صفحات الناسمرح البقاعي

وماذا عن سجينات سوريا يا سيّدة كلينتون مرح البقاعي

null
في إحدى الاحتفالات التي أقيمت في واشنطن في غير مركز بحثي وجامعة ومنبر إعلامي بمناسبة يوم المرأة العالمي في 8آذار/ مارس، كنت بين جمهور المحتفين في المسرح الدولي للمنظمة الأميركية للتنمية التربوية AED، وكان موضوع تمكين المرأة في الدول النامية هو محور الحوار الذي دار في ختام محاضرات قدمتها سيدات ناشطات قدِمن إلى واشنطن لعرض قضايا النساء في بلادهن.
مداخلتي في هذه المناسبة كانت موجزة لكنها تضع الإصبع على جرح مهمل حين قلت:” مشاعر متناقضة تنتابني اليوم ونحن نجتمع على دعم المرأة في العالم وتمكينها تعليميا واجتماعيا واقتصاديا، ونتناسى أن مشاركة المرأة في مجتمعها لا تكتمل إلا بمشاركة سياسية حقيقية وفاعلة في الحراك السياسي الذي ما زال مجالاً حيوياً للرجال، ودور المرأة فيه هو دور تجميلي زخرفي ليس إلاّ، هذا بالطبع في أحسن الأحوال، ناهيك عن مناطق في العالم مازالت المرأة فيها مهدّدة بالملاحقة والتنكيل والسجن في حال تعرّضها للعمل في الشأن السياسي، كما حدث ويحدث في سوريا”. أذكر في هذا المقام أسماء نساء سوريات مستنيرات ومناضلات حقيقيات في تاريخ سوريا الحديث، نساء لم يهادنّ:
ـ الدكتورة فداء الحوراني، طبيبة وكاتبة وناشطة في المجتمع المدني، انتخبت رئيسة للمجلس الوطني لإعلان دمشق، واعتقلت في 16/12/2007 إثر انتخابها. حكم عليها بالسجن لمدة سنتين ونصف السنة بتهمة “إضعاف الشعور القومي” و”نقل الأنباء الكاذبة”.
ـ الدكتورة تهامة معروف، طبيبة أسنان وناشطة سياسية، اعتقلت بتاريخ 10/2/2010 على خلفية حكم صادر بحقها في العام 1995 لممارستها “نشاطاً سياسياًً” يحرّمه قانون الطوارئ الساري منذ العام 1963 حتى تاريخ كتابة هذه السطور.
ـ رغدة سعيد حسن، اعتقلت بتاريخ 10/2/2010 على الجانب السوري من الحدود أثناء سفرها إلى لبنان. ويذكر أنها اعتقلت فيما سبق، دونما محاكمة لمدة سنتين ونصف بين العامين 1992 و1995، بتهمة انتسابها إلى حزب العمل الشيوعي المحظور وكتابتها لرواية لم ترق لمقص الرقيب، رغم أن الرواية ما زالت مخطوطة، وقد تمت مصادرتها حين مداهمة شقتها إثر اعتقالها. الناشطة حسن “معرّضة لخطر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة:، حسب ما ذكرت مصادر منظمة العفو الدولية على موقعها الإلكتروني في نسخته العربية.
ـ أصغر المعتقلات سنّاً طل الملوحي، اعتقلت في تاريخ 27/12/2009 لمقال كانت قد كتبته ووزعته على الإنترنت، حسب المنظمـة العربيـة لحقـوق الإنسـان في سوريا. الملوحي من مواليد العام 1991، وطالبة متفوّّقة في الثانوية العامة.
بالطبع هذه الاعتقالات لم تكن لتحدث إلا في جنح ظلام قانون الطوارئ المستشري في الحياة السورية، والذي أعلن عنه إثر انقلاب عسكري في تاريخ 8 آذار/ مارس للعام 1963، في اليوم المصادف لعيد المرأة العالمي! هذه المصادفة غير السارة تستدعي وقفة متأنية وقراءة معمّقة لدور الدول الكبرى التي يفترض أنها دول راعية لحقوق الإنسان في العالم ودافعة باتجاه الحريات العامة وفاعلة في تمكين المرأة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية وحكومتها العتيدة، ولا سيما وزيرة دولتها السيدة هيلاري كلينتون التي عرفت بتجربتها الغنية في رعاية حقوق المرأة في العالم من خلال منظمة لتمكين المرأة هي منظمة الأصوات الحيوية Vital Voices أسَّسَتها في العام 1997، وعملتُ فيها كمستشارة إعلامية لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي من المنظمات الرائدة في العالم لحقوق الإنسان وتمكين المرأة؛ كلينتون التي كانت قد حققت سابقة في تاريخ الدبلوماسية الأميركية حين عيّنت الناشطة الحقوقية ورئيسة مجلس إدارة منظمة الأصوات الحيوية ميلان فيرفير في منصب استحدثته في وزارتها، وهو منصب سفيرة المرأة في العالم؛ هيلاري كلينتون التي أطلقت مقولتها الشهيرة في مؤتمر بكين الرابع للمرأة الذي انعقد برعاية الأمم المتحدة في 5 أيلول/ سبتمبر 1995 “إن حقوق المرأة هي حقوق الإنسان” Women’s Rights Are Human Rights ؛ كلينتون التي أكدت مؤخراً على التزامها الشخصي بقضايا تحرّر وتحرير المرأة في كلمتها التي ألقتها في المنتدى السابع لأميركا والعالم الإسلامي المنعقد في العاصمة القطرية الدوحة، في تاريخ 14 شباط/ فبراير ، 2010، وأقتطع منها قولها: “يشكل الإصلاح الديمقراطي عنصرا حيويا للتقدم في مجال الديمقراطية وحقوق المرأة”، وأردفت: “إلا أن إرادة الشعب في هذا السياق تعني إرادة جميع أفراد ذلك الشعب، رجالا ونساء. إن حقوق المرأة هي مسألة أولي لها أهمية قصوى، بصفتي الشخصية وبصفتي وزيرة خارجية بلدي”.
فصل المقال يكمن في نوايا السيدة كلينتون وليس في تصريحاتها وخطاباتها السياسية وحسب، وهذا أمر جدليّ يترتّب عليه العديد من الأسئلة الملحّة؛ فكم بإمكان الإدارة الأميركية الحالية، في عهدة أوباما وحلقته الحزبية والسياسية، أن تحقّق على أرض الفعل الواعي، لا الوعود المخدِّرة، شعاراتها التي أطلقها الرئيس أوباما في خطاب القاهرة “المشهود”، الوعود التي لم يرِ معظمها النور حتى اليوم؟ وأين تتقاطع مصالح كلينتون وسياساتها الخارجية ـ وأخصّ هنا علاقاتها المتجددة مع سوريا ـ مع مبادئها الراسخة في حماية حقوق الإنسان التي هي “حقوق المرأة” حسب تعبيرها الخاص؟ وهل ستوجّه السيدة كلينتون مبعوثيها الذين يتوافدون على العاصمة دمشق إلى سؤال الإدارة السورية عن خروقات حقوق الإنسان التي تمارسها أجهزتها الأمنية وفي مقدمتها حق التعبير والكتابة وإبداء الرأي والتحّرك المدني بهدف تصويب مسار الحكم سلمياً؟ وكيف تنظر كلينتون/المرأة إلى معانات بنات جنسها من معتقلات الرأي في سوريا؟ وهل حريّتهن هي من ضمن أجندة دولتها في دعم الحريات في العالم، الحريات التي هي أسّ الدستور الأميركي وصراطه المستقيم، أم أن المصالح العليا للولايات المتحدة تحتّم قبول النهج الرسمي السوري على علّته من أجل مكاسب سياسية انتخابية ضيقة تضع مصالح الحكومات فوق مصالح الشعوب؟
وأنا أخطّ هذا المقال، أتابع عن بعد، وبتوتّرِ وحزنِ امرأة أميركية سورية مغادرة، مصير الناشطة السياسية سهير الأتاسي، وهي اليوم مشروع معتقلة، إثر تعرّضها في الأسبوع الفائت لضغوط أمنية بهدف إغلاق منتدى حواري “افتراضي” أسّسته على موقع الفيس بوك من أجل الدفع بمسيرة التغيير السلمي الديمقراطي في سوريا، وذلك بعد إغلاق المنتدى الحواري “الفعلي” بضغط أمني أيضاً؛ وقد اُستُدعيتْ الأتاسي ثلاث مرات من عناصر جهاز أمن الدولة، وصودرت بطاقتها الشخصية، وطُلب منها إغلاق المنتدى الافتراضي، وجرى تهديدها بالسجن لمدة لا تقل عن السنتين ونصف السنة!
فما قولك، يا سيدة كلينتون، أدام الله سُلطتك، وكذا قول سفيرتك للمرأة في العالم السيدة فيرفير؟!
أوان الكويتية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى