صفحات ثقافية

الضحك اللبناني

null
عباس بيضون
شابة يابانية تسألني عن فن الضحك وخاصة السخرية السياسية في لبنان، ما شمل النكتة السياسية والكوميديا السياسية والتعليق السياسي، كنت اود ان اجيب بأن الهزل، كل الهزل، يتجلى اكثر ما يتجلى في اداء السياسيين أنفسهم، في مناوراتهم وخطبهم واحاديثهم وتصريحاتهم. انهم يهزلون من غير تقصد ولا إرادة، بل يريدون الجد، كل الجد في ما يبدو هزلاً، يحسبون انهم يعلّمون فيما هم يلغون. يظنون أنهم بلغوا السماء فيما هم يفحصون التراب. ويظنون انهم اهتدوا وهدوا الى الحق فيما هم في بحر السخف، ونحن جميعا نلوي عنهم كي لا نرى بؤسهم وسخفهم وعياءهم وركاكتهم، الا اننا لا نعرف كيف نضحك، حين تواتينا فرصة الضحك او نهزل بحرية، فنحن ايضا مثلهم في ثقل أرواحنا ولغاتنا، وما كانوا ليولوا علينا لو كانت فينا حقا روح السخرية والمفارقة. فمثل هذه الروح تصدر عن وعي لا نملكه، ولو امتلكناه لما كان علينا انصاف آلهة على هذه الدرجة من الزراية والسخف.
لم يكن هذا مراد الشابة اليابانية، لكنني بقيت اتساءل عن صلة مفترضة بين فقدان السخرية وفقدان الوعي. عدت الى النكتة السياسية التي راجت في فترة فوجدت في بعضها حسا بالمفارقة ضاع اليوم. لم يكن غريباً ان تختفي النكتة السياسية حين غدا الصراع عاريا ولا نحتاج الى أي تورية او كناية او مجاز، هناك بالطبع تمويه ايديولوجي لا يحتاج بعد الى ذكاء، انه طلاء بسيط وغالبا ما يركب على ما لا يناسبه، وبدون جهد لمناسبتهما. الواضح ان الامر لا يحتاج الى جهد فالخدعة هذه المرة لا تحتاج الى فن، الايمان والعصبية يسبقان كل شيء ويجعلان منه حقيقة واقعة.
لكن أكثر ما اربكني هو تلك البرامج التي تسبق وتتلو نشرات الأخبار وتنسب عادة الى الكوميديا السياسية. ثم هناك مسارح الشانسونيه السياسي التي لم اشاهد ايا منها لكني اشاهد اعلاناتها على التلفزيون وأرى في العادة جمهوراً كثيفاً، يتقدمه سياسيون واعلاميون، غارقاً في الضحك. فلا اعرف فيما يضحك، فما نراه من حوار واداء ثقيل الدم عديم الخيال مبتذل الى حد فاقد الذكاء، ومع ذلك، فإن عواصف الضحك لا تدل الا على ان الجمهور من جنس العرض، وان بين المشاهدين والعرض الوعي نفسه والروح نفسها. فالجمهور حين يضحك هكذا يضحك لنفسه. برامج الكوميديا السياسية المتكاثرة، لا أدرى فيم تتكاثر وهي معرض مفضوح لا للركاكة والفظاظة وحدهما فحسب، لكن لبؤس العقل السياسي والمعرفة السياسية. هكذا يكون الناس فعلاً على دين ملوكهم. اذ يفعل السياسيون والكوميديون السياسيون الشيء نفسه تقريباً وهو أبعد ما يكون، هنا وهناك، عن أن يكون فناً.
السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى