صفحات سورية

ما هو مشترك بين الأفيون والسياسة

null
كامل عباس
يتوقف تأثير كثيرا من المواد الكيميائية داخل جسم الإنسان على نسبة وجودها في الدم , وهو ما يطلق عليه باللغة الكيمياوية ( التركيز )  . على سبيل المثال , كل المشروبات الروحية تلعب دور المنشط للأعصاب عندما يتم تناولها بكميات خفيفة ,ودور المثبط عندما يصبح تركيزها عالياً في الدم , يصل حد السكر او فقدان الوعي , او عدم الإحساس بما يجري حول المرء .
بالطبع يختلف تأثير الكحول من شخص الى آخر حسب بنيته العصبية والفيزيولوجية , لكن كل الأشخاص الذين يتناولون الكحول  يُعّوِدون عضويتهم على طلبه حينما تقل كميته في الدم . فالأعصاب تتذكره عندما يغيب  وترسل رسائل الى المخ تطلب منه تأمينها له.وهو ما يعرف عاميا بالإدمان . تناول الكحول تلازمه صفة أخرى غير الإدمان هي صفة الخدر اللذيذ الذي يشعر به المرء من جراء تناوله . هذه الصفة تكتسب أهمية كبرى في حياة الانسان . فالانسان كما هو معروف كائن اجتماعي , وقد تكون حياته ضمن بيئته الاجتماعية مليئة بالخيبات والمشاكل .  والخدر اللذيذ ينقله من واقعه  الى واقع أخر .  فينسى مشاكله ضمن بيئته ما دام تحت تأثير هذا الخدر , مع انه  يتلف الأعصاب ويدمرها بالنهاية .
يفعل الأفيون فعله في الجملة العصبية بنفس الآلية  التي يفعل بها الكحول , مع فارق ان تأثير الأفيون على الأعصاب اشد بكثير من تأثير الكحول وإدمانه أصعب , وخدره أكثر لذة , وإتلافه للأعصاب أشّد بكثير.
اما  السياسة , فقد  نشأت بين الناس من جراء انقسام المجتمع على بعضه , وما نشأ إثر ذلك من فئات وطبقات اجتماعية متضاربة المصالح . كل فئة او طبقة اجتماعية استطاعت عبر التاريخ أن تفرز رموزا معينة تحمل مواصفات شخصية تؤهلها للدفاع عن مصالح الفئة ككل , وتخوض معاركها السياسية مع ممثلي الفئات الأخرى على هذا الأساس .
تفعل السياسة فعلها لمن يتعاطاها في العضوية على طريقة الكحول والأفيون , مع فارق ان الفعل يتم بدون وجود كيماوية , ينوب عنها أفعال منعكسة شرطية تؤمنها مستقبلات الجملة العصبية (الحواس الخمسة ) فهي ترسل رسائل الى المخ تذّكره دائما بمواقف معينة وتحضه على متابعتها . وهو ما يشكل لديه الإدمان على السياسة التي تلهيه عن واقعه الشخصي وتؤمن له خدر لذيذ نتيجة اقتناعه بأهمية عمله  في المجتمع .
ما هو مشترك بين الأفيون والسياسة هو الإدمان والخدر اللذيذ لكل من يتعاطاهما .بالطبع يتعاظم تأثير الصفتان  كلما كانت بيئة المتعاطي للمادة حبلى بالمشاكل . سنقدم أمثلة عن تأثير السياسة على متعاطيها من واقع البلدان المتخلفة  التي تحمل من الصعاب والمشاكل الكثير.
ومن حياة السياسيين في الموالاة والمعارضة .
للسياسة سحر فظيع في البلدان المتخلفة ياسر متعاطيها سواء كان وزيرا أو مديرا او صاحب منصب , او زعيم حزب , او شيخ عشيرة  , وهذا ما يجعله يفكر بتوريث امتيازاته السياسية الى أبنائه عند شعوره بدنو أجله . ولما كان الحاكم العام خير مجسد لمن يتعاطون السياسة من موقع الموالاة في البلدان المتخلفة ,  فسنتتبع تأثيرها عليه كأوضح صوره لها داخل هذه الفئة التي تعمل في السياسة .
ان أي حاكم في بلد متخلف تدمره السياسة ,  تجعله يدخل الى المرحاض ويخرج منه وهو محاط بالحراس , يتناول وجبات طعامه مع العمل تحت اسم – غذاء عمل –  ونزهاته برفقة الوفود الأجنبية , وقلما يستطيع مداعبة أطفاله والتنزه مع أسرته بسبب مشاغله السياسية , وبالمجمل يصبح أسير كرسيه الرئاسية ,محروم من إنسانيته , يشعر بخدر لذيذ يغذيه وهم امتيازاته التي تصل حد إلغاء مدن أحيانا بجرة قلم . وعندما تجبره الظروف على التخلي عن الكرسي يصبح حاله حال من يجبر على ترك الأفيون , لا وجود لحاكم في هذه البلدان , يترك كرسيه الا بالموت او العصا , ومن يتركها مرغما , يظل يعمل بكل السبل للعودة اليها , وان لم يستطع العودة اليها ينتهي به الأمر الى الجنون او الموت قهرا وحزنا على الكرسي .
ليس حال المعارضين في البلدان المتخلفة مع السياسة أفضل بكثير من الذين يعملون فيها من موقع الموالاة , فالمعارض لسان حاله يقول : أشرف الناس وأنبل بني البشر من يعملون في السياسة لمصلحة الطبقات الشعبية ولتطوير المجتمع , واذا كان المهندس يهندس شوارع , والطبيب يجري عملية جراحية للفرد , فان السياسي يهندس عقول ويجري عملية جراحية للمجتمع . وهو من اجل هذه القناعة يتحمل كل أنواع العذاب بما فيها عذاب السجون لسنوات طويلة , تاركا أسرته وأطفاله دون رعاية . تحت وهم انه يعمل من اجل سعادة  المجتمع ككل  وليس من اجل مستقبل سعيد لأسرته فقط .ذلك الخدر اللذيذ الذي يعيش فيه , يجعله على استعداد لأن يعود للسجن مرة أخرى عندما تهدده السلطات الحاكمة بذلك اذا لم يمتنع عن نشاطه السياسي .
يخف سحر الأفيون والسياسة كلما كان الناس في بلد أكثر رقيا وحضارة وتطورا اقتصاديا ,  خصيصا اذا كان ذلك البلد يراعي تكافؤ الفرص بين مواطنيه ويوزع الثروة القومية على طبقاته توزيعا عادلا حسب موقعها من العملية الانتاجية  . هذا ما تقوله التجربة السياسية في البلدان المتطورة التي تُحكم عبر دستور يتيح تداول السلطة بين مواطنيها  ولا تسمح للسياسي بشغل منصبه أكثر من دورتين انتخابيتين ,فهي بهذا القانون تُعّوِد سياسيها على التأقلم مع فقدان امتيازاتهم السياسية .
قياسا على ذلك يمكن ان نحلم بمستقبل تصل فيه التجمعات البشرية الى الخلاص بشكل كامل من سحر الأفيون والسياسة , فيصبح المواطن واعيا لمشاكله ولا يتناول المشروبات الكحولية والمخدرات من اجل الهروب من واقعه , بل من اجل ما يفيد منها صحته وأعصابه .
أما السياسة فستصبح في البلدان المتطورة التي تنصف منتجيها (ولا تسمح بوجود أفراد فيها يملكون من الثروة ما تملك منطقة سكانية يزيد تعداد سكانها عن المليون ) ضريبة مفروضة على الشخص (وليست امتيازا له )  شبيهة ببقية الضرائب التي يؤديها تجاه مجتمعه , فهو يضحي بجزء من وقته لأجل تنظيم حياة الجماعة التي ينتمي إليها .

* – اللاذقية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى