صبحي حديديصفحات ثقافية

أمريكا إدغار ألن بو

null
صبحي حديدي
في الثالث من تشرين الأوّل (أكتوبر)، ولكن قبل 160 سنة، كان القاصّ والشاعر والناقد الأمريكي الكبير إدغار ألن بو (1809 ـ 1849) قد وُجد ملقى على الأرض أمام إحدى حانات مدينة بالتيمور، في حال من الإعياء الشديد والهذيان والتشوّش، في ثياب ليست له. بعد أربعة أيام من الإقامة في مشفى كلية واشنطن، فارق بو الحياة دون أن يستردّ وعيه بما يكفي لكي يوضح ملابسات ما وقع له، ودون أن ينجلي السبب في أنّ هذياناته كانت تنطوي على تكرار مناداة شخص باسم ‘رينولدز’. ولقد دُفن على عجل، ضمن مراسم مختصرة متقشفة، شارك فيها أقلّ من عشرة أشخاص، وغابت عنها حتى شاهدة القبر.
خصمه الشخصي، الناقد الأدبي والمحرّر والناشر روفوس ولموت غريزولد، نشر مرثية حاقدة تماماً، بدأها بالقول إنّ إعلان وفاة بو ‘سوف تفاجئ الكثيرين، لكنها لن تحزن إلا قلّة قليلة’. ثمّ أتمّ تصفية الحساب بإصدار كتاب تناول حياة بو، حافل بالأكاذيب والبغضاء والحقد، رسخ مع ذلك كمرجع وحيد في تلك الحقبة، عن كاتب إشكالي ‘مفزع’ و’شرير’ و’متهتك’ و’سكير’، كما شاعت صورة بو في الشارع الشعبي العريض. من جانب آخر، كان قبر بو يستقبل زيارات منتظمة من مجهول، صار يُلقّب بـ ‘صاحب النخب الغامض’، يترك دائماً ثلاث وردات وبعض الكونياك.
غير أنّ الاحتفالات بالذكرى المئوية الثانية لولادة بو، والتي تصادف هذا العام، لم تتضمن أنماط التكريم وردّ الإعتبار فحسب، بل احتوت أيضاً على إعادة دفنه في مراسم تليق بواحد من أهمّ وأخطر كتّاب الإنسانية في القرن التاسع عشر. ولعلّ هذا الدفن الثاني ـ الذي من المفترض أن يكون قد تمّ صباح أمس، الأحد ـ هو ذروة أشغال المئوية الثانية، لأنها سوف تسعى إلى التشديد على علوّ قامة بو الأدبية، وتبيان تأثيره العميق في عصره. ولسوف يقوم عدد من الممثلين مقام شخصيات مثل والت ويتمان وأرثر كونان دويل وألفريد هتشكوك؛ وكذلك الشاعر الفرنسي الكبير شارل بودلير، الذي ترجم العديد من أعمال بو إلى الفرنسية، وتأثّر به، وامتدح شخصيته الرؤيوية. أمّا أحد كبار الغائبين، فإنه سوف يكون الرسام الفرنسي الكبير إدوار مونيه، الذي وضع خمسة رسومات لقصيدة ‘الغراب’، حين صدرت سنة 1875 بترجمة شاعر فرنسي كبير آخر، هو ستيفان ملارميه.
ولأنّ أمريكا هي أمريكا، أمّ الكثير من الجحود بحقّ فنّانيها، والكثير من إساءة التقدير وسوء إعادة التمثيل، يتذكّر المرء وجهة أخرى لاستعادة إدغار ألن بو، تخصّ حروب أمريكا وغزواتها الخارجية هذه المرّة، وسيرورات تأثيم أحد كبار رموز الشرّ والشيطنة في المخيال الأمريكي المعاصر: صدّام حسين، دون سواه! وذات يوم، في أواخر سنة 1997، كان المعلّق الأمريكي الشهير جيم هوغلاند قد استعان بشخصية بو لكي يشرح السياسة المثلى التي يتوجب أن ينتهجها الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، لمواجهة شرور العراق. وفي مقالة بعنوان ‘اكتموا أنفاس صدام’، اعتبر هوغلاند أنّ الأخير قادم من بطون أعمال بو، لأنه ما أن يُدفن ويتنفس الطهوريون الأمريكيون الصعداء لأنه أراح واستراح، حتى ينبعث ثانية من تحت الثرى فيجوس الليالي، ويزرع الهلع والفزع والرهبة!
وبدل استلهام بو، يشكو هوغلاند من أنّ إدارة كلينتون تستلهم شخوص ماريو بوزو (الروائي الأمريكي الإيطالي الأصل، صاحب رواية ‘العرّاب’)، إذْ يفرك مستشارو كلينتون الأيدي فرحاً لأنّ صدام حسين ‘يرتكب الخطأ الفادح تلو الخطأ الفادح’، و’يسيء قراءة الموقف الدولي’… هذه ليست السياسة الصحيحة أيها السادة! المطلوب إدغار ألن بو وليس ماريو بوزو! العقوبات الجديدة لن تجدي معه نفعاً، وينبغي على الإدارة أن تتخذ القرار الوحيد الصحيح: اطردوه من المجتمع الدولي! حاكموه كمجرم حرب! قاتلوه حتى الموت! ادفنوه نهائياً حتى لو اضطررتم إلى ختم القبر بألواح فوق ألواح من الرصاص الثقيل! هكذا جأر هوغلاند بالشكوى في مقالته تلك، طالباً أخذ الإعتبار من مقولة بو حول طراز من الشرّ لا يتجزأ ولا ينقسم، ولا يمكن إخفاء بعض طبقاته والاحتفاظ ببعضها الآخر!
في سنة 2004 سوف يقتبس هوغلاند واحدة من قصص بو، للتشهير ببعض زعماء الديمقراطيات الغربية الذين يسكتون عن ‘الإرهاب الإسلامي’، وكأنهم أشبه بأولئك الذين كانوا يقضون الوقت في فرح ومرح داخل الأسوار، بينما الطاعون يزحف على المدينة. فهل خطر بو في بال هوغلاند، حين وقع بصر الأخير على صور معتقل أبو غريب مثلاً؟ أو صور مذبحة ملجأ العامرية، في بغداد، قبلها؟ أو بعدها مذبحة قلعة جهانجي في أفغانستان؟ ومشاهد أخلاقيات معتقل غوانتانامو…؟
لقد أحسن منظّمو مراسم الدفن الثاني حين وجهوا الدعوة إلى شخصية غير منتظَرة في مناسبة كهذه، أيّ غريزولد صاحب السيرة الحاقدة إياه، لكي يقولوا إنّ أمريكا ذلك الرجل، التي أذاقت بو ألوان البؤس والعذاب والفاقة والمرض، لا ينبغي أن تغيب عن أمريكا التي تردّ الإعتبار إلى أحد أنبل أبنائها. ومن أجل تمثيل الوجه الآخر، أمريكا الحروب والغزو وإرث هيروشيما وناغازاكي، هل كان يتوجّب دعوة نصف رؤساء البيت الأبيض، على الأقلّ؟
خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى