حسين عيسوصفحات سورية

لا حل الا بالتواصل والحوار

null
حسين عيسو
منذ أيام كتبت مرة أخرى عن الدولة المدنية الحديثة التي عمادها القانون وحقوق المواطن دون تمييز بين عرق أو دين , وذكرت بأسلوب “غير” بريء أن ما أقوله كسوري وكردي مستقل , هو مطلب أحزاب المجلس السياسي الكردي في سوريا , من خلال رؤيتهم المشتركة أيضا , ثم وبعد عيد نوروز الذي تم الاحتفال به بأسلوب حضاري , شاركت فيه العديد من الفعاليات الوطنية في محافظة الحسكة , ما أعطى أفضل صور التآخي والتلاقي بين أبناء محافظتنا من كافة القوميات والأديان والمذاهب , وأضفى على يوم نوروز صفة جديدة كنا بانتظارها منذ عقود , ألا وهي أن يصبح نوروز يوما لكل السوريين كما باقي الأعياد السورية . لكن وبعد ورود أنباء عن هدر الدم الكردي في نوروز مرة أخرى , لكن هذه المرة في محافظة الرقة , ثم السكوت أو التنديد الخجول من بعض أطراف الحركة الوطنية السورية , ما ترك لدى الشارع الكردي السوري انطباعا بأنه دائما وحيد في الساحة , وأن دمه من أرخص فصائل الدماء , وهذا ما رفع من أسهم أصحاب الشعارات الشعبوية هنا وهناك , والتي لا أرى فيها سوى خدمة لسلطة الاستبداد التي تستفيد من تلك الشعارات , التي تؤدي الى تأليب أطياف مجتمعنا بعضه ضد بعض , برغم معاناة الجميع , لكن في هكذا ظروف عصيبة , وحين تعمل العواطف بدل العقل , فان تأثيرها لدى الشارع الكردي المغلوب على أمره , والمضطهد في كل يوم , والممنوع حتى من الاحتفال بأعياده , يبقى كبيرا , مثل القشة التي يحاول الغريق التعلق بها , هنا كنت أخشى أن تتصاعد وتيرة الشتائم والاتهامات لي بأني “أنفخ في قربة مثقوبة” كما يقول المثل , ومع أن عشرات الرسائل الخاصة وردتني مؤيدة طروحاتي , الا أن هذه الرسائل تشبه ما يقال داخل غرفة مغلقة , لذا لم أعرها بالا , لأن الدعم لفكرة ما يجب أن تنشر على الملأ , وليس من خلال رسائل خاصة , لكن افتتاحية جريدة “آزادي”* والتي حصلت عليها اليوم عن طريق النت , بعنوان : “ويبقى الحوار السبيل الأمثل للتفاهم معا” , خلقت لدي شعورا بالتفاؤل برغم الجراح , خاصة وأن الجريدة يصدرها أحد أحزاب المجلس السياسي الكردي في سوريا **, لذا فاني أهدي هذه الافتتاحية الى كل الطيف الوطني السوري , وأبدأ بمقدمة استخرجتها من داخل الافتتاحية كعنوان لما أردت نشره .

الجماهير الشعبية في البلاد صاحبة المصلحة الحقيقية في التغيير والتحول الديمقراطي ومعها القوى الوطنية والديمقراطية بمختلف انتماءاتها القومية والدينية مدعوة إلى التلاحم ورص الصفوف من خلال الحوار الأخوي الجاد عبر بناء التحالفات العريضة والبرامج السياسية الواضحة التي تعبر بشكل صريح عن مصالح مكونات المجتمع السوري دون تمييز بسبب الانتماء القومي أو المذهبي أو غيره ، بغية تحقيق التغيير المنشود وبناء الدولة المدنية الحديثة ، دولة الحق والقانون التي تنتفي بداخلها العصبيات والصراعات الهامشية ، دولة تحقق العدل والمساواة وفق أسس ديمقراطية ودستور وقوانين عصرية .

ويبقى الحوار السبيل الأمثل
للتفاهم والعمل معاً ..!
بعد أن وضعت الحرب الباردة أوزارها ، إثر انهيار المنظومة الاشتراكية وسقوط جدار برلين ، وبعد الحرب في كل من أفغانستان والعراق والإطاحة بالعديد من الأنظمة الدكتاتورية والاستبدادية ورموزها ، بعد كل هذا وغيره من الترتيبات التي أعدت نحو التغيير والتحول الديمقراطي الذي غدا مشروعا كونيا وسمة العالم الأساسية التي لا رجعة عنها ، عندها اتجهت الشعوب والأنظمة الديمقراطية في مساعيها إلى إحلال مبدأ الحوار محل القتال والصراع ،

بمعنى أن الجهود كانت ترمي لأن يحتل مبدأ الحوار صدارة سلم أولويات العلاقات بين الدول والمجتمعات الحضارية ، لأن الحوار هو لغة التفاهم الأمثل ، ولا شك أن حاجة المجتمعات إلى الحوار هي على قدر تشابك قضاياها وتداخلها، وعلى قدر تسارعها ومقتضيات حلها واختزال تشعباتها، على عكس الصراع والتقاتل الذي لا ينتج سوى العداء والضغائن والأحقاد ولا يخلف سوى الدمار والويلات لتجعل الرابح خاسرا في آن ..
وإذا كان الحوار هو حاجة المجتمعات الحضارية ، فلاشك أن مجتمعاتنا أكثر حاجة إليه ، ذلك لما تعانيه (هذه المجتمعات) من التعقيد في علاقاتها السياسية والاجتماعية نتيجة التشابك المركب في طبيعة تركيبتها وعصبية الانتماء المتعدد الأوجه للفرد الواحد أو المجموعة المكونة معا في عقلية واحدة قوميا ومذهبيا وفئويا وسياسيا ..الخ ، أي أن هذه المجموعة تظل تخوض غمار الصراع على أكثر من وجه ومحمل ، الأمر الذي يحد من إشاعة مبدأ الحوار ، ولاسيما في الدول ذات الأنظمة الشمولية والتي تتصف بهذه الأوجه المتعددة في الانتماء والممارسة العملية في تعزيز هذه النزعات الانحلالية التي تستهدف نسف القواسم المشتركة بين مجموع المجتمع بما هو الانتماء الوطني والمصالح العليا للمجتمع بأسره .. وفي هذا السياق ، فإن السلطة الشمولية الحاكمة في بلدنا سوريا التي ينتابها القلق ويثقل كاهلها هاجس الخوف الدائم من المستقبل ، لأنها تدري جيدا ماذا فعلت لعقود خلت من الزمن تجاه المجتمع والجماهير العريضة في البلاد بطالة وتجويعا وقهرا ، ولأنها قد بنت ذاتها بالقوة خارج دائرة العلاقات المدنية ، ولذلك فهي لن تدخر وسعا في ضرب الجماهير الشعبية وقواها السياسية التواقة للتغيير والتحول الديمقراطي ، مستغلة في ذلك حالة التعددية السائدة من قومية ودينية وسياسية بغية تأليب المجتمع ضد بعضه البعض ، في تأكيد لمقولة (فرنسيس فوكوياما) الأمريكي في كتابه “نهاية التاريخ والإنسان الأخير “من استحالة تحقيق الديمقراطية في ظل تعايش التعددية الاثنية أو القومية أو الطائفية ..الخ في حين يؤكد الواقع والتاريخ خلاف ذلك في العديد من بقاع العالم مثال كندا وسويسرا وبلجيكا و الهند وحتى دول أخرى أقل تطورا ..ولئن تسعى العصبيات القومية الاستعلائية والدينية المتزمتة والسياسية المغامرة ، التي تلتقي مع الإرهاب وقوى الظلام في مصالحها ، إلى حبك الدسائس وإثارة الفتن بين الحين والآخر ، وبمختلف أشكالها بين أبناء المجتمع الواحد ، بغية تسعير المزيد من الصراعات الهامشية في مجتمعنا ، لتصب الماء في طاحونة أعدائه وخصومه ، فإن الواجب الوطني يقتضي التفاهم والتصدي الحازم لها ، ومصلحة البلاد العليا تتطلب حشد الطاقات والإمكانيات عبر حوار جاد وبناء بين مختلف المكونات الوطنية ومن مختلف الانتماءات القومية والسياسية والدينية ،التي تهمها خدمة الوطن وتقدمه ، والتي ترتبط مصالحها بتطور البلاد وازدهارها ، كي تقطع السبيل أمام هذه المساعي الماكرة والمحاولات الهدامة ..من هنا ، فإن الجماهير الشعبية في البلاد صاحبة المصلحة الحقيقية في التغيير والتحول الديمقراطي ومعها القوى الوطنية والديمقراطية بمختلف انتماءاتها القومية والدينية مدعوة إلى التلاحم ورص الصفوف من خلال الحوار الأخوي الجاد عبر بناء التحالفات العريضة والبرامج السياسية الواضحة التي تعبر بشكل صريح عن مصالح مكونات المجتمع السوري دون تمييز بسبب الانتماء القومي أو المذهبي أو غيره ، بغية تحقيق التغيير المنشود وبناء الدولة المدنية الحديثة ، دولة الحق والقانون التي تنتفي بداخلها العصبيات والصراعات الهامشية ، دولة تحقق العدل والمساواة وفق أسس ديمقراطية ودستور وقوانين عصرية ، لا مكان فيها للتمييز والاستغلال والاستعباد ، ولا مكان فيها للمشاريع العنصرية والقوانين والمحاكم الاستثنائية ، دولة تمتاز بالحريات الديمقراطية كافة ، لا قمع فيها لأصحاب الرأي والموقف السياسي ولا سجون ، وتتحقق للإنسان السوري هويته وحقوقه القومية والوطنية وإنسانيته التي تليق بمستوى العصر وتطوره ، ليتمكن الجميع من ممارسة حقوقهم وأداء ما عليهم من الواجبات ، وتظل المنافسة سواء بين الأفراد أو المجموعات أو القوى السياسية في إطار التباري على العمل والجهود بما يخدم وحدة البلاد وتقدمها وتطورها وليعيش الجميع في تآخ ووئام ..
رئيس التحرير

*جـريدة صـادرة عـن مـكـتب الثقـافـة والإعـلام المـركـزي لحــزب آزادي الكــردي في ســوريا
**حزب آزادي هو من ضمن تسعة أحزاب كردية سورية أسست المجلس السياسي الكردي والذي يمثل غالبية أحزاب الحركة الوطنية الكردية في سوريا .

الحسكة في 28 – 03 – 2010

خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى