صفحات ثقافية

من كتاب هنري ميللر ” الكتب في حياتي

null
كما أنَّ هناك أطفالاً وُلِدوا معوَّقين تغلّبوا على إعاقاتهم لاحقاً في الحياة، كذلك الأمر مع هذا الكتاب. فقد طُبِعَ أولاً طبعةً وجدها العديد من القرّاء صعبة القراءة على العين ؛ ولم تتضمَّن لائحةً هامة من 5000 عنوان (من الكتب المقروءة) لأنَّ ذلك كان سيزيد من تكاليف الكتاب ؛ وأخيراً تلقّى نقداً سيئاً من النقّاد البريطانيين.لحُسن الحظ أنه نجا من عثرات الحظ تلك وهو اليوم أحد أفضل ثلاثة أو أربعة من كتبي التي يُحبّها قرّائي. إنه كتاب وضعتُ فيه الكثير من الفِكر والجهد. وكنتُ أودّ لو أني استطعتُ أنْ أُضيفَ جزءاً ثانياً أو ثالثاً بما أني لم أغطّ إلا عدداً ضئيلاً من الكُتّاب الذين أولعُ بهم وكان تأثيرهم عليَّ هائلاً. بل إنَّ بعض أصحاب أقوى تأثير عليّ حتى لم أقترب منهم.
لقد لاحظتُ مؤخراً أنَّ الشبّان يتحولون أكثر فأكثر إلى الكتب الميتافيزيقية، والغامضة والصوفية بالإضافة إلى الإباحية والبذيئة. في هذا الكتاب أعتقد أنهم سيجدون أجوبة وإشارات سوف توجههم إلى ذلك النوع من الأدب المفيد والدائم.
ملاحظة من هنري ميللر
1
كانوا أحياءً وكلّموني
أجلسُ في غرفةٍ صغيرة، أحد جدرانها أصبح الآن مكسواً بأكمله بأرفف من الكتب. إنها المرة الأولى التي أحظى فيها بمتعة العمل بأي شيء يشبه مجموعة من الكتب. لعلها في مُجملها لا تتجاوز الخمسة آلاف، ولكن في غالبيتها تمثّل اختياري الخاص. وهي المرة الأولى منذ أنْ بدأتُ مسيرتي في الكتابة التي أجد فيها نفسي مُحاطاً بعدد ضخم من الكتب طالما تقت إلى امتلاكها. ولكن كوني في الماضي قمت بعملي في مُعظمه من دون الاستعانة بمكتبة أعتبره مزيّة وليس نقيصة.
أحد أول الأشياء التي أربطها بقراءة الكتب هو الصراع الذي خضته من أجل الحصول عليها. لا أقول أمتلكها، انتبه، بل أنْ أضع يدي عليها. ومنذ اللحظة التي تملكّني فيها الشوق لم أواجه إلا العقبات. فالكتب التي أردتها، من المكتبة العامة، كانت دائماً طبعاتها نافدة. وطبعاً لم يكن في حوزتي المال اللازم لشرائها. والحصول على إذن من المكتبة التي في حيِّنا – حينئذٍ كنتُ في الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة من العمر – لاستعارة عملٍ ” مُفسِد للأخلاق ” مثل “اعتراف رجل أحمق ” لسترينبرغ، كان أمراً مستحيلاً. وفي تلك الأيام كانت الكتب التي يُحرَّم على الشبّان الصِغار قراءتها توسم بنجوم – واحد، أو اثنتان أو ثلاثة – وِفقاً لدرجة اللا أخلاقيّة التي تُنسَب إليها. وأعتقد أنَّ هذا الإجراء لا يزال يُطبَّق حتى اليوم. وآمل ذلك، لأني لا أعرف إجراءً مدروساً مفيداً لشهية المرء من هذا النوع الأبله من التصنيف والتحريم.
ما الذي يجعل كتاباً ما يبقى حياً ؟ كم من مرة طُرِحَ هذا السؤال ! والجواب، في اعتقادي، بسيط. الكتاب يبقى حياً عبر التوصية المُحبة التي يقدّمها قارئ إلى آخر. لا شيء يمكنه أنْ يخنق هذا الحافز الأساسي عند الكائن البشري. وعلى الرغم من آراء الساخرين وكارهي البشر، اعتقادي هو أنَّ البشر سوف يُكافحون أبداً للتشارُك في أعمق تجاربهم.
إنَّ الكتب هي أحد الأشياء التي يُدللها البشر بعمق. وكلما كان الإنسان راقياً يتشارك بشكلٍ أسهل بمقتنياته العزيزة. وكتابٌ يتمدد بتكاسُل على رفٍ هو ذخيرة ضائعة سُدى. وكالمال، يجب جعل الكتب في حالة تداوُل مستمر. استعِر وأعِر إلى أقصى مدى – كتباً ومالاً معاً ! ولكن خاصة الكتب، لأنَّ قيمة الكتبَ أعلى بما لا يٌُقاس من قيمة المال. فالكتاب ليس فقط صديقاً، بل يصنع لكَ أصدقاء. وعندما تمتلك كتاباً ذا عقلٍ وروح، تغتني. ولكن عندما تعطيه لشخصٍ آخر تغتني ثلاثة أضعاف.
هنا يتملكني حافز لا يٌُقاوَم لتقديم نصيحة مجّانية. ها هي : اقرأ أقلّ ما يمكن، وليس أكثر ما يمكن ! أوه، لا ينتبكَ الشك في أني حسدتُ أولئك الذين غرقوا في الكتب. أنا، أيضاً، أودّ في سرّي أنْ أخوضَ في تلك الكتب كلها التي طالما عبثتُ بها في عقلي. ولكني أعلم أنَّ هذا ليس هاماً. أنا أعلم الآن أني لم أحتج إلى قراءة حتى عُشر ما قرأتُ. إنَّ أصعب شيء في الحياة هو أنْ يتعلَّم المرء أنْ يفعل حصراً ما هو في صالحه، ما هو حيوي حصراً.
هناك طريقة ممتازة لاختبار هذه النصيحة النفيسة التي لم أُعطها بتهوُّر. فعندما تصادف كتاباً ترغب في قراءته، أو تعتقد أنكِ يجب أنْ تقرأ، دعه وشأنه بضعة أيام. ولكن فكِّر فيه بأشدّ ما يمكنك من تركيز. دع العنوان واسم الكاتب يدوران في عقلك. فكِّر ماذا كان يمكن أنْ تكتب لو أُتيحت لكَ الفرصة. اسأل نفسك بجدّية إذا كان ضرورياً أنْ تضيف هذا العمل إلى مخزونك من المعرفة أو إلى ذخيرتك من المتعة. حاولْ أنْ تتخيَّل ماذا يعني لك أنْ تُضيِّع هذه المتعة أو الفائدة الاضافية. حينئذٍ، إذا وجدتَ أنه لابد لك أنْ تقرأ الكتاب، فانتبه بأي فطنة استثنائية تتعامل معه. انتبه، أيضاً، إلى أنه مهما كان مُثيراً، فإنَّ القليل جداً مما يحتويه الكتاب جديدٌ حقاً عليك. وإذا كنتَ صادقاً مع نفسك فسوف تكتشف أنَّ مكانتكَ ارتفعت عن مجرد بذل الجهد لمقاومة دوافعك.
لا شك في أنَّ هناك أكواماً هائلة من الكتب. وقليل منها يعطي الانطباع بالأصالة، سواء في الأسلوب أم في المحتوى. ونادرة هي الكتب الفريدة – لعلها تقلّ عن خمسين، داخل كامل مخزون الأدب. وفي إحدى رواياته الأخيرة القائمة على السيرة الذاتية، يُشير بليز سيندرار إلى أنَّ ريمي دو غورمون، وبسبب معرفته بهذه السِمة المتكررة ووعيه بها، كان قادراً على انتقاء وقراءة ما يستحق العناء كله في مجال الأدب برمّته. وسيندرار نفسه – ومَنْ يشك في هذا ؟ – هو قارئ عبقري. إنه يقرأ لمعظم الكُتّاب بلغاتهم الأم. وليس هذا فقط، بل عندما يُحب كاتباً يقرأ مؤلفاته كلها وحتى آخر كتاب ألّفه، وأيضاً رسائله والكتب التي اُلِّفت عنه كلها. وأعتقد أنَّ حالته في أيامنا هذه لا نظير لها. ذلك أنه ليس فقط كان يقرأ بشكلٍ واسع وعميق، بل إنه هو نفسه ألّفَ عدداً كبيراً من الكتب، إنه رجل حيويّ، مغامر ومُكتشف، رجلٌ عرِفَ كيف ” يُبدِّد ” وقته بفخامة. إنه، بمعنى ما، يوليوس قيصر الأدب.
مؤخراً، ونزولاً عند طلب الناشر الفرنسي، غاليمار، وضعتُ لائحةً بمائة كتاب رأيتُ أنَّ تأثيرها عليّ كان الأشدّ. هي لائحة غريبة، دون أدنى شك، تحتوي عناوين شديدة التنافر مثل ” فتى بِكْ السيئ “، ” رسائل من المهاتما ” و “جزيرة بيتكرن ” . الكتاب الأول كتاب “سيء ” حتماً، قرأته وأنا فتى. حسبتُ أنه يستحق أنْ تتضمّنه لائحتي لأنه ليس هناك أي كتاب آخر جعلني أضحك من قلبي مثله. ولاحقاً، خلال فترة مراهقتي، قمتُ برحلات دورية إلى المكتبة العامة المحلية لكي أنقضّ على الكتب التي يحملها الرف المعنون “فكاهة”. ما أقلّ الكتب التي كانت حقاً فكهة ! إنه المجال الوحيد في الأدب الفقير والضعيف بصورة تعسة. فبعد أيراد ” هكلبري فين ” و ” جرّة الذهب ” و “ليسيستراتا ” و ” الأرواح الميتة “، واثنين أو ثلاثة من أعمال تشسترتن، بالإضافة إلى ” جونو والطاووس “، يصعب أنْ أُضيف أي شيء استثنائي في فئة الفكاهة هذه. هناك فِقرات عند دوستويفسكي و هامسن، هذا صحيح، لا زالت تثير دموع الضحك في عينيّ، لكنها مجرد فِقرات. والفكهون المحترفون، وأسماؤهم غفيرة، يُضجرونني حتى الموت. والكتب التي تدور حول الفكاهة، ككتاب ماكس إيستمن، وكتاب آرثر كوستلر، وكتاب برغسن، أيضاً أجدها قاتلة. وأشعر أنه سيكون إنجازاً إذا تمكّنتُ من تأليف كتاب فكه واحد قبل أنْ أموت. وبالمناسبة، الصينيون يملكون حساً فكهاً قريباً جداً من قلبي، وعزيزاً جداً عليّ. خاصة شعراؤهم وفلاسفتهم.
في كتب الأطفال، التي لها التأثير الأشدّ علينا – أعني بها الحكايات الخرافية، والأساطير، والأساطير التاريخية، والحكايات الرمزية – تغيب الفكاهة، طبعاً، بصورة تدعو إلى الأسى. والرعب والمأساة، والشهوة والقسوة، تبدو لي عناصر أساسية. ولكن عبر قراءة هذه الكتب تتغذّى مَلَكَة الخيال. ومع تقدّمنا في السن، يشحّ الخيال والمُخيّلة باطّراد. وننجرف بحركة تصبح رتيبة باستمرار. يُصبح العقل كسولاً إلى درجة أنه يتطلّب الأمر كتاباً استثنائياً حقاً لكي ينتزع أحدنا من حالة اللا مبالاة أو فتور الشعور.
في قراءة مرحلة الطفولة هناك عامل هامّ نميل إلى نسيانه – إنه المحيط المادي للمناسبة. ما أشد الوضوح الذي يتذكّر به المرء، بعدها بسنوات، الشعور بالكتاب المُفضّل، بأسلوب الطباعة، والتغليف، والصور التوضيحية، وما إلى ذلك. كم يستطيع المرء بسهولة أنْ يُحدد زمان ومكان القراءة الأولى. وبعض الكتب مرتبط بالمرض، وبعضها الآخر بالطقس الرديء، والبعض بالعقاب، والبعض بالمكافأة. وفي تذكُّر هذه الأحداث يلتحم العالمان الداخلي والخارجي. هذه القراءات هي ” أحداث ” بارزة في حياة المرء.
زيادة على ذلك، هناك أمر واحد يُفرِّق بين القراءة التي تمت في عهد الطفولة والقراءة اللاحقة، وهو غياب الانتقاء. الكتب التي يقرأها المرء وهو طفل مفروضة عليه. ومحظوظٌ الطفل الذي لديه أبوان حكيمان ! ولكنَّ هيمنة كتبٍ معيَّنة من القوة بحيث حتى الأب الجاهل لا يستطيع أنْ يتجنّبها. فأي طفلٍ لم يقرأ ” السندباد البحري ” و “جيسون والجزّة الذهبية، ” وعلى بابا والأربعون حرامي ” و ” الحكايات الخرافية ” للأخوين غريم ولأندرسن، و”روبنسن كروزو ” و ” رحلات غاليفر ” وما شابهها ؟……

من كتاب هنري ميللر ” الكتب في حياتي

ترجمة أسامة منزلجي خصيصا لمجلة اوكسجين الالكترونية.

تعتذر صفحات سورية عن عدم ذكر اسم المترجم حين نشرنا المقال فقد وصلنا عبر البريد الالكتروني دون الاشارة الى اسم المترجم أو الموقع المأخوذ منه

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى