة الوزراء، علماً بأن هناك مسودة قانون مدني أنجزته الهيئة السورية لتنظيم الأسرة وهي بمثابة وزارة في سوريا، ولكنه طُوي. وبالاعتماد على ذلك التكليف، وحين سُرب إلى الإعلام، لم يُعلن عن أسماء اللجنة وبقيت ولا تزال سرية رغم معرفة بعض أسمائها لاحقاً، ومن طرف الإعلام المستقل عن الدولة ـ لأن الإعلاميين العاملين بالصحف الرسمية منعوا من الكتابة في الموضوع ـ والعلمانيون هم من أَلغوا المشروع قبل أن تلغيه رئاسة الوزراء بعد تكثيف التشهير به والتنبه لخطورته على مستقبل سوريا بلداً وشعباً.
الإلغاء الذي تمّ أُعلن ببيان صحافي من رئاسة الوزراء تضمن عبارة «لم توافق عليه شكلا ومضمونا فأعيد إلى وزارة العدل لدراسة الموضوع مجددا وبالتنسيق مع كل الجهات المعنية ذات الصلة»، وهذا بحد ذاته هام، إلا أنّ هذا البيان غير كاف، فقد كان من الضروري الإعلان عن أسماء اللجنة السورية وكف يدها عن أية لجان تشريعية مستقبلية في سوريا أو مناصب تعليمية مع الحق للسوريين بمحاكمة أفراد تلك اللجنة، ما دامت لا ترى السوريين سوى طوائف ومذاهب ومؤمنين ومرتدين وأهل ذمة وأتباع المذهب الحنفي. والعودة إلى الهيئة السورية التي هي وزارة باسم هيئة مع مجموعة من المثقفين والمفكرين والحقوقيين والناشطين المعروفين بانفتاحهم على العصر وفهم ضروراته والانطلاق من فكرة المواطنة، والعمل على قانون مدني لتنظيم الأسرة أو الأحوال الشخصية، لا يمايز أبداً بين السوريين وفق العقيدة أو الجنس أو القومية.
هذا الانتصار لا يعمي أبصارنا عن أنّ الطائفية في سوريا لم تعد محصورة في قوى محددة، بل إنّ وجود هذه اللجنة السورية وهذا المشروع يشيران بوضوح جلي الى أنّها صارت في بنية الدولة السورية، ولم تعد هذه الدولة منقوصة العلمانية بل فيها قوى طائفية وازنة. وبالتالي، ليس من الممكن مناقشة القضية بعيداً عن التصدي للطائفية ومتابعة وجودها في الدولة وفي المجتمع وفي الأحزاب السياسية، لأن هذه المراكز، تهدد بنسف كل تراكم ـ على قلته ـ قومي وماركسي ووطني، أي علماني في سوريا. وتعود بها، كما أشرت في مقالة سابقة نشرت في «السفير»، إلى القرون الوسطى بكل ما تتضمنه هذه الفكرة من مفارقة، ولنا في العراق وجع لا يتوقف هنا، إلا ليظهر هناك في الصومال..!
ضعف التكوين العلماني للدولة السورية، سواء في الدستور أو التشريعات أو تداخل السياسي والديني، هو السبب المركزي في تقدم الطائفية والأصولية في بنية الدولة، عدا هشاشة ذلك التكوين في القوى السياسية والمنظمات الحقوقية «العلمانية». أما الانتصار الذي تحقّق فهو يؤمن للدولة وللقوى العلمانية ذاتها فرصة لتتقدم نحو علمانية أكثر اكتمالا إن كانت فعلاً تبتغي ذلك. هذا الموضوع يدفعنا للتأكيد على ضرورة طرح المسألة الطائفية في سوريا وإظهار مخاطرها والقوى الداعمة لها في الدولة والمجتمع والأحزاب السورية، وفصل سلطة الدين عن الدولة وتحييد الأخيرة عن الطوائف الدينية والنظر إلى كل أفرادها على قدم المساواة أمام القانون. وبالتالي على الدولة ألا تستخدم الدين لمصلحتها وعلى ممثلي الدين إبعاد تصوراتهم الدينية عن الدولة ووضعيتها، وبدون ذلك ستتمدّد الطائفية والأصولية، وعندها سيتهدد الانتصار الجزئي للعلمانية بالفشل، عدا التراجع الممكن لكثير من أوجه العلمانية السورية في مختلف مستويات المجتمع.

([) كاتب من سوريا

السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى