صفحات ثقافية

حامد بدرخان في أعماله الكاملة: كتب بثلاث لغات ولم يكتب بلغته

null
انور محمد
كان الشاعر حامد بدرخان 1924-1996 يعتبر أنَّ النثر والشعر يمكن أن يتعايشا في قصيدة كما في رواية. وكأنَّ أعماله الشعرية الكاملة التي صدرت مؤخراً بجهدٍ شخصي من (نازلي خليل) بعد أن كان قد فوَّضها بحق التصرُّف بعد موته في إنتاجه الأدبي وفي أمواله, وحتى في اختيار مكان القبر ومن يمشي في جنازته من الرفاق والأدباء والفنانين جاء تطبيقاً لرغبته وتنفيذاً لرأيه. لأنَّ شعره بالأساس هو ردُّ فعل مباشر على الأحداث السياسية التي يذهب ضحيتها الإنسان: تحت جدران حلبجة الشارع العريض الهادئ بلا صوت, ووجه ضمير البشرية المتفرِّجة بلا صوت.. هم كانوا خمسة آلاف ووراءهم عشرة آلاف حلَّت بهم ساعة النحس وجميعهم ماتوا، خمسة آلاف إنسان ونيف. لم يكونوا كلاباً بل كانوا خمسة آلاف وعشرة آلاف إنسان، لم يكونوا يحلمون بوهج المجد, كانوا حفاة الأقدام ونصف عراة.. النساء والأطفال ماتوا جميعهم. هطل المطر المسموم فوقهم ليس من ناطحات السحاب الأميركية بل من بغداد….!! أعرف الجلادين عبر التاريخ مثل نيرون وجنكيز خان وتيمورلنك ودراكولا…الخ, ولكن أحقر من هؤلاء هو صدام… صدام حسين. ص 499
وأنت تقرأ قصيدته هذه أو غيرها مما جاء في أعماله تشعر كم هو مشبعٌ بالسياسة, وكم هي ثورته عنيفة, وكم غضبه العقلي ضارٍ. لأنَّه لا يكتب بحسِّ الضحية, بل بحسِّ ومشاعر الناقد ضد وحشية الظالم مهما كانت قوميته أو ديانته أو طائفته أو حزبه: لا تسأليني عن عنواني أنا موجود في قلب الأرض ومجاري الأنهار وأمواج البحار, أسير بلا توقف لأنَّ جمجمتي مغروسة برمح الفجر. لقد ماتوا… سالازار, فرانكو, لون نول ومونتغمري. لا تسأليني عن عنواني.. أنا آتيك من الشمال, ومن الشرق, مثل الريح, مثل الرعد, مثل المطر والبرق مع غضبة الجماهير وصوت الشعب.
مع ذلك فإنَّ أشعار حامد تكشف عن شاعر واسع الثقافة ذي اهتمامات فكرية وتاريخية, لكن نابضة بالحياة وليست جافة متخشِّبة, تصاحبها موسيقى إدراكية ترينا مدى تأثره وانفعاله النفسي وربَّما الجسدي, لأنَّه يكتب تعبيراً عن تجربة سياسية يومية, فنقرأ أصوات موسيقى تأثره ورؤياه التي تنساب من كلماته التي لا اصطناع فيها. بالعكس فالكلمة أو العبارة اللغوية عنده تجيء مادةً خاما فيها شيء من عامية وشيء من فصحى, لترسم الصورة النقية لرؤيته بعيداً عن الأناقة الشكلية التي لا يتقنها أو يجري وراءها. فهو بالأساس لا يُجيد اللغة العربية – تعلَّمها متأخِّراً عندما لجأ إلى سوريا وعاد إلى قريته «شيخ الحديد» فراراً من المعتقل التركي على يد معلم القرية «رشيد عبد المجيد», الذي سيصبح في ما بعد رفيقه وصديقه, وتقوم زوجته نازلي خليل، التي أصدرت أعماله الكاملة هذه على نفقتها الخاصة، بفتح دارها بحلب لحامد بدرخان وتحويلها إلى منتدى فكري وإلى مقرٍ لنشاطاته الأدبية والسياسية, بل دار ضيافة له ولأصدقائه وبعيار خمس نجوم.
محكوم بالإعدام
حامد بدرخان كان محكوماً عليه بالإعدام في تركيا, فقد أسَّس حسب ما جاء في مقدِّمة الأعمال الكاملة التي كتبها (محمد جزائر حمكو جرو) مع كلٍ من ناظم حكمت وعزيز نيسين وعابدبن دينو وصلاح عدولي وأستاذه ممدوح سليم الحزب الشيوعي التركي. وقد اعتُقلَ بعد أن ضيَّقت الحكومة التركية على الشيوعيين, وزجَّ به في السجن. لكنَّه وبترتيبٍ من رفاقه استطاع الهرب والعودة إلى سوريا – كان قد وُلِدَ في قرية شيخ الحديد عام 1924 إحدى قرى عفرين في الشمال السوري, لكنَّه غادرها مع أسرته وهو طفل إلى تركيا فدرس فيها إلى أن تخرَّج من كلية الآداب بجامعة استانبول – والهرب من السجن كان قد ترك آثاراً نفسية على حياته, فقد كان يتصوَّر أنَّ المخابرات تطارده, يتصوَّرهم في كل مكان, وكان يسميهم بـ(الخازوق): جاء الخازوق, ذهب الخازوق. وهم مثل الإقطاعيين ورجال العصابات: ربَّما تنام على الكوابيس المظلمة وحياتك مهدَّدة.. المافيا, أزلام الآغا, والشرطة السرية, والخونة من القوَّة السوداء, والذين يدمِّرون ثروات الشعب… معتقلات.. منفى.. وأعواد المشانق. ص 547.
مع ذلك فقد اختلف عليه الأكراد؛ فمنهم من اعتبره ضدَّ كردستان – كان على خلاف كبير مع الشاعر الراحل «جيكر خوين» وقد شهدت شخصياً بعض فصوله في أكثر من لقاء جمعهما عملت على ترتيبه نازلي خليل, لتقرِّب من وجهات نظري كليهما – ذلك لأنَّه لم يكتب شعراً بالكردية, وكأنَّ الكتابة باللغة الأم هي دليل ولاء, مع أنَّه ترك عملين شعريين باللغة الكردية, صدر الأوَّل عام 2006 بعنوان (شيْيّهِ) والثاني في عام 2008 تحت عنوان (سَردورا جيْيانه), بالإضافة إلى خمسة عشر ديواناً باللغة التركية تنتظر النشر. ومنهم من اعتبره أكثرالكرد كردية – وهم الشيوعيون بسبب مواقفه الأممية /الكونية من القضايا الإنسانية: سأجمع كل مناضلي الأرض من رأس الرجاء الصالح إلى آخر ألاسكا. سأجمع كل الكوبيين والكوريين والفيتناميين وجميع الأحرار في العالم لمساندة قضيتي, وأضحي بدمي, وأقول لك وداعاً يا حبيبتي, فقير أنا.. ليس لدي ذهب ودولار, غنيٌ قلبي بعقيدتي, وأنا مؤمن…عنيد بالنصر, بالأيام الجميلة الآتية لنا وللعالم ص. 570 .
مات حامد..عاش حامد, الأعمال الشعرية بالعربية – وهذا حلمه – قد صدرت, وأشعاره التي جاءت فيها وإن كانت نثراً خلا من الأناقة اللغوية, إلا أنَّها تحفر في الوجدان بسبب تلك الفرقة السيمفونية التي تستوطن شعره وتعزف موسيقا انفعالاته الميلودرامية العنيفة.
[ صدر عن دار عبد المنعم، ناشرون /حلب 2009
عدد الصفحات 949 من القطع الكبير.
السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى