صفحات ثقافية

ثربانتس أو نقد القراءة: حيا الى الابد.. ولكن في الكتاب فقط!

null
كارلوس فوينتس
كلّ شيء محتمل. كلّ شيء ملتبس. وحده نبيل من المانتشا ما زال ملتزما بسنن اليقين. دون كيخوطي يبحر، كما إسبانيا الإصلاح المضاد، بين ماءين وينتمي إلى عالمين. بالنسبة إليه، لا شيء ملتبساً وكلّ شيء محتمل: هو مفارقة تاريخية تجهل اسمها شبيهة بالقضاء المبرم على الأرمادا التي لا تقهر زمن ثربانتس . دون كيخوطي، في العالم المستجدّ للنقد، هو فارس الإيمان. هذا الإيمان ناشىء من قراءة. وهذه القراءة هي جنون. دون كيخوطي، كما أحد ملوك الإسكوريال المهووس بوطء الموتى n’crophile، يعاند في ترميم وإنعاش عالم اليقين المتوحّد: يعاند، جسديا ورمزيا، في القيام بقراءة وحيدة للنصوص ومحاولة نقلها إلى حقيقة أضحت متعدّدة، ملتبسة، مبهمة. لكن، ولأنّه سيّد هذه القراءة، فإنّ دون كيخوطي سيّد هويّة: هويّة الفارس الجوّال، هويّة الفارس القديم.
من سيّد القراءات السّابقة التي جفّفت دماغه، أصبح دون كيخوطي، في مستوى ثان من القراءة، سيّد كلمات العالم اللفظي لكتاب دون كيخوطي. يكفّ عن أن يكون قارىء روايات الفروسية ويتحوّل إلى ممثل لمغامراته الخاصة به. وعلى غرار انتفاء قطيعة بين قراءة الكتب وإيمانه بما تقوله، ليس هناك طلاق الآن بين أفعال وأقوال مغامراته. ولأنّنا نقرأه ولا نراه، فلن نعلم أبدا ما يحشر به الفارس رأسه: أيكون دون كيخوطي على صواب، أيكون اكتشف خوذة ممبرينو العجيبة حيث لم ير فيها الآخرون، العميان والجهلة، إلاّ صحن حلاقة؟ في فلك اللفظ، دون كيخوطي، في بادىء الأمر، ‘لا يُغلب. الحسّ التجريبي عند سانشو يبقى عقيم الجدوى أدبيا لأنّ دون كيخوطي، بمجرّد ما يخفق، يعيد إصلاح وترميم خطابه ويستأنف سباقه في عالم الكلمات المنتسبة إليه .
يقارن هاري ليفن بين مشهد تمثيل داخل مشهد تمثيل في مسرحية ‘ هاملت’ وبين فصل المعلّم بطرس المتكهّن في الدون كيخوطي. في عمل شكسبير (عمل من؟) أوقف الملك كلوديوس التمثيلية لأنّ الخيال بدأ يشبه بطريقة خطرة الحقيقة. في عمل ثربانتس (عمل من؟) اندفع دون كيخوطي ضدّ جيش من عرائس الدّمى المغربية للمعلّم بطرس، لأنّ ما يجري تمثيله بدأ يشبه بطريقة خطرة ما هو خيالي. يريد كلوديوس أن تكون الحقيقة أكذوبة: اغتيال أب هاملت. يريد دون كيخوطي أن يكون المتخيّل شيئا حقيقيا: أسر الأميرة مليساندرة من قبل المغاربة .
تطابق ما هو خيالي مع ما هو واقعي يعيد هاملت إلى الحقيقة، ومن الحقيقة، يقوده بالطّبع إلى الموت: هاملت هو سفير الموت، منه أتى وإليه يعود. تطابق ما هو خيالي مع ما هو خيالي، يعيد دون كيخوطي إلى القراءة. دون كيخوطي أتى من القراءة وإليها يعود: دون كيخوطي سفير القراءة. فبالنسبة إليه، ليس الواقع هو الذي يتدخّل بين مغامراته وبين الحقيقة: إنّهم بالأحرى السّحرة الذين يعرفهم من قراءاته.
نحن نعلم أنّ الأمر ليس كذلك، نعلم أنّ الحقيقة وحدها تواجه القراءة المجنونة لدون كيخوطي. لكنّه، هو، لا يدري ذلك، وهذا يخلق مستوى ثالثا من القراءة:
‘ انتبه جنابك، فتلك التي ترى هناك ليست عمالقة، بل طواحين هوائية وما يبدو أنّه أذرع ليست إلاّ أجنحة تديرها الريح ‘ (ص 81 ) . غير أنّ دون كيخوطي لا يبصر: إنّه يقرأ وقراءته تقول إنّ الأمر يتعلّق حقّا بعمالقة .
يرغب دون كيخوطي في أن يضع العالم برمّته في قراءته ما دام يعتقد أنّ هذه القراءة هي ذات سنن متوحّد ومكرّس: سنن يطابق، منذ حادثة Ronceveaux، الصنيع النموذجي للتاريخ مع الوقائع المثالية للكتب. تضحية رولان Roland دافعت عن المثال البطولي للفروسية وعن الوحدة السياسية للمسيحية. تحوّلت قصيدته الملحمية إلى معيار وشكل مثاليين لروايات الفروسية. دون كيخوطي يتموضع، هو نفسه، ضمن هذه السلالة. هو أيضا يعتقد أنّ بين مآثر التاريخ ومآثر الكتب،
لا يمكن أن توجد تصدّعات، لأنّ فوقها ينوجد السنن المكرّس الذي يتحكّم فيها، و فوق هذا الأخيرهناك الرؤية المحافظة لعالم منظّم ومبيّن من قبل الله. دون كيخوطي، وقد وُلد من القراءة، كلّما تعرّض لإخفاق، لاذ بقراءته. وبلوذه بقراءته يستمرّ في رؤية جيوش حيث ليست هناك إلاّ قطعان أغنام (ص 164 ) دون أن يفقد صواب قراءته: سيظلّ وفيّا لهذه الأخيرة لأنّه، بالنسبة إليه، ليست هناك قراءة أخرى جائزة أو مباحة .
ترادف القراءة، الجنون، الحقيقة والحياة عند دون كيخوطي هي من البداهةالمؤثرة إذْ يطلب من تجار يلقاهم في الطّريق أن يعترفوا ويقرّوا بجمال دلثنيا دون أن يروها قطّ : ‘ فليقفْ كلّ في مكانه إذا لم يعترف بأنّه لا توجد في الدنيا بأسرها فتاة أجمل من امبراطورة المنتشا عديمة النظير دلثنيا دلْ توبوسو .. . المهمّ أن تعتقدوا بذلك دون أن تروها وتعترفوا، وأن تقسموا على ذلك، بل وتدافعوا عنها بحدّ السلاح. وإلاّ فهيّا استعدّوا للمبارزة ‘ ( ص 55 ). هذه ‘ذلك ‘ هي فعل إيمان. ‘إنّ المغامرات العجيبة لدون كيخوطي مدفوعة بقصد لا يُقاوم: على المقروء والمعاش أن يتطابقا من جديد من غير الالتفات إلى ما بين الإيمان والعقل من شكّ وحيرة أشاعـتهما النهضة .
بيد أنّ المستوى التالي من القراءة بدأ يتآكل ويلتهم هذا التوهّم. عند خروجه الثالث، علم دون كيخوطي، ‘بفضل اخبار طالب الباكالوريا كراسكو، التي ينقلها إليه سانشو، وجود كتاب يحمل عنوان”النبيل البارع دون كيخوطي دو لا منتشا’: ‘إنّهم وصفوني أنا الآخر باسمي، سانشو بانثا، وكذلك السيدة دلثنيا دل توبوسو وأمور أخرى كثيرة جرت بيننا، نحن وحدنا ممّا جعلني أرسم ألفا من علامات الصليب لأنّني لا أستطيع أن أرسم كيف استطاع ذلك المؤرخ أن يعرفها ‘ (ص 554 ) .
أشياء حدثت لمّا كنّا وحدنا. من قبل، وحده الله يطالعها ؛ الله هو العارف الوحيد، لما يدور في خفايا ضمائرنا. الآن، كلّ قارىء قادر على شراء الدون كيخوطي يستطيع أيضا معرفتها: القارىء يتماهى مع الله. الآن، في مقدور الدوق والدوقة أن يهيّئا حيلهما المضحكة الفظة لأنّهما قرآ القسم الأول من رواية ‘ دون كيخوطي’ .
بولوجه القسم الثاني، كان دون كيخوطي موضوع رواية مزيّفة كتبها أبيانيدا ليستفيد من نجاح القسم الأول من رواية ثربانتس. علامات فرادة دون كيخوطي تتكاثر. دون كيخوطي ينتقد نسخة أبيانيدا، فوجود كتاب آخر عنه يجعله يغيّر طريقه ويتوجّه إلى برشلونة: ‘سأذيع على الملأ كذب هذا المؤرخ الجديد، ممّا سيقنع الناس بانّني لست دون كيخوطي الذي يتحدّث عنه’ ( ص 953).
إنّها المرّة الأولى في تاريخ الأدب بالتأكيد نصادف شخصية تعرف أنّ هناك من يكتب عنها، في نفس الوقت الذي تعيش فيه هي مغامراتها الخيالية. هذا المستوى الجديد من القراءة، حيث دون كيخوطي يعلم أنّه يُقرأ، حاسم لتحديد ما سيعقب ذلك .
يكفّ دون كيخوطي عن الاستناد على المغامرة المثيرة السابقة ليشرع في الاستناد على ملحمته الشخصية، وفي هذه اللحظة بالذات يبتكر ثربانتس الرواية الحديثة .
دون كيخوطي، القارىء، يعلم أنّه يُقرأ، أمر لم يعرفه أماديس دو جولا ، ويعرف أنّ قدر دون كيخوطي أصبح غير قابل للانفصال عن كتاب دون كيخوطي، أمر لم يعرفه آخيل بالنسبة للإلياذة. إنّ استقامته كبطل قديم، وُلد من القراءة، آمن في مشكاة القراءة الملحمية السابقة، قد تمّ إبطالها، ليس بفعل الجاليرات ( ص977 ) أو الحيل المضحكة لماريتورنس (ص 456 )، ليس بفعل ضربات العصي والحجارة التي يتلقاها في الفنادق التي يخالها قصورا أو في المراعي التي يحسبها ساحات معارك. فإيمانه في القراءات الملحمية يسمح له بتحمّل كلّ ضربات الواقع الشديدة. إنّ استقامته قوّضتها القراءات التي يدين بها .
وهذه القراءات تجعل منه أوّل بطل حديث تتقصّاه وجهات نظر متعدّدة، يُقرأ وملزم بأن يَقرأ نفسه، متشبّها بالقرّاء الذين يقرأونه و، مثلهم، مضطر إلى أن يختلق ”دون كيخوطي’. ولأنّه ضحيّة مضاعفة لقراءته، يفقد ‘دون كيخوطي الصوّاب مرّتين: أوّلا حينما يَقرأ، ثمّ حينما يُقرأ. وإذن وبعد الآن، عوضاً عن أن يتحقق من وجود الأبطال القدامى، عليه أن يتحقق من وجوده الخاص.
هذا ما يقودنا إلى مستوى آخر من القراءة النقدية. يخفق دون كيخوطي باعتباره قارئا للملاحم التي يريد نقلها إلى الواقع بكيفية تسلّطية. لكن، باعتباره موضوع قراءة، يشرع في الانتصار على الواقع، في أن يعديه بقراءته المجنونة :
ليست القراءة السابقة لروايات الفروسية، بل القراءة الراهنة لدون كيخوطي دي لا منتشا باعتباره هو. وهذه القراءة الجديدة تغيّر العالم الذي يبدأ يشبه ‘أكثر فأكثر عالم الكيخوطي. فللهزء من دون كيخوطي، يتنكّر الآخرون في لبوسات كيخوطية مستحوذة. لكن، وكما يقول سلفادور إلزوندو في نظريته عن التنكّر، لا أحد يتنكّر فيما هو أسوأ ممّا هو عليه. العالم المقنّع لأولئك الذين قرأوا الكيخوطي في الدون كيخوطي يكشف حقيقة العالم دون قناع: حقيقة فظاظته، جهالته، جوره، رعونته. ثربانتس ليس في حاجة إلى أن يكتب بيانا سياسيا حتى يفضح شرور عصره وشرور كلّ العصور ؛ ليست له حاجة في اللجوء إلى أسلوب إيسوب ؛ لا يحتاج إلى أن يقطع جذريا مع قواعد الملحمة التقليدية بهدف تجاوزها: يكفيه أن يمزج الموضوع الملحمي مع نقيضه الواقعي حتى يحصل على تأليف روائي ضمن منطق وحياة وضرورة، كلّها متعلّقة بشكل خالص بكتابه. لا أحد قبل ثربانتس ابتكر هذا الإبداع المتعدّد في كتاب.
دون كيخوطي، ‘فارس الإيمان، يذهب لملاقاة عالم غير وفيّ وغير مؤمن. والعالم، مثله مثل دون كيخوطي، لا يعلم هو أيضا أين توجد الحقيقة. هل دوروتيه حين تتنّكر في شخصية الأميرة ميكوميكونا (ص 401 )، سمسون كراكسو لمّا يتحدّاه متنكّرا في شخصية فارس المرايا (ص 637 )، الدوق والدوقة عندما ينجزان الحيل المضحكة للحصان الخشبي ‘(ص 817 )، الدونيا دولوريدا ووصيفاتها الإثنتي عشرة الملتحيات ( ص 810 )، وحكومة سانشو في جزيرة برترْيا ( ص 846 )، هل كلّ هؤلاء ينجحون في الهزء من دون كيخوطي؟ أم أنّ دون كيخوطي هو الذي يهزأ بهم لمّا يرغمهم على الدّخول، متنكّرين هم أنفسهم، إلى عالم قراءة الكيخوطي؟ مادّة قابلة للمناقشة من زاوية التحليل النفسي. لكنّ المسلّم به، أنّ دون كيخوطي المسحور يفضي به الأمر إلى أن يسحر العالم. ما دام يقرأ، فهو يحاكي البطل الملحمي. عندما يُقرأ، فإنّ العالم هو الذي يحاكيه. لكنّ الثمن الذي يجب عليه أن يؤدّيه هو ضياع وفقدان سحره الخاص به .
ثربانتس، وهو السخيّ، يقودنا، مرّة أخرى، إلى مستوى آخر من القراءة .
لمّا يصير العالم كيخوطياse quichoise، يفقد دون كيخوطي، رمزالقراءة، وهم ذاته. عندما يدخل دون كيخوطي إلى قصر الدوق والدوقة ، يرى أنّ هذا القصر قصر، في حين أنّه في الفنادق الأكثر تواضعا، يمكنه أن يتخيّل أنّه يرى قصوراً .
الواقع يسلب منه خياله. في عالم الدوقين، لن يكون ضروريا له تخيّل عالم وهمي:
الدوقان يمنحانه له في الواقع. هل للقراءة معنى إذا كانت تطابق الواقع؟
أيّ نفع للكتب إذن؟
بعد الآن، كلّ شيء يثير الحزن والخيبة، حزن الحقيقة، خيبة العقل .
المفارقة أنّ دون كيخوطي جُرّد من إيمانه في اللحظة ذاتها التي قدّم له فيها عالم قراءاته في عالم الواقع. فالمرور الحاسم بقصر الدوقين أتاح لثربانتس أن ينصب ثلاث ركائز في حقل نقده للقراءة. أول ما يقوله لنا، هو فكرة دون كيخوطي عن وجود تطابق مثير بين قراءاته وحياته: إيمان وُلد من الكتب ومحدّد تماما من خلال الكيفية التي قرأ بها هذه الكتب. ما دام هذا التصادف الذهني يحافظ على تفوّقه، ليس لدون كيخوطي أية صعوبة في التعايش مع كلّ ما يوجد خارج عالمه: بل إنّ عدم تطابق الواقع مع قراءاته يسمح له، من وقت لآخر، بفرض رؤية قراءاته على الواقع. لكن، عندما يصادف هذا الذي لا ينتمي إلاّ لقراءاته المتواطئة ما
يعادله في الواقع، يتلاشى الوهم قطعة قطعة. فاتّساق قراءته الملحمية تمّ تقويضه من خلال تنافر الوقائع التاريخية. على دون كيخوطي أن يعيش هذه الحقيقة التاريخية قبل الوصول إلى المستوى النهائي المقترح من لدن ثربانتس: مستوى الرواية في ذاتها، تأليف بين ماض يفقده دون كيخوطي وحاضر يلغي هذا الأخير .
دون كيخوطي وقد قذف به بين أحضان التاريخ، محروم من فرصة إنجاز عمله التخيّلي.
يلتقي بروك جينارت (ص 964 )، قاطع طريق حقيقي ، عاش في عصر ثربانتس.
جينارت محفور تماما في التاريخ، كان يسرق أموال الهند وكان عميلا سريا للبروتستانيين الفرنسيين زمن مذابح سانت بارتلمي. إلى جانب جينارت وتاريخه الواقعي، يصبح دون كيخوطي، عندما يكون شاهدا (وليس فاعلا) على معركة بحرية أمام برشلونة، مجرّد متفرّج على وقائع وشخصيات حقيقية. النبيل العجوز، وقد حُرم مطلقا من قراءته الملحمية، عليه أن يواجه اختياره النهائي: أن يكون في صلب حزن الحقيقة أو أن يكون في صلب حقيقة الأدب: في هذا الأدب الذي اختلقه
ثربانتس وليس في أدب التطابق المتواطىء الذي منه انبثق دون كيخوطي.
مغامرة زوال الوهم. ليس دون دلالة ان يدعو دوستويفسكي عمل ثربانتس ‘ الأكثر إثارة للحزن من كلّ الكتب’ واستلهمه ليبدع ‘الرجل الطيّب’، الأمير الأبله، مويشكين. استحق فارس الإيمان في آخر الرواية طلعته الحزينة ، وذلك لأنّ دون كيخوطي يعاني، كما يشير دوستويفسكي، ‘من توق إلى الواقعية ‘. لكن أيّة واقعية؟ واقعية المغامرات المستحيلة للسّحرة، للفرسان دون عمل ولعمالقة خارقين؟ ‘بالضبط: من قبل، كلّ ما كان يُقال، كان صادقا … وإن كان متخيّلا. لم يكن ثمّة أيّ كسر بين القول والفعل في الملحمة. ‘ بالنسبة لأرسطو وللقرون الوسطى، كما يشرح ذلك أورتيغا إيْ غاسيت، الممكن هو الذي لا يحمل في ذاته تناقضا ؛ بالنسبة إلينا نحن، كلاّ، لأنّ البيولوجيا لا تتقبّل ذلك’. فإلى هذه الواقعية الاتفاقية دون تناقض، يحنّ الكيخوطي: يمكنه أن يصادف في طريقه العلم الجديد، الشكّ الجديد، كلّ الارتيابات التي تحوّل إيمان فارس القراءة الوحيدة، سفير القراءة المباحة إلى مغالطة بالية. لكن ما يكسّر هذه الواقعية، قبل كلّ شيء، هي القراءات المتعدّدة، القراءات غير الجائزة.
دون كيخوطي يموّه العقل، وهذا، بالنسبة إليه، أوج الجنون: الانتحار، لأنّ الحقيقة، كما هاملت، تقوده إلى الموت. بفضل نقد القراءة الذي ابتدعه ثربانتس، سيحيا دون كيخوطي حياة أخرى: تلك التي أعطيت له، نهائيا وأبديا، في الكتاب وفقط في الكتاب .
ترجمة: إسماعيل أزيات

حواش :
– الأرمادا التي لا تقهر عبارة عن أسطول بحري ضخم وجّهه ملك إسبانيا فيليب الثاني ضد إنكلترا قصد إزاحة إيزابيل الأولى عن عرشها (1588). لكنّ العاصفة وهجمات الإنكليز حوّلتا هذه الحملة إلى كارثة عظيمة .
ـ الإسكوريال قصر كان يقيم فيه ملوك إسبانيا، شيّد ما بين 1563 ـ 1584 بأمر من الملك فيليب الثاني وذلك للاحتفاء بذكرى الانتصار في معركة سانت كوينتان ( 1557 ).
‘ وشاء القدر أن يفاجئه المطر (اي الحلاق)، فلكي يحمي قبعته، وضع عليها صحن الحلاقة وكان مصقولا فكان يلمع من مسافة بعيدة … ولهذا ظن دون كيخوطي أنّه أبصر فرسا أرقطا وفارسا وخوذة من الذهب’ ص 90
” هاملت: يسمّه في حديقته من أجل ملكه …
‘ أوفيليا: لقد نهض الملك !
‘هاملت: ماذا أأفزعته نار كاذبة ؟
‘الملكة: كيف حال سيّدي ؟
‘بولونيوس: أوقفوا المسرحية ! ‘
(هاملت، ترجمة وتقديم جبرا إبراهيم جبرا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، طبعة 1979، ص125 )
‘ ولدى رؤية هذا العدد الهائل من المغاربة في حملة، وسماع آلات الحرب هذه المدوية، اعتقد دون كيخوطي أنّه آن الأوان لنجدة المحبّين الهاربين، ولهذا نهض باندفاع وصاح: … قفوا أيها الأوغاد … أو استعدّوا للقتال. ثمّ استلّ سيفه وانقضّ على المسرح هائجا ثائرا ينهال بضربات شديدة من سيفه على العرائس المغربية، يحطّم بعضها وينتزع البعض الآخر’ ‘(ص 725ـ 726 ).
رولان أشهر الفرسان الأسطوريين الذين خدموا الملك شارلمان في القرون الوسطى. وقد رُويت قصة رولان لأول مرّة، في أغنية رولان. وهي قصيدة ملحمية كتبها مؤلف فرنسي مجهول أثناء القرن الثاني عشر الميلادي. وربّما بُني هذا العمل على حادثة حقيقية وقعت عام 778 م، ولكن المؤلف يصف البطل كما لو كان معاصرا له. وفي الملحمة يظهر رولان شجاعته وإخلاصه بقبوله للمهمة الخطيرة المتمثلة في حماية جيش الملك شارلمان من المسلمين أثناء عبور الجيش سلسلة جبال البرانس الممتدة بين فرنسا وإسبانيا. ويتعرّض رولان ورجاله للهلاك ويموتون في موقعة مع المسلمين قرب Roncevaux.
‘ كان كلاهما قد قرأ القسم الأول من تاريخ دون كيخوطي: عرفا إذن جنونه وتحرّقا شوقا لمعرفته شخصيا. وانتظراه بلهفة؛ واتّفقا على أن يماشيا هواه ويوافقا على كلّ ما يقول ويعاملانه بوصفه فارسا جوّالا .. مع كلّ المراسيم الواردة في كتب الفروسية الجوالة ‘ ( ص 749 )
ألونسو فرناندودي أبيانيدا اسم المؤلف الذي كان على غلاف الرواية المنحولة باسم دون كيخوطي الصادرة عام 1614 .
ـ أماديس دي جولا، رواية فروسية إسبانية مجهولة المؤلف (بداية القرن الرابع عشر الميلادي)، بطلها ‘اماديس جمع كلّ فضائل الفارس البطل المخلص لسيّدته .
ـ إيسوب مؤلف خرافات، عاش في القرن السادس قبل الميلاد، كان عبدا أعتقه سيّده بعد ذلك.

(هذه الحواشي من وضع المترجم، كما أنّ كلّ الإحالات على نص الدون كيخوطي
أثبتناها لمن يودّ من القراء الكرام الرجوع إليها لمزيد من تحقيق متعة القراءة واستقيناها من ترجمة عبد الرحمان بدوي الصادرة عن دار المدى، الطبعة الثانية، 2007. ) ‘
المرجع :
Magazine Li’raire , N 358 , Octobre , 1997 ; P: 54 – 57
القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى