صفحات العالم

هايتي: بلد دُمَّر قبل الزلزال

نهلة الشهال
هايتي بلد ثورة الزنج المظفرة. فقد انتفض العبيد عام 1803 وهزموا الجيش الفرنسي النابوليوني الحديث الذي جرد حملة همجية من 40 ألف رجل، وأعلنوا استقلال بلادهم. بعد سنوات، قال الرئيس الأميركي جيفرسون، بصدد هايتي: ينبغي التخلص من «هذا الطاعون الزنجي الاستقلالي والمناهض للعبودية»، بينما قررت فرنسا ألاّ تعترف باستقلالها إلا مقابل تعويض مالي خيالي، نالته فعلاً اتقاء لشرها. وبعد ذلك بأكثر من قرن ونصف، عام 1986، استقبلت فرنسا الرئيس المخلوع، دوفالييه الابن، الذي ورث عام 1971 الرئاسة كما الديكتاتورية عن أبيه الملقب «بابا دوك»، ومنحته اللجوء، هو وثروته «الشخصية» المقدرة بأكثر من 900 مليون دولار! وبقيت مطروحة علناً وبلا نتيجة، مسألة استعادة هذه المبالغ المنهوبة من خزينة الدولة المتداعية، وهي مبالغ تفوق حجم مجمل مديونية البلاد آنذاك!.
وهذا مع أن هؤلاء السادة متحضرون وتحرريون. والمقصود الرئيس جيفرسون، وبعده بقرن الرئيس تيودور روزفلت (الذي أعلن أفكاراً مشابهة وإنما مصاغة بطريقة مختلفة)، وكذلك فرنسا منذ نابوليون حتى الآن. قد يعاد اليوم، بمناسبة كارثة هايتي الطبيعية المريعة، وما تستحضره من استرجاع للتاريخ، اكتشاف المكون الاستعماري، الاستعلائي والعنصري، لتلك «الأنوار» المدموغة بمركزية غربية لا تقل ترويعاً عن الزلازل والأعاصير. قد يُشعر براهنية أفكار فرانز فانون، ابن تلك البقاع الكاريبية. وقد يتبرم البعض من هذا الكلام، ويجدون فيه، بحسب الموضة الشائعة، «معاداة بدائية» للغرب أو أميركا. وقد يعتقدون، صادقين إنْ كانوا واقعين تحت وطأة الأفكار المهيمنة، أو كاذبين (وهذا شأن آخر)، أنه كلام أيديولوجي.
والحقيقة أن إعلاء شأن قصر الذاكرة والتخفف من التحليل بحجة ملاحظة الوقائع، من أبرز أدوات تسييد الفكر النيوليبرالي، ومعه قيمه. والرجاء ألا يظن أحد أن هزيمة الرئيس بوش الابن ووصول اوباما إلى الرئاسة، أو أن الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي انفجرت بالتوازي مع هذا التبديل السياسي، أنهت عهد النيوليبرالية، فيضاف إلى محو الذاكرة وإلغاء التحليل، شيوع سذاجة بلهاء.
فكارثة هايتي، وهي حالياً من أفقر بلدان العالم، بدأت قبل الزلزال الأخير، وقبل أعاصير عدة ضربتها في العقود الأخيرة، ودمرتها في كل مرة. بدأت إذا شئنا العودة إلى الأصل، حين احتلها كريستوف كولومبوس عام 1492، مستحضراً معه جيشاً من النهَّابين.
ويُفترض أن الجدية تتطلب التغافل عن هذه الأصول السحيقة، لأنها تاريخ مشترك لكل القارة الأميركية (ولنشوء النظام الرأسمالي نفسه)، وهي تعامل اليوم كـ «حتمية طبيعية». ولكن التاريخ المعاصر يستعيدها بطريقة أخرى. فقد احتل الجزيرة عام 1915 الجيش الأميركي، وألغى الاحتلال البند الدستوري الذي يمنع تملك الأجانب، وسيطر على المزارع، وفرض قصب السكر كزراعة تصديرية وحيدة على حساب نظام زراعي كامل ومتوازن أتاح للسكان ليس فحسب الحصول على غذاء جيد ومتنوع، بل تصدير بعضه. ثار الهايتيون مجدداً، وهم منتفضون أبديون، وتخلصوا عام 1934 من الجيش الأميركي وقوافل المستثمرين البيض الذين أتوا في كنفه واستباحوا البلاد. ولكن السوس الناخر بقي في الجزيرة التي بالكاد تبعد ألف كيلومتر عن ميامي. وهذه راحت تنظم من بُعد علاقاتها الاقتصادية مع الجزيرة، فأرسلت البعثات الصحية تستأصل، بحجة مكافحة الأوبئة، قطعان الخنازير السود الأصلية التي طالما تغذى عليها السكان، لتحل محلها خنازير وردية مهجنة كالتي نراها في الرسوم المتحركة، وتستأصل الدواجن وتصدر لهايتي أرجل الدجاج، وكل نفاياتها، يأكلها السكان كـ «قوت لا تموت»، بل راحت أساطيل الشمال العملاقة تصطاد الأسماك الفاخرة في عرض البحار تاركة للسكان الفضلات. ثم راحت شركات كـ «مونساتو»، التي تغزو الأرض من الهند حتى افريقيا وأميركا، تصدر إليها بذاراً معدلاً جينياً، ينبغي شراؤه منها كل موسم، ولا يمكن للفلاحين استخدامه للزراعة من جديد، علاوة على سياسة إغراق السوق التي تمارسها أميركا في علاقتها بالجزيرة. وهذه باتت من كلاسيكيات النيوليبرالية ولا تخص هايتي وحدها، ولكنها تنشر المجاعات عالمياً، وحيث لا تجد متصدّين لها.
يقال: ليس من ثروات طبيعية هناك، بعدما نهب الذهبَ المستعمرون الأسبان الأوائل، وتلاهم الفرنسيون، فكل شذاذ آفاق أوروبا. فلمَ إذاً ستطمع بها واشنطن، فتحتلها إثر كارثة الزلزال، وتحتكر المساعدات الإنسانية؟. تأكيدات كهذه هراء، فلهايتي، أقلّه، موقع جيوستراتيجي يجعلها تحاذي كوبا كظل لها وتشرف على فنزويلا. وتبدو اليوم مرشحة لتصبح قاعدة أميركية عائمة في تلك البقاع. فأوباما فشل في إقناع العالم بأنه ذهب ليمارس «ريادة انسانوية»، مدافعاً عن سرعة وكثافة حضور بلاده، ومنعها طواقم سائر المساعدات (الفرنسية والبرازيلية وسواهما) من الهبوط في بور-أو- برنس، بحجة تجنب تضارب الصلاحيات. وهو ما أطلق موجة غضب فرنسي على «الاحتلال» الأميركي، حتى في صفوف حزب الرئيس ساركوزي المتأمرك حتى النخاع، بينما انطلقت في كل أميركا الوسطى واللاتينية موجة أخرى تكاد تكون بارانوية، تتكلم عن مخططات واشنطن لـ «تنظيم المذابح» في هايتي كحجة للبقاء طويلاً درءاً للفوضى، (ولتجنب نزوح مئات ألوفهم في قوارب نجاة نحو شواطئ فلوريدا)، وعن مخططات أخرى لتنظيم حروب إقليمية، إذا ما تحدى الاحتكار الإنسانوي ذاك رؤساء كشافيز وموراليس وحتى لولا، ناهيك بزعماء كوبا، وقرروا أن شأن هايتي يعنيهم. ولا ينقذ من هذه المخاوف التقليل من شأن هذا الشكل من التدخل بحجة هول الكارثة، والحاجة للفعل بدل الكلام، ولا كذلك ما قامت به الوزيرة كلينتون تشريعاً لواقع السيطرة الأميركية بتوقيع معاهدات رسمية مع رئيس هايتي في المطار الذي تحول ثكنة أميركية، ولا أيضاً محاولة حصر الأهداف بـ «تحسين صورة واشنطن أمام العالم» وهو شأن لطيف مقارنة ببشاعة صور مئات ألوف القتلى والمشردين.
لذا يبدو جديراً بالاعتبار اقتراح المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه بإعلان هايتي «ابنة للإنسانية»، أي وضعها في عهدة العالم كله بدل أميركا وحدها. وستكون تلك سابقة لا يستهان بأثرها في إنشاء نظام عالمي مختلف. وتبدو جديرة بالتبني كأولى علامات هذا المنحى الجماعي، الدعواتُ المتعددة لإلغاء كل ديون هايتي (و80 في المئة منها للبنك الدولي والبنك الأميركي المشترك للتنمية)، إلغاء كاملاً وغير مشروط، بل تعويض البلد من الجهات الاستعمارية السابقة عن نهبها المديد، وهذا يختلف عن منَّة المنح والتصدق الحاليين، ووضع آليات، سياسية أولاً لا إدارية وشكلية فحسب، تمنع وصول أموال المساعدات لجيوب نخبة الفاسدين المحليين بدل غالبية السكان.
وتحضـــــر مجدداً في هايتي نظرية أمارتيا سن، حائــــز نوبــل للاقتصاد، الذي لاحظ أن البلدان حيث تطغى الدكتاتوريات والفساد المصاحب، تتعطل إمكاناتها، بما فيها القدرة على مواجهة فعالة لكوارث الطبيعة!
الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى