صفحات مختارة

ليس لدينا فلاسفة…لماذا؟!

د. حسن حنفي
بمناسبة رحيل ثلاثة من المفكرين العرب المعاصرين وتحية لهم، “محمد عابد الجابري” صاحب “نقد العقل العربي”، و”نصر حامد أبو زيد” صاحب “نقد التفكير الديني” و”مفهوم النص”، و”محمد أركون” صاحب “نقد العقل الإسلامي”، ورحيل اثنين من الدعاة “عز الدين إبراهيم” الذي ساهم في حوار الأديان، و”محمد فتحي عثمان” أول من فكر في “اليسار الإسلامي” ثم تركه وعكف على نظرية التطور، ما زال السؤال لدينا مطروحاً من عديد من المفكرين العرب والغربيين: لماذا ليس لدينا فلاسفة أسوة بالغرب ديكارت وكانط وهيجل وهوسرل أو حتى أسوة بالقدماء، الكندي، والفارابي، وابن سينا، وابن رشد؟
وتصعب الإجابة لأن السؤال خارج التاريخ. ونصف الإجابة في طريقة وضع السؤال. وتخطئ الإجابة عن سؤال خارج التاريخ. كما تخطئ المقارنة والتمثيل بين مرحلتين تاريخيتين غير متناظرتين، الوعي الأوروبي في عصوره الحديثة والوعي الإسلامي في عصره الحالي. الأول في مرحلته الثالثة بعد المرحلة الأولى القديمة، اليونانية الرومانية، والثانية الوسيطة المسيحية الإسلامية. والثاني في نهاية عصوره الوسطى، عصر الشروح والملخصات منذ ابن خلدون حتى عصر النهضة العربي وحركة الإصلاح الإسلامي، بعد المرحلة الأولى، العصر الذهبي من القرن الأول الهجري حتى ابن خلدون الذي تكونت فيه العلوم وبلغت ذروة الحضارة في القرن الرابع الهجري، عصر البيروني والمتنبي وابن سينا وابن الهيثم. كما تخطئ الإجابة بالمقارنة بين حضارتين، الأوروبية والإسلامية، جاعلة الأولى هي المعيار والمقياس، والثانية هي المقيس. الأولى الأصل، والثانية الفرع. الأولى المركز، والثانية الأطراف. وقد يكون الدافع على المقارنة الإحساس بالنقص لدى المفكرين العرب المعاصرين، والإحساس بالعظمة لدى المفكرين الغربيين، مستشرقين وغير مستشرقين.

الظاهرة صحيحة، عدم وجود فلاسفة عرب، ولكن السؤال خاطئ، والإجابة عن سؤال خاطئ تكون خاطئة أيضاً. فمتى ينشأ المذهب؟ ينشأ المذهب، كما حدث في العصور الحديثة في الغرب عندما تتم القطيعة مع الماضي، الأسئلة القديمة، والأجوبة القديمة، وتوضع أسئلة جديدة ببدايات جديدة ليست قال فلان أو علان، الكتاب المقدس أو أرسطو بل البداية بالعقل الإنساني بحثاً عن الوضوح والتميز والبداهة واليقين الذاتي “أنا أفكر”. يتم التحول من النقل إلى العقل، ومن النص إلى الواقع، ومن الرواية إلى الدراية. ويصبح الواقع عاريّاً من الأجوبة القديمة في حاجة إلى أسئلة جديدة وأجوبة جديدة كما حدث في الفلسفة النقدية عند كانط: “ماذا يجب عليّ أن أعلم؟”، “ماذا يجب عليّ أن أعمل؟”، “ماذا يجب عليّ أن آمل؟” الإجابة عن السؤال الأول في نظرية المعرفة، وعن السؤال الثاني في الأخلاق، وعن السؤال الثالث في الدين لأنه يتعلق بالمستقبل أو المعاد بتعبير القدماء.
وتتعدد الإجابات. فالحقيقة منظور. لا أحد يدعي امتلاكها، فهي خاضعة للتفسير والتأويل. وهو متعدد الوجوه. تختلف الإجابات طبقاً لاعتزاز الإنسان بقدراته المعرفية، العقل أو الحس أو الوجدان. لذلك نشأت المذاهب العقلية والحسية والوجدانية. ولما تجزأت الإجابات وتضاربت المذاهب نشأ مذهب كلي رابع للجمع بين الإجابات الثلاث الأولى، الحس في مرحلة، والعقل في مرحلة أخرى، والوجدان أو الشعور في مرحلة ثالثة. المذاهب الحسية عند بيكون ولوك وهوبز وهيوم ومل. والمذاهب العقلية عند ديكارت وليبنتز واسبينوزا ومالبرانش وبسكال وكانط. والمذاهب الوجدانية عند فشته وشلنج وشوبنهاور ونيتشه وبرجسون. والمذاهب الكلية عند هيجل وهوسرل. وتنتهي الدورة. فالمذاهب خاضعة لقانون الفعل ورد الفعل ثم الجمع بينهما في رؤية تكاملية ثالثة. وربما تنشأ دورة جديدة أقل تفاؤلًا وأكثر تشاؤماً بالجهد البشري. تفكك وتحلل كي تنتهي إلى درجة الصفر أو إلى العدم باسم ما بعد الحداثة كي تبدأ حضارة جديدة من الأطراف عصورها الحديثة. فلا تبقى حضارة واحدة في المركز إلى الأبد.
أما بالنسبة لنا في الحضارة العربية الإسلامية، فنحن لم نقطع بعد مع الماضي. وما زالت الأجوبة القديمة موجودة. وحجة القول تغني عن حجة الفعل. والحقائق مطلقة. والإجابة الصحيحة واحدة، إجابة الفرق “الناجية”. وباقي الإجابات إجابات الفرق الضالة الهالكة. والإجابة معروفة قبل السؤال. تحولت إلى عقيدة لا يمكن السؤال حولها. لذلك كل المشاريع التي تمت في الفكر العربي المعاصر باسم “النقد” ظلت محصورة في عقول النخبة “نقد العقل العربي”، و”نقد العقل الإسلامي”، و”نقد الفكر الديني”، و”نقد الفكر الغربي”. أقصى ما يمكن عمله هو “التجديد”. ولو كان المفكر العربي أكثر جرأة يمكن استعمال لفظ “التحديث” في “تحديث العقل العربي” كما فعل حسن صعب من لبنان. ولو تجرأ المفكر أكثر استعمل لفظ “التأويل” كما فعل نصر حامد أبو زيد من أجل إحياء التعددية الفكرية. فالتأويل وجهات نظر، والنص متعدد المستويات. وكلها ما زالت في إطار حركات الإصلاح الديني، الأفغاني ومحمد عبده ومحمد إقبال.
وردّاً على سؤال: لماذا ليس لدينا فلاسفة؟ أين فلاسفة العرب؟ تكون الإجابة: المشاريع العربية المعاصرة التي حاولت منذ أكثر من نصف قرن تجديد الفكر العربي بناء على التغيير من خلال التواصل والتحرر من أحادية الطرف في الرأي الذي تمثله عقلية “الفرقة الناجية” على مدى أكثر من أربعة عشر قرناً من أجل تنشيط الفكر وإحياء التعددية القديمة، فرق كلامية، مذاهب فقهية، تيارات فلسفية، اتجاهات صوفية، مدارس لغوية، مناهج تفسيرية.
ومع ذلك لم يرض الإسلاميون الأصوليون عنها. واعتبروها مشاريع علمانية غربية، مادية، ماركسية إلحادية. ولم يرض عنها أيضاً العلمانيون الحداثيون واعتبروها إسلامية متخفية وعظية إرشادية إحيائية إصلاحية. ولم ترضَ عنها الدولة باعتبار أن أصحابها من وجوه المعارضة. يهدفون إلى زعزعة بعض النظم السياسية القائمة عن طريق خلق ثقافة سياسية جديدة تفك الارتباط بين النص والسلطة. تنقد الفكر الديني كمقدمة لنقد الفكر السياسي.
صحيح أن المشاريع العربية المعاصرة، وقد رحل عنا ثلاثة من روادها، مشاريع نخبوية إلا أن أصحابها حاولوا الانتقال من النخبة إلى الجماهير والكتابة الثقافية العامة لجمهور المثقفين. خرجوا من العلم إلى الإعلام، ومن الجامعات إلى الأحزاب السياسية التقدمية. فالمعارض في الفكر معارض في السياسة. ومع ذلك تصدى لهم بعض مشايخ الفضاء بالتكفير وبتقديمهم إلى ساحة القضاء بدعوى الحسبة. ومع ذلك تظل المشاريع العربية المعاصرة هي خير إجابة على سؤال: لماذا ليس لدينا فلاسفة؟ فهل بعد رحيلهم يخلفهم جيل آخر من تلاميذهم يطورون مشاريع الرواد في مرحلة جديدة في زمن قادم، زمن البركان والطوفان؟
الاتحاد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى