صفحات العالم

المسألة في مواجهة العرب للنظام الدولي

سليمان تقي الدين
بعد قرن من الصراع المرير بين الشرق والغرب يمكن القول: لا شيء اسمه مسألة يهودية، لا شيء اسمه “إسرائيل” . لم يتوقف الغرب الامبريالي عن استهداف الجغرافيا، المكان والهوية، للعرب وللمسلمين، ولهذه المنطقة الأساسية من العالم التي أطلق عليها “الشرق الأوسط” . أنتج الغرب المسألة اليهودية واستثمرها ولا يزال كلغم خطير في مواجهة كل حركة التحرر والتقدم في محيطها . كان المشروع الصهيوني نقيض القومية العربية قبل أن تولد من رحم الامبراطورية العثمانية، واجهها حتى الرمق الأخير . ها هو الآن يواجه الهوية الإسلامية التي يمكن لها أن تتآلف لخلق فضاء إقليمي واسع قوي يستطيع ان يثبت حضوره على المسرح الدولي .
في هذا المسار الطويل دفع المسيحيون ضريبة مشاركتهم في حضارة المنطقة والمساهمة الفعالة في عناصر نهضتها . هم أعداء تقليديون لليهود لكنهم ذات يوم أخذت فئات منهم أوهام التمايز الاقلوي والرهان على تعزيز دورهم بحكم اتصالهم الثقافي بالغرب . لكن الغرب الامبريالي ليست له هوية مسيحية . الثورات الدينية وما سمي الحركات المسيحية الإصلاحية ومن بعدها الثورة الصناعية وقيمها الرأسمالية أخضعت الدين لمصالحها واحكامها . ثمة مفكرون قالوا إن الكالفينية “هي ثقافة الرأسمالية أو هي التي بلورت قيمها” . المسيحيون في الشرق أخضعوا في الحقبة الاستعمارية لسياسة الانكفاء في الدفاع عن هويتهم العربية التي طالما ساهمت نخبتهم الثقافية في تجديها . نكاد اليوم نفتش عن الجسد المسيحي، ليس عن أحجار الكنائس، بل عن الحضور الفعّال في الدفاع عن أرض الرسالة نفسها . يتفاقم هذا المشهد لمجرد أن المسيحيين في أكثر من بلد عربي لا يبذلون جهداً كافياً للمشاركة في هواجس المنطقة .
المسؤولية هنا مشتركة مع الآخرين من دون أدنى شك ينحسر الإسلام المتسامح على المستوى الشعبي جراء توتره المتصاعد وانكماشه على ثقافة فئوية لم يعرفها من قبل . لم يضعف الاسلام مع الحركات القومية المدنية شبه العلمانية بل ازدهر كفئة رحبة منفتحة . سجال المسلمين مع المستشرقين الغربيين معروف وهو جزء من مقولات ومقدمات النهضة العربية . تطوير الأفكار الإسلامية مطلع القرن الماضي كانت أكثر خصوبة مما هي عليه اليوم .
على أي حال ليس المسيحيون هم مشكلة العرب ولن يكونوا يوماً ما، لا في مصر والعراق وفلسطين وسوريا ولبنان حيث لهم بعض المكانة المتبقية . الأزمة الآن أزمة المسلمين مع انفسهم بين صحوة تجسدت من قبل في مواجهة الاستعمار وبين ذعر واضطراب غير واثق من النفس في مواجهة المشروع الامبريالي الجديد . لا أحد ينكر أن العولمة العسكرية الأمريكية تشكل اعتداء سافراً على هوية شعوب المنطقة وثقافتها ولكنها تستهدف استتباعها وترويضها للانخراط في نظام عالمي يقوم على مركز قوي وأطراف . اللعب “بثقافة المنطقة هو الوسيلة وليس الهدف” . لا يهم الغرب أبداً أية هوية ينتمي إليها العرب والمسلمون، بل يهمه أن تخدم حال التبعية والخضوع للعلاقات الإمبريالية . يهم الغرب ان يحتوي الثقافة التقليدية وليس تحديثها، يهمه أن تتنازع فروع هذه الهوية وروافدها ومكوناتها التاريخية . لا نجد اليوم أثراً فعلياً بارزاً لصراع الحضارات والثقافات والأديان في العالم إلا مع الإسلام والمسلمين وفي ما بينهم . كأن هذه الفكرة الجهنمية الوحشية التي اغتصبت ثقافة النهضة الأوروبية مسخّرة لتفجير “الشرق الأوسط” ولا شيء سوى ذلك . صحيح أن أوروبا في مكان أو آخر كفرنسا التي تسأل عن هويتها الكاثوليكية أو سويسرا التي تقلق من انتشار الجوامع والمآذن أو سواها من الدول التي يزعجها التراث أو الطقوس الإسلامية، أو كثافة المهاجرين، تتحسس المشكلات الناجمة عن آثار العولمة على المستوى الإنساني . كما أن بعض المجتمعات التي قامت دولها على القسر في إلغاء الهويات الاثنية أو العرقية أو الدينية تشهد بعض الاحتكاكات السلبية، لكن ما يعاني منه العالم الإسلامي يكاد يكون برنامجاً مدروساً متكاملاً لتفجير انسجامه الديني، من دون إنكار المواريث التاريخية والأسباب الموضوعية الاجتماعية والسياسية والفكرية . لم يكن مسيحيو فلسطين والعراق ومصر عنصراً سلبياً في الوحدة الوطنية لهذه الدول .
كما أن مسيحيي لبنان الذين اختبروا مخاطر الارتباط بالمشاريع الغربية وأحجموا عنها؟ الذين يتعرضون للتحريض الغربي وتحاصرهم السياسات الغربية . مرّة اخرى هذا الغرب الامبريالي بإداراته المنبثقة عن النزوع الاستعماري هي التي تحرك خيوط تمزيق النسيج الوطني الاجتماعي في أكثر من مكان . بل هي التي تدير سياسات الضغط على المجتمعات المتنوعة لخلق التناقضات وتغذية النزاعات المذهبية .
المؤسسات الأمريكية الرسمية وغير الرسمية هي التي أدارت مواجهة السوفييت بالحركات الدينية وهي التي نظمت مؤتمرات الدعوة إلى ما تسميه حقوق الأقليات وهي التي تتحدث في مراكز التخطيط عن بناء التعددية كبديل من الوحدة والديمقراطية، وهي التي تدعم يهودية الدولة لكي تستدرج المشاريع الدينية المقابلة . حرب الغرب المفتوحة بلا حدود جغرافية أو سياسية على ما يسميه “الإرهاب” هي الاسم السري أو الحركي لتأجيج الصراعات المذهبية والدينية والضغط على النظام العربي الرسمي والشعبي لتحقيق هدف الاخضاع . طبعاً يعرف كل عاقل ان الإرهاب الحقيقي الهائل الذي تمارسه آلة الحرب الأمريكية لا يمكن ان يقارن بشبح “القاعدة” . لكن حيثما يشير الأمريكيون لوجود “القاعدة” يؤسسون حرباً جديدة وها هم الآن يتحدثون عنها في جزيرة العرب .
لكن المشكلة أن العرب بين سندان أزماتهم الداخلية وخياراتهم أنظمة وشعوباً والمطرقة الامبريالية . لعلنا لن نبلغ في المدى المنظور شاطئ الأمان . يتعثر المشروع الأمريكي لكنه يزداد تصميماً على اعتماد وسائل الحروب السرية والبديلة ويسعى إلى استخدام حالة القلق والغياب المتمادي لمشروع عربي يتضافر على صد رياح الاستعمار بالانفتاح على تطلعات شعوب المنطقة وطموحاتها الوطنية والاجتماعية في الكرامة والحرية .
الخليج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى