صفحات سورية

ولًكْ اصحوا، دولة الخوف لن تدوم..

null
علي الصراف
ما من “معارض” واحد ممن تلقيهم السلطات السورية في السجون يزعم أو يريد أن يشكل تهديدا لـ”النظام” القائم. وما واحد منهم أيضا يرتبط بأجندات او مصالح خارجية. ومن بين كل ما أمكن تلفيقه من تهم سوريالية، فان السلطات لم تتمكن من أن تصل بالشطط الى حد القول انهم مرتبطون بأي أحد غير سورية. وإذ لم يجد سلفادور دالي النظام القضائي السوري شيئا ذا طبيعة جنائية يدينهم به، فانه ابتدع التهمة السوريالية القائلة انهم “ينشرون الوهن في نفسية الأمة”!
مع ذلك فقد ظل أقصى طموح قيادة “إعلان دمشق” هو ان يساعدوا النظام في إصلاح نفسه؛ في جعله أكثر استيعابا لمتطلبات الحياة المعاصرة؛ في الحد من مظاهر الفساد التي تتعفن في ثناياه؛ في دفعه الى الأمام ليكون تقدميا حيال قضايا الحريات والحقوق والمساواة وإقامة دولة القانون؛ وبالتالي في جعله أكثر قابلية للبقاء!
رياض سيف، وفداء أكرم، وأحمد طعمة، وأكرم البني، وعلي العبد الله، وفايز سارة، وجبر الشوفي، وياسر العيتي، وطلال ابودان، ووليد البني، ومحمد حجي درويش، ومروان العش، لم يقولوا ولم يعملوا أي شيء يدل على رغبتهم لا بتغيير النظام ولا حتى تغيير الفرّاشين فيه. فقط أرادوا له أن يعي أن العالم من حوله يتغير، وان المخاطر التي تحيط به تزداد، وان عليه يتسلح بأدوات ووسائل أكثر رقيا للدفاع عن وحدة وسيادة واستقلال البلاد.
هذا ما كان يريده هؤلاء المجانين.
وعلى هذا حُبسوا.
ولم يعملوا بصمت ولا في الخفاء. أرادوا مواجهة كل شيء علنا، بما في ذلك مصائرهم الشخصية، في ظل سلطات كانوا يعرفون انها تراقبهم، بل وكانوا يريدون منها أن تراقبهم. فقد كانت تلك طريقتهم (السرية) الوحيدة لكي يجبروها على أن تسمع، ولو عبر تقرير مخابرات يكتبه ضابطٌ أمّيٌ وجاهل.
فايز، ذلك الرجل الأكثر طيبة من طيبة القلب، كان يقول لي: انا لا أفعل في السر ما أخشاه في العلن.
ومن يومها وأنا أعرف ان سره وعلنه سواء. وهو وإن كان يطوي صفحة، فبشجاعة القدرة على الكشف وخوض المواجهة.
ومثله الآخرون.
كانوا يريدون، في السر، لبلدهم أن ينجو، ولنظامهم فيه أن يتقوى بأن يتخلى عن وسائله البليدة في “الثبات” على رؤية واحدة، و”الصمود” على حزب واحد، و”التصدي” لكل محاولة للتجديد. أما في العلن فقد كانوا يريدون لقيم الحرية والعدالة والمساواة أن تسود.
كانوا يعرفون ان دولة القانون ليست مجرد أمر يتعلق بالحقوق والمحاكم. بل أنها أمر يتعلق بالرخاء الاقتصادي أيضا. فدولة لا تحمي حقوق مواطنيها الأساسية لا يمكنها ان توفر ضمانات للاستثمار الداخلي، ولا أن ترسي قاعدة راسخة للنمو، ولا أن تجعل نبض الحياة الاقتصادية يعمل من دون جهاز إنعاش.
اليوم، ارفع عن الاقتصاد السوري دعم الخارج ومساعداته واستثماراته، فماذا سيبقى؟
هل لا تملك سورية من الثروات الداخلية ما يكفي لتدوير عجلة إقتصاد حيوي وناجح؟
بلى تملك. فلماذا إذن يعمل اقتصادها كما تعمل السكتة القلبية؟ ولماذا ينتظر الانعاش من الخارج، أو يجوع الناس وتتعطل الأعمال، وتشظف وسائل العيش وتفشل حتى الزراعة؟
السبب هو ان رياض سيف، وفداء أكرم، وأحمد طعمة، وأكرم البني، وعلي العبد الله، وفايز سارة، وجبر الشوفي، وياسر العيتي، وطلال ابودان، ووليد البني، ومحمد حجي درويش، ومروان العش ما يزالون في الحبس!
النظر الى سلوك السلطات من وجهة نظر التحليل النفسي أمر لا مفر منه الآن. فطبيب النظام ترك البكتريا والفيروسات والعفن لينشغل بالوهن في “نفسية الأمة”.
وكان مما له عميق المغزى، في السياق الفرويدي للأمور، ان قوانينه تجيز للمحكومين بقضايا الدعارة أن يستفيدوا من خفض الاحكام الصادرة بحقهم، إلا انه يحرم المدافعين عن بقائه من حقهم في الإفراج بعد أن قضوا ثلاثة أرباع مدة السجن.
ماذا كان يريد قاضي النظام أن يقول؟
كان يريد ان يقول انه يستطيع، لأسباب سوريالية، التعايش مع الشراميط والقوادين وتجار المخدرات، ولكنه لا يستطيع التعايش مع أناس يريدون لبلدهم أن يفوز بنظام سياسي أكثر ملائمة لقيم العصر.
كان يريد ان يقول انه يستطيع “الصمود” على ممارسة الانتهاكات وسيواصل “التصدي” بدولة اللاقانون وعشوائية التحليل النفسي، تاركا العفن يحول البلاد الى جبنة سويسرية ينخرها الفساد.
لم يكسب بلدٌ معارضةً أكثر موالاة من “المعارضة” التي يمثلها أصحاب “إعلان دمشق” وأقرانهم من ممثلي الجمعيات والهئيات المعنية بحقوق الإنسان.
فهم لا يعادون النظام في ركائزه، ولكنهم يستهجنون تخلفه العقلي وينتقدون المفارقة بين شعاراته وواقع أعماله. وبدلا من ان يتعرض نظامه الاجتماعي الى هزات كتلك التي تحصل في الجوار فانهم يريدون حماية استقراره، وجعل هذا الاستقرار قائما على معايير وقيم حقوقية سليمة.
والنظام يرى انه لا أحد وراءهم في الخارج، وان أجندتهم وطنية خالصة، وانهم مدفوعون بحبهم لهذا البلد، بل واحترامهم لزعامته، لا برغبتهم في أن يكونوا وزراء.
ولكن قاضي السوريالية ما يزال يدينهم بـ”اصابة نفسية الأمة بالوهن”. والوهن لا يأتي إلا من “صموده” هو على التخلف العقلي.
مع ذلك، لا أحد يعرف ماذا يجني من اعتقالهم؟ أو ما هو الفرق (في واقع الحال) بين أن يخرجوا من الحبس بعد ثلاثة أرباع المدة، أو بالمدة كلها؟
وترتكب السلطات جرائم مكشوفة. فأعمال التعذيب سائدة. والأدلة عليها تفقأ العين. وضحاياها شهود يكفون الى ان يرسلوا قادة النظام، في ظل دولة قانون، الى السجن مدى الحياة. وهناك العشرات ممن يختفون عن الأنظار بأيدي أجهزة الأمن، ليتم القاءهم في السجون من دون محاكمة، تاركين ذويهم يقلبون جمر عذابات لا ترحم. وتستعين السلطات في أمنها على “مؤسسة” وشاة و”كتاب تقارير” ينشرون الخوف في المجتمع، من دون أن يكسبوا هم أنفسهم النجاة بالضرورة.
نظام يقوم برمته على الخوف لا يستحق البقاء. وهو لن يبقى، طال أو قصر الزمن. وحيثما أصبحت الملاحقات الجنائية ضد انتهاكات حقوق الإنسان واحدة من أكثر الوسائل تمكينا للضحايا لرد الإعتبار لأنفسهم، فاني أبشر السادة الذين يظهرون بمظهر المسؤولين المحترمين، بأن يوم ملاحقتهم ليس بعيدا بالضرورة.
إصحوا.
لستم بحاجة الى كل ذلك.
سجناء الرأي ليسوا بحاجة الى النظام. فهم قبلوا التحدي وذهبوا الى السجن. وخلصنا.
ما لم يخلص بعد، هو ثمن الجرائم والانتهاكات التي يرتكبها جلاوزة النظام و.. محللوه النفسيون.
النظام هو الذي يحتاج سجناء الرأي لعلهم يعفون عنه، فيوفروا على “المسؤولين المحترمين” ملابس السجن او الملاحقات القضائية التي يمكن ان تمتد قضاياها من عدرا الى لاهاي، بالطول والعرض.
فاصحوا.
مؤسسة الخوف لن تدوم. وبدلا من تقديم التنازلات لفرنسا والولايات المتحدة من أجل خدمة نظام خوف، فمن الأولى والأكرم تقديم التنازلات لأحرار سورية وأبنائها.
ولَكْ، اصحوا.
ولَكْ، انتو وين عايشين؟
العمى!

http://watan.com/feature/20838-%D9%88%D9%84%D9%8B%D9%83%D9%92-%D8%A7%D8%B5%D8%AD%D9%88%D8%A7%D8%8C-%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%88%D9%81-%D9%84%D9%86-%D8%AA%D8%AF%D9%88%D9%85-%D8%A8%D9%82%D9%84%D9%85-%D8%B9%D9%84%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D9%81.html

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى