صفحات مختارة

مشكلات بنيوية للدولة العربية الحديثة

سليمان تقي الدين
تختلف الأسباب الظاهرة والمباشرة للمشكلات والأزمات التي تعاني منها العديد من دول العالم العربي . الفوضى الكيانية العراقية نشأت عن الاحتلال الأمريكي وقراره بتفكيك مؤسسات الدولة وخاصة الجيش . أما فلسطين فهي شعب موزع على عدة تجمعات بفعل الاحتلال الصهيوني وحروبه . السودان ما أن بدأ يعالج أزمة الجنوب ولو على حساب وحدة أراضيه حرّضت قوى خارجية نزاعات القبائل في دارفور على خلفية الثروة النفطية الجوفية هناك . قد يكون المغرب العربي استعاد بعض استقراره لكنه لم يبرأ من مشكلة الأقلية الأمازيغية في الجزائر، ولا المشكلة العالقة للصحراء الغربية بين المغرب والجزائر . العنف الأهلي الذي سيطر عشر سنوات في الجزائر بين التيارات الإسلامية المتشدّدة والسلطة العسكرية لم يسمح بتعميق التجربة الديمقراطية (الانتخابية) الجزائرية . أما لبنان الذي خرج من أزمة سياسية عميقة بحكومة وفاقية رعتها دول اقليمية فهو لا يزال تحت خطر اندلاع حرب جديدة مع “إسرائيل”، ولا تزال تفاهماته السياسية دون المستوى المطلوب لانتاج وحدة وطنية راسخة . لكن اليمن الذي دخل في أزمة مفتوحة مديدة على احتمالات الانفصال جنوباً والتمرد القبلي المذهبي شمالاً فهو أصبح في دائرة المداخلات الإقليمية المباشرة واستقراره مشروط بتفاهمات على هذا الصعيد مع كل المخاطر المحتملة لتوسيع النزاع على حدود المملكة العربية السعودية . لا نريد ان نستكشف المزيد من المشكلات الكامنة في دول أخرى التي تعاني من القلاقل أو من التوترات الأهلية . ما يجمع بين هذه الظواهر هو باختصار عجز المنظومات السياسية العربية التي تشكلت منها الدولة الحديثة عن مواجهة تحديات الخارج والداخل معاً وانحسار شرعيتها بنظر قطاعات واسعة من شعبها .
أقام العرب خلال نصف قرن منظومات سياسية سلطوية لم تستكمل توطيد استقلالها الوطني ولم توفر الولاء الجامع لكياناتها . تربعت الدولة الحديثة فوق المجتمع وأنشأت لنفسها قاعدة اجتماعية منسلخة عن هموم شعبها وتطلعاته . جاءت بوسائل الحداثة لإدارة النظام وأدواته الأمنية والسوق الاستهلاكي وانشغلت بامتيازاتها عن بناء تنمية مستقلة وثقافة وطنية جامعة معاصرة ومنفتحة . صادرت الصراع الاجتماعي والسياسي والثقافي واحتكرت نخبها الصاعدة من بيئات ريفية وهامشية في الاقتصاد كل الحراك وكل النشاط في المجال الوطني . لم تفشل تلك الدول لضيق حدودها وجغرافيتها ولا بسبب شحة مواردها الطبيعية، بل لعدم توافر برامج وأدوات صالحة لبناء الحداثة على قيم العمل والانتاج والتنمية واستثمار الموارد وحسن إدارتها وتوزيعها . آلت السلطة إلى جماعات أقلية سياسياً منظمة تشدها عصبيات عائلية وطائفية وجهوية ونظام المغانم المشتركة . تشخصنت السلطة لأن الزعيم القائد هو مصدر اللحمة والضبط والتوازن وهو مانح النفوذ وهو المتصرف بالدولة تصرف المالك بملكه .
جرى تطويع الطبقات الاجتماعية العليا أو شرائح منها ودمجها في آلية النظام، بينما جرى اخضاع الفئات الشعبية لقنوات توزيع تقوم على الولاء والاستزلام . حملت الدولة الحديثة على ظهر المجتمع كتلة من المصالح الطفيلية استولت على المرافق العامة وجعلتها مصدر قوتها وسيطرتها .
أزمة الدولة العربية هي المشكلة لا أزمة المجتمعات . أزمة السياسات العربية لا أزمة الشعوب . أزمة أدوات السياسة والحراك السياسي والاجتماعي لا أزمة الخمود العربي والركون . هذه شعوب المنطقة تخوض مواجهات قاسية وتقدم تضحيات هائلة في كل مكان . لا أفق على هذا الصعيد سوى في اعادة انتاج المشروع السياسي العربي الذي يخرج التناقضات من واقعها المتردّي إلى مستوى الصراع من أجل التقدم في الداخل والخارج . تجديد المشروع العربي بتجديد مفهوم العروبة وحضانتها لكل ثقافات المنطقة ولمصالح كل فئاتها يبدأ من نقض القواعد التي قامت عليها الدولة العربية الحديثة . ثمة مدخل حقيقي لكل ذلك يبدأ من بلورة مصالح ومطالب الفئات الاجتماعية المهمشة ونظمها في إطار سياسي عريض . الحق في المشاركة السياسية والحريات العامة والخاصة وحرية التجمع والعمل السياسي وتكريس منظومة حقوق الإنسان .
ثمة حاجة لإطلاق الحوار الفكري بين القوى السياسية والتيارات من أجل تحديث الوعي العربي واتجاهاته المختلفة القومية واليسارية والدينية . إذا كان هناك مشكلة في المجتمع فهي مشكلة قعود النخب الثقافية عن إداء هذا الدور .

هناك قضية أساسية تراجعت مؤخراً في كل المجتمعات العربية تتمثل في عدم بناء مؤسسات شعبية سياسية تشكل كتل ضغط تسهم في تصحيح سياسات الدولة وتوجهاتها . تعثرت تجربة بناء مجتمع مدني عربي تعبر عن نفسها في تيارات سياسية وتنظيمات قادرة على صياغة برامج إصلاحية . في واقع الأمر احتكرت الدولة الحديثة المجال السياسي كله ولم يبق هناك إلاّ أحزاب مشاركة في اسناد السلطة القائمة أو خارجة عن شرعية العمل الوطني باستخدام أساليب سياسية انقلابية أو عنيفة، ففي البلدان التي عرفت أشكال التمثيل البرلماني عجزت الأحزاب عن الإفادة من هذه المؤسسات لترشيد سياسة الدولة وتطوير حركة التنظيم السياسي الشعبي . هناك على الأقل ضمور كبير في الثقافة السياسية الديمقراطية وفي بلورة ثقافة حديثة ليبرالية جدية . أما الحركات السياسية الإسلامية فقد ورثت أسلوب الأحزاب القومية لرفعها شعارات تعبوية عامة تركز على مسألة الهوية وليس على المضمون الاجتماعي لمشروع الدولة .
الخليج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى