صفحات ثقافية

مختارات من القصة الفارسية المعاصرة

null
الإعداد والترجمة: محمد اللوزي
القصة الفارسية المعاصرة تتميز بفنونها ودلالاتها وابتكاراتها. وإذا كان العرب عرفوا جيداً الشعر الفارسي العظيم عبر كباره القدامى والجدد، فقد بقيت القصة وإلى حد ما غير معروفة كما يجب أن تعرف.
اخترنا خمس قصص لخمسة كتاب ينتمون إلى اتجاهات وأجيال مختلفة من كتاب صدر حديثاً عن جامعة محمد الخامس في الرباط بعنوان “ما وراء النهر، أنتولوجيا القصة القصيرة الفارسية المعاصرة” هذه الانتولوجيا اختارها وترجمها ترجمة حية ودقيقة من الفارسية مباشرة محمد اللوزي.

جلال آل أحمد ( ـ )
القيثارة

كان يسير بخفة ولامبالاة، يحمل في يده قيثارة جديدة بلا غطاء، قميصه مفتوح وصدره مشرع. نزل مسرعاً من سلم المسجد، وأخذ يشق طريقه بصعوبة بين بُسُط الباعة المتجولين، ووسط حشد من الناس يبحثون بين ثنايا البُسُط المفروشة عن أشياء مجهولة، ثم يمضون لحال سبيلهم.
كان يحتضن القيثارة بيد، ويمسك باليد الأخرى أوتار القيثارة كيلا تشتبك بأزرار عابر أو متاع حمال. أخيراً، استطاع في هذا اليوم أن يحقق ضالته. لم يعد في حاجة إلى الآخرين كي يستعير منهم القيثارة بذلة أو يستأجرها بثمن فاحش، حين يزمع الذهاب إلى حفل. لم يعد عالة على منِّ هؤلاء الملاعين وجميلهم، لقد أصبح مالكا القيثارة.
كان شعره مشعثاً ومتهدلاً فوق جبينه، يحجب عينه اليمنى. وجنتاه غائرتان، ولونه أصفر. غير أنه اللحظة كان حراً طليقاً، يختال حيوية وسعادة.
عندما يضمُه حفل ويكون في قمة وجده، فإنه يغني ويعزف ويسحر الجميع بمواجده الخبيثة وأفراحه الخاصة. لكنه الآن محشور في هذا الزحام، وسط أناس يجهل سبب هرجهم ومرجهم. فليغادر المكان إذن، وليقصد في مشيه.
كان يركض جذلاً ويفكر في القيثارة التي أصبحت الآن ملك يده.
مع ذلك، كان يتوجس خيفة من أن تتمزق الأوتار الغالية فيتحول نهارة الوضيء إلى ليل حالك.
تخلص سريعاً من هذا الهاجس الخفي، وأيقن أن صفحة جديدة قد انفتحت أمامه. ومنذ الآن سيفجر، حراً طليقاً، مواهبه وإبداعه. سيعتصر الحرارة من القيثارة، وسيذوب في وهج هذه الحرارة. سيذوب ويرق حتى ينخرط في البكاء. انخرط في البكاء.
لم يكن يدري سبب بكائه. لكنه كان يتمنى في أعماق قلبه أن تواتيه القدرة فيعزف جيداً حتى يختلط النغم بالنشيج. كان تواقاً إلى أن يبكي فقط على أنغام آلته، حين ينخرط في العزف ويذوب في وهجه.
لم يستطع حتى الآن أن يعزف على سجيته، فقد عزف للناس فقط. لأناس غرباء يبحثون عن ذواتهم الضائعة وأفراحهم الهارية في أنغام قيثارته، وفي عمق صوته الحزين.
كل هاتيك الليالي التي غنى وعزف في مجالس أنسها وفرحها كانت عنده لحظات وهمية وفرحاً مصطنعاً بارداً. لم يستطع في كل هاتيك الليالي أن يبكي على أنغام آلته. لم يستطع أن يعزف حتى يصير الغناء بكاء، لأن السهرات لم تكن ملائمة لذلك؛ ولأن الساهرين لم تكن بهم حاجة إلى دموعه؛ ولأنه أيضاً كان يخاف أن تتقطع الأوتار بين أنامله، إن هو انطلق على سجيته. لهذا كان يعزف مئتداً حذراً.
كان متأكداً من هذا.
كان متأكداً من أنه ظل يعزف ويغني حتى الآن بكلفة واحتراس وبأقل مما كان في استطاعته أن يفعل. وكان كارهاً لهذا السلوك مكرهاً عليه.
الآن فقط استطاع بما ادخره من دراهم شقية أن يشتري قيثارة. لقد تحقق أمله أخيراً، وأصبحت القيثارة ملك يده.
الآن يستطيع أن يعزف على سجيته، يستطيع أن يعزف حتى البكاء.
منذ ثلاث سنوات وهو يغني ويُطرب، لهذا السبب ترك المدرسة. كان يجلس دائماً في آخر القسم، يترنم لنفسه. لم يكن صِحابه يعيرونه اهتماماً. غير أن المعلم كان رقيباً حسيباً. كان لا يعجبه الترنم، ولا ينفك عن التهديد والوعيد، فتعهد له ثلاث مرات بأن يكف عن الترنم داخل القسم.
لكن هل كان في إمكانه ذلك حقاً؟!
في السنة الأخيرة لم يعد أحد يسمع ترنمه من آخر القسم، كان يخلد للنوم بعد كل سهرة نابغية. يوزع نومه بين السرير والقسم. بيد أن هذه الحال لم تدم طويلاً، سرعان ما ترك المدرسة.
كانت التجربة صعبة مضنية في البداية. عزف وغناء كل ليلة، ونوم حتى الظهيرة.
وشيئاً فشيئاً، بدأ يخطط برنامجاً لعمله، ولم يعد يقبل من الدعوات سوى اثنتين أوثلاث في الأسبوع، وتألق نجمه على مر الليالي. ولم يعد في حاجة إلى أن يستجدي هذه المجموعة الموسيقية أو تلك. لقد عرفه الناس، وبدأوا يوصون أمه بباب منزله الوضيع، ويلحون على حضوره ليقضوا مع أنغامه ليلة سعيدة.
ومع هذا كله، كان العمل مضنياً. كانت أمه تعاين نحوله يوماً بعد يوم. فلم يكن يكترث للأمر، بل انصرف بكليته إلى التفكير في مشروع امتلاك قيثارة. قيثارة له وحده ولم يكن هذا بالأمرالهين. لكنه استطاع في المدة الأخيرة أن يدخر مبلغاً لا بأس به من النقود، حصل عليه في حفل زفاف مرموق. وها هو ذا الآن صاحب قيثارة لا ينازعه فيها أحد، ولا يعرف له أملاً آخر سواها. ربما صارت له آمال أخرى، لكن لم يفكر بعد في هذه المسألة. همه الآن ان يختلي بقيثارته في مكان هادئ، يتفقدها ويضبطها ويندمج فيها حتى يصبح جزءاً منها. حتى في تلك الأفراح المصطنعة التي يعزف فيها أغاني مصطنعة، كان أحياناً يندمج على غفلة منه مع القيثارة التي تكون بين يديه، ولم يكن يرغب في مفارقتها أبداً. لكن هل كان من الممكن استمرار هذا الاندماج؟! لقد كان البيت للآخرين والأفراح للآخرين. وكان عليه أن يكون منشطاً ومطرباً للآخرين، وفي خدمتهم دائماً.
وفي هذه الحفلات كلها، لم يستطع مرة أن يطرب نفسه، لم يستطع أن يدفئ قلبه.
في ليالي الشتاء الطويلة، حين كان يعود من هذه الحفلات، متعباً مكدوداً، يتحسس في طريقه الظلام، كان يحس بحاجة شديدة إلى هذا الدفء الداخلي المنعش. وكان يتصور أن قدميه لن توصلاه إلى المنزل، دون شحنة من هذا الدفء.
كثيراً ما أحس بوحدة قاتلة في هذه الحالات. وكثيراً ما قضى آخر الليالي عاكفاً على ذاته الضائعة، في زوايا الحانات، يستدرج الصباح.
كان نحيلاً جداً، يبدو للنظرة الأولى كالمدمن على الأفيون. غير أن الحرارة التي تملكته اليوم أحس بدبيبها في نفسه منذ أن أصبح مالكاً للقيثارة، ورّدت وجنتيه وأدفأت جبينه.
… انتهت به قدماه وأفكاره إلى باب المسجد… وضع قدميه على عتبته الملساء، وباغته الصبي بائع العطور. قفز من درج المسجد وهو يلاعب سبحة في يد ويشد عليه بأخرى:
ـ “أيها المارق! أبهذه الآلة الكافرة تدخل المسجد؟!”
تمزقت خيوط أفكاره، تلاشت الحرارة التي أدفأت قلبه منذ لحظات، ارتبك هنيهة ثم بدأ يعي ما يقوله الصبي. لم يكن أحد قد انتبه للأمر بعد، كانت الحركة دائبة والجميع منشغل ببُسُط الباعة المتجولين. لم يقل شيئاً، حاول أن يخلص منه يده ويستمر في طريقه. لكن الصبي بائع العطور كان ملحاحاً عنيداً، يشد على يده ويرفع عقيرته لاعناً متظلماً:
ـ “أيها الدنيء المارق، ألا تستحي من الله؟”.
حاول مرة أخرى أن يخلص يده ويذهب إلى حال سبيله، لكن الصبي لم يشأ أن يستسلم بهذه السهولة. ويبدو أنه كان يريد أن ينفس فيه عن كساد بضاعته.
انتبه إليهما بعض الأشخاص وتجمعوا حولهما. لكن أحداً لم يكتشف بعد أصل الحكاية، ولم يحاول أن يتدخل. كان واضحاً أن أحداثاً ستقع وشيكاً.
تلاشت البرودة التي اعترت قلبه، وأحس فجأة، بدبيب الحرارة يسري في قلبه، ثم في دماغه، اشتعلت الحرارة. خلّص يده بقوة، وهوى بقبضة يده الأخرى على صدغ الصبي. انقطع لهاث الصبي وغاص سيل لعناته، دارت رأسه قليلاً وأخذ يمسح وجهه بكلتا يديه.
واصل سيره نحو المسجد يريد الدخول، لكن الصبي انتبه من دوخته فجأة، وقفز نحوه يجره من طرف قبضته ويشد على يده من جديد.
احتدمت المشاجرة، تدخل الكثيرون. والصبي بائع العطور لا ينقطع عن الصراخ واستنزال اللعنات على رؤوس الكفرة المارقين الذين يدنسون بيت الله، مستغيثاً بالمسلمين متظلماً لهم.
لم يفهم أحد ماذا حدث. هو نفسه لم يدر كيف تطور الحدث . لكنه استعاد انتباهه جيداً حين ارتطمت قيثارته بالأرض وتكسرت بصوت وئيد رنان.
انقصفت أضلاعها وتلوت أوتارها، فتراجع إلى ركن ووقف مبهوتاً محتاراً، يحملق في الناس، اغتبط الصبي بائع العطور وقر عيناً، وتيقن من أنه أدى واجبه الديني جيداً. فحمد الله من صميم قلبه، وسوى هيئته وعاد إلى بضاعته بمدرج المسجد وهو يلاعب سبحته في يده مكبراً مذكراً ذاكراً.
تلاطمت أفكار الآخر، وانبعجت في دماغه كأوتار قيثاره، وعادت البرودة تسري من جديد إلى قلبه وتلسع دماغه. وسقط متهالكاً مغموماً في زاوية.
لقد انكسر قدح أمله، انكسرت قيثارته الجديدة.
انكسر قلبه.
(م)

غلام محسين ساعدي ( ـ )
مخدع الهاتف

اصطف طابور من الناس أمام مخدع للهاتف على ناحية مفترق لأربع طرق.
الجو بارد وماطر، والواقفون في حيرة وقلق من أمرهم. أنظارهم مشدودة إلى داخل المخدع.
رجل يرفع السماعة ويتحدث بهدوء وطمأنينة. يضحك، وفجأة يجهش بالبكاء. يأخذ سيجارة. يشعلها ثم يستأنف الحديث. الآخرون عجلون قلقون.
يهمهمون بحنق واحتجاج. ينسل شخص من الطابور. يعبر الشارع ويتلاشى في الظلام. يتململ بعضهم مترددين يريدون الانسحاب من الطابور، لكنهم لا ينسحبون. رجل في مقدمة الطابور وقف يدق الباب. الرجل الواقف داخل المخدع لا يبدي أي اكتراث. يضرب الرجل بقبضته زجاج المخدع. يقطب في وجهه الرجل الواقف داخل مخدع الهاتف ويشير عليه بألا يستعجل. المصطفون في الطابور يحتجون. الرجل داخل المخدع يستأنف حديثه مسرعاً. يضحك ويضع السماعة. يأخذ مذكرته مسروراً. يفتح الباب ويخرج. ينظر إليه الجميع محدقين. وبلا مبالاة يتلاشى الرجل في الظلام.
يدخل شخص ثان إلى مخدع الهاتف. ويأخذ السماعة بانفعال وهو يتابع بنظراته الرجل المتلاشي في الظلام. يستخرج مذكرته ويقلب وريقاتها. يرمي بقطعة نقدية. يدير الأرقام، ويشرع في الحديث. تنبسط أسارير وجهه. يفتح ربطة عنقه، ويستغرق في الحديث. يتمايل بجسمه ثم يستقيم، وهو مستغرق في الحديث، الشخص الواقف في مقدمة الطابور يضرب بقبضة يده زجاج مخدع الهاتف. يرمقه الرجل من داخل مخدع الهاتف باستخفاف. يضحك، ثم يستأنف حديثه. ينخرط فجأة في البكاء والنحيب. يضع السماعة. يلملم أشياءه، يحكم ربطة عنقه، ويخرج من مخدع الهاتف. ينظر إليه الجميع بنفور وامتعاض. يسير بلا اكتراث، ويتلاشى في الظلام.
يحين دور شخص آخر. يدخل مخدع الهاتف مقطباً، ويغلق الباب بشدة وهو يبصق.
يرفع السماعة، ويرمي بقطعة نقدية، يشرع في الحديث، يستغرق في الحديث. يدق الأرض بقدمه، يهدأ ثم يضحك. الواقفون خارجاً منفعلون ومتضايقون. يضربون كفاً بكف ويضربون ركبهم. ينسحب أفراد من الطابور ويتلاشون في الظلام. يخرج الرجل من داخل المخدع، وهو يتجشأ. يمتطي سيارة وينطلق بسرعة.
امرأة عجوز بدينة تتكئ على عكازين تحت أبطيها، تدخل مخدع الهاتف. تتمهل لحظات وتتنفس الصعداء. ترفع السماعة. ترمي قطعة نقدية، تشرع في الحديث. تسأل. تتعجب. يحتج الواقفون. العجوز متصاممة، لا تسمع، لا تفهم، لكنها تواصل الحديث. الواقفون أمام المخدع مغتاظون متأففون. الشخص الواقف في المقدمة يدق زجاج المخدع بقبضة يده منفعلاً. العجوز لا تعيره التفاتاً. تضحك وتستغرق في الضحك. تنحي عكازيها جانباً، وتضع قدميها في باب مخدع الهاتف كيلا يدخل أحد. الآخرون استشاطوا حنقاً وقلقاً.
صاحب الدور التالي صبي عمره عشر سنوات. يرفع السماعة، وينهمك في الحديث. الجميع في الخارج منفعلون حائرون. يدخل الحائرون واحداً بعد الآخر.
يستبد بهم انفعال القوة يتحدثون غير آبهين بالمنتظرين. مخدع الهاتف مكان لتنازعالقوة والسطوة.
آخر شخص كان في الطابور رجل مسن سكران، يدخل مخدع الهاتف حاملاً كيساً ممتلئاً بالنفايات. الرجل متعب وحائر. يرنو إلى الخارج. لا أحد. يجلس على أرضية المخدع ويستسلم للنوم.
أيدٍ تدق الباب. الريح تدق الباب. يخرج الرجل المسن من مخدع الهاتف ويتمدد فوق مقعد.
تدخل الريح إلى المخدع، ترفع السماعة. يدق المطر زجاج المخدع.
(م)
صادق وبك ( ـ )
الرفيق

كانا ذئبين حميمين. انعقدت بينهما الألفة والصداقة منذ نعومة أظفارهما. كانا يتقاسمان سوية كل ما يقع في حوزتهما من صيد ويعيشان في جحر واحد. وفي سنة حاسمة من سنوات عشرتهما الحميمية، خيّم شتاء قاتم وقارس، تساقطت فيه الثلوج بغزارة على الأرض، حتى أضناهما الجوع والفقر. اعتكفا أياماً في غيابة الجحر، في انتطار أن تتوقف الثلوج وتنجلي غمتها، واستنفدا كل ما فضل عندهما من بقايا الصيد وسقطه. غير أن الثلوج المتساقطة خيبّت انتظارهما وضاعفت من غمتهما. ولم يجدا بُداً في النهاية، من الخروج إلى الخلاء للحصول على القوت.
لكن بالرغم من كثرة التجوال والبحث، لم يفوزا بفريسة يسدان بها الرمق.
كان الثلج عنيداً في تساقطه، وبدأ الليل يزحف بظلمته. ومن فرط الجوع والقر، أصابتهما حيرة ولوثة، فلم يدريا ما يفعلان.
قال أحدهما لرفيقه، ولم يكن يقدر على المشي:
ـ لا حيلة لنا سوى أن نغير على القرية!
ـ أتريد أن نغير علي القرية ليقضوا علينا؟! إنها دعوة صريحة إلى الهلاك.
ـ لنذهب إلى تلك الحظيرة الواقعة في سفح الجبل، فنأخذ خروفاً وننسل.
ـ يبدو أن بعقلك مساً. فمن يستطيع أن يترك الحظيرة لوحدها في مثل هذه الليلة المتجهمة؟! إن ذهابنا إلى هناك يعني سحقنا تحت العصي والهراوات. سينهالون علينا بالعصي حتى نرى الشمس في عز الليل.
ـ أنت كعادتك جبان رعديد. إن الجائع لا ينبغي أن يتوجس من هذه الأمور.
ـ هل نسيت كيف قضى أبوك؟! لقد استبد به النزق فأغار على معلف البهائم كاللص الناشئ. فماذا كانت النتيجة؟ لقد مزقوا جثته إرباً إرباً.
ـ لقد أثرت ذكرى والدي مرة أخرى. تُرى ماذا تريد من هذا النبش على الموتى؟!هل أثرت أنا ذكرى أبيك، هذا الذي ذهب ضحية غفلته وغبائه؟! هل تتذكر كيف استطاع انسان ضعيف وساذج أن يقتاده إلى القرية ليحرس له دجاجه، وظل يجوّعه حتى لفظ أنفاسه. فابتز فراءه؟! لقد كان أبوك سُبة في جبين الذئاب.
ـ لم يكن أبي مغفلاً ولا غبياً. كان أعلم الذئاب وأفطنها جميعاً. لو كان في أيامنا هذه انسان نبيل يبادلني الثقة والود لذهبت كي أعيش معه. فمن ترى يمكن أن يكون أحمى وأقوى من الانسان؟ ! واذا كنت ما تزال مصراً على الهجوم على القرية، فاذهب وحدك، حتى يقطعوا رأسك ويضربوها مسلاة في القرية.
ـ إنني أتضور جوعاً. لم أعد استطع الحركة.
ـ آه، يبدو لي مؤكداً أنك بدأت تنهار. فهل بقواك المنهارة هذه تريد أن تهجم على القرية؟!
ـ أجل لا أريد أن أموت حقيراً، أريد أن أعيس شجاعاً حتى آخر رمق من حياتي، فأستل لقمتي عنوة من قبضة الانسان.
ما إن لفظ الذئب المنهك بهذه العبارات، حتى خارت قواه وتهالك على الأرض ولم يُطق حراكاً. استبشر رفيقه لتهالكه. وأخذ يحوم حوله. تشممه بأنفه متجسساً وأخذ يعضه في أماكن مختلفة من جسمه.
تعجب الرفيق المنبطح أرضاً من سلوك رفيقه وسأله دهشاً:
ـ ماذا تفعل أيها الرفيق؟! لماذا تعضني؟!
ـ يبدو أنك لا تعرف بالجميل أيها الرفيق. فمتى تنفع الصداقة إذا لم تنفع في وقت الشدة ولن تضح من أجل رفيقك العزيز؟!
ـ أي تضحية تعني؟!
ـ إنك ميت لا محالة. فدعني أفترسك لأحتفظ أنا بحياتي على الأقل!
ـ تفترسني؟!
ـ نعم، ماذا دهاك؟!
ـ أنسيت ببساطة عشرتنا ورفقتنا؟!
ـ لهذا السبب بالضبط، أقول ينبغي أن تضحي.
ـ أنا وأنت ذئبان، فهل يأكل الذئب أخاه الذئب؟!
ـ ولم لا يأكله؟! إذا لم يكن هذا قد حدث من قبل، فسأفعله أنا حتى يكون شريعة لأطفالنا من بعد.
ـ إن بلحمي رائحة كريهة.
ـ الرحمة لأبويك! إنني أموت جوعاً، فكيف تقول إن بلحمك رائحة كريهة؟!
ـ أصحيح أنك عازم على أكلي الآن؟!
ـ طبعاً، لم لا آكلك؟!
ـ لي عندك رجاء واحد.
ـ أي رجاء؟!
ـ دعني أموت. وعندئذ، أفعل بي ما تريد.
ـ تأكد أني أريد بك خيراً وأقدم لك جميلاً. إنني أضحي من أجلك وأبرهن لك عن صداقتي إذ أريد افتراسك حياً. أولاً تعلم أني إذا لم أفعل ، فان جثتك ستظل على الأرض فريسة للعقبان؟! ثم إن لحمك سيتعفن عند الموت، وسيقززني لا محالة.
ما إن إنتهى الذئب من كلامه، حتى مزّق أحشاء رفيقه والتهم كبده وقلبه الساخنين، لا يلوي على شيء.
(م)
نادر ابراهيمي ( ـ )
منتدى الحيوانات

استدعي نواب جميع الحيوانات في مملكة “الهاموجاي” ليتدراسوا الوضع الخطير الذي آل اليه مجتمع الحيوانات، وأزمة القيم الخلقية المتفشية في صفوفهم.
بدأت أشغال المؤتمر تحت شعار : “الوضع الخطير للمجتمع الحيواني وأزمة انحطاط القيم”.
كان الفيل، أول مؤتمر يأخذ الكلمة:
ـ “يتحتم علينا أيها الأخوة أن نفكر جيداً في إصلاح أوضاعنا المتردية. ولعل أول خطوة يجب أن نسلكها في هذا المضمار، هي تحقيق التكافل والمساواة بين جميع أفراد الحيوانات”.
قال الجمل:
ـ “لقد صدق السيد الفيل في كلامه، ففي الحقيقة، يجب أن تكون جميع الحيوانات متساوية كما يجب أن تفضّ جميع خلافاتها بالحسنى”.
قال الكلب:
ـ “للوصول إلى هذا الهدف المقدس، يجب أن نتحلى برباطة الجأش وهدوء الأعصاب وأن نصدر عن نظرة واحدة إلى الأمور، وأن نتلافى الأنانية والكبرياء، ونحافظ فيما بيننا على المودة والإخاء، بدءاً من القط إلى الذئب”.
قال الذئب:
ـ “بالحق نطقت يا حضرة الكلب. إنني متفق تماماً مع هذا المطلب المنشود. ولا شك في أن المودة والطمأنينة والإيثار والتعاطف هي القيم التي ينبغي أن نعمل من أجلها جميعاً. أما النزاع والتكشير عن الأنياب، فليسا في صالح مجتمعنا”.
قال الحجل:
ـ “ما أدلى به حضرة الذئب هو عين الصواب. وعلينا أن نلتزم جميعاً بتنفيذ مقترحه، وأن لا نتغاضى عن مخاطر الواقع المحدق بنا، فتجاهل الحقائق جريمة كبرى”.
قال القط:
ـ “الآن، وقد أصبح كل شيء واضحاً للعيان. علينا أن نكون متساوين رحماء وعقلاء. وليكن المبدأ الأول في مشروع إصلاحنا: أن لا يتطاول أحد على أملاك الغير. إن السطو والشره والعدوان علي بيوت الآخرين وأملاكهم قيم ينبغي أن ترحل من مجتمعنا، ولنستبدل بها قيم الاخلاص والصدق والود”.
قال الفأر:
ـ “ليحيى القط المتبصر الذكي الفؤاد. فالحقيقة أن السطو والتطاول على حقوق الآخرين هو سر بلوانا وانحطاط مجتمعنا. ولا شيء سواهما. وأي تساهل منا تجاه أخطاء الآخرين سيحول بيننا وبين هدفنا المنشود”.
قال العقاب:
ـ “لقد أحسن حضرة الفأر. وان ما تفضل بقوله لهو الحقيقة الساطعة. وقد كان موقفي الشخصي على الدوام مع هذه الحقيقة… إن لحوم الأجساد ليست بذات قيمة، والقيمة كل القيمة في الأرواح التي تسكن هذه الأجساد!”.
قال الضبع:
ـ “أنا وحضرة العقاب نتبنى رأياً واحداً في جميع القضايا، إن آراءه هي من صميم آرائي الشخصية”.
وتواصلت أشغال المؤتمر على هذه الوتيرة، وتحمس الجميع لإبداء آرائه حتى أطل الصباح.
قال الحلزون:
ـ “الآن، وقد أدلى الجميع بآرائه، أرشدونا إلى الطريق الناجعة. ما الطريق التي ينبغي أن نسلكها حتى نتغلب على مشاكلنا المزمنة ونحول دون استفحال الإنحطاط؟”.
قال الحمار:
ـ “العِلم، العلم وحده ولا شيء سواه. بواسطة العلم والمعرفة ستنحل جميع القضايا وتنفرج جميع المشاكل والأزمات”.
قالت البقرة:
ـ “صحيح، أحسنت الرأي”.
@@@
على مقربة من المؤتمرين، قعدت بومة فوق غصن، وبين تدخل وآخر، كانت تنعب فيما يشبه اللازمة:
” حاق، حاق، حاق…”
هزت البومة رأسها وخاطبت نفسها: “إيه! أي سوق ساخنة هذه للحقيقة. إن المكان الذي تتشدق فيه الحقيقة ليس بمكاني!”.
أفردت البومة جناحيها، وطارت.
( )
أعظم رهنورد (ـ )
البازيُّ والقيد

انتصبت في حينا لسنوات شجرة جرداء يابسة، وبجوار هذه الشجرة كان لإسكافي دكان، وكان الإسكافي يفتح دكانه كل صباح مطمئناً إلى قعدته اليومية.
وعند الغروب، يوصد باب دكانه بقفل كبير وينصرف.
في حينا أيضاً كان يعيش شخصان عاطلان، ولا أعرف بالضبط سر عطالتهما. كانا يذهبان كل صباح إلى دكان الإسكافي، ويجلسان عنده، حتى أصبحا على مرالأيام وكأنهما جزء من أشياء الدكان.
مررت في أحد الأيام بالقرب من دكان الإسكافي، ولاحظت هدوءه وسكونه على غير عادته، فقد أطرق برأسه واستغرق في التفكير يداعبه النعاس، كان الشخصان العاطلان بدورهما مطرقين يداعبهما النعاس. بدا لي أنهما يقلدان الإسكافي، اقتربت اكثر؛ وخطر في ذهني، وأنا أعاين منظر الإسكافي، أن حادثة سيئة قد وقعت.
سألته:
ـ ماذا حدث؟
رفع رأسه ببطء ونظر الي. لم تكن في نظرته تلك اللمعة المألوفة، بل كان يتلامح فيها شيء مبهم وغامض. رفع العاطلان أيضاً رأسيهما ببطء، وصوبا إلي نظرة ساكنه لا تشف عن شيء. قال الاسكافي:
ـ لقد فر البازي ورحل.
تملكتني ضحكة.
تملكتني ضحكة من جوابه وسألته:
ـ كيف رحل؟!
أجاب:
ـ طار وذهب:
غمرني سرور خفي، ولاحظ إشراقة هذا السرور في عيني. وفجأة أطلق ضحكة عالية . اطلق العاطلان ضحكة مماثلة. كانت ضحكة الاسكافي مشحونة بالانفعال والوعيد. وكانت ضحكة العاطلين خالية من أي احساس.
سألت الإسكافي:
ـ لماذا تضحك؟!
أجاب:
ـ لأن البازي اللعين سيموت وشيكاً.
سألته:
ـ ولماذا سيموت وشيكاً؟
أجاب:
ـ لأني ربطت في قائمته خيطاً، وسيظل الخيط قيداً في قائمته.
عادت اللمعة المألوفة فجأة إلى عينيه، واستتلى:
ـ حين يحط اللعين فوق غصن شجرة، فان الخيط الذي في قائمته سيلتف حول الغصن، وسيلاقي هناك مصيره المحتوم.
أطلق ضحكة أخرى عاليه:
ـ إنه خيط محكم، لن يستطيع تمزيقه أبداً.
أصابني ارتعاش وارتعاب، ويبس الفرح في قلبي.
أطلق العاطلان ضحكة مماثلة:
ـ لا يستطيع تمزيقه، لا يستطيع…
قال الإسكافي:
ـ لقد اصطحب معه الموت.
قلت:
ـ إنك فظ غليظ.
التمعت عيناه، وقال:
ـ كنت أعطيه عصافير حية، كان يقتل العصافير ويلتهمها. لكنه طار وذهب. أنا…
لم أواصل الإصغاء، انطلقت بسرعة، وأصداء كلام الاسكافي تتردد في أذني.
سيظل الخيط قيداً في قائمته… سيلتف حول الغصن… وسيلاقي هناك مصيره المحتوم، خيط محكم لن يستطيع تمزيقه ابداً…
كانت ليلة سيئة.
استلقيت على فراشي في الظلام؛ لم يُغمض لي جفن. ظلام الليل يضغط على صدري ، نهضت وألقيت نظرة من النافذة إلى الخارج. كان الحي هاجعاً في قرارة الظلام، وكان الظلام ناشراً أجنحة الضجر علي كل مكان. استلقيت مرة أخرى على السرير. في أعماقي الملبدة يعتمل هاجس ما. كلما حاول الخروج والانسلال، أمسك شخص بخناقه ورده إلى قرارته.
كان الليل يمر بطيئاً ثقيلاً، وكانت أعماقي، جائشة. بدأ الليل ينجلي شيئاً فشيئاً، وأنا في حال بين النوم واليقظة. أرى العالم مشرنقاً بالخيوط، كل الأمكنة كانت مشرنقة بخيوط طويلة وقصيرة. كان حينا كرة من الخيوط، خيوط محكمة لا يمكن تمزيقها. انتبهت إلى أن هذه الخيوط المحكمة مربوطة بأرجل الناس، كل شخص كان برجله خيط، أنا أيضاَ كان برجلي خيط.
بزغ الفجر وترامت من الحي جلبة، تحركتُ واستويت واقفاً، ثم خرجت إلى الحي.
تجمع أناس بالقرب من دكان الإسكافي، تحت الشجرة الجرداء اليابسة، كان الإسكافي يهمهم بشيء وهو يرقص، وقعت عيناه علي، فاقترب مني راقصاً وهو يقول:
ـ أرأيت؟ لقد صدق كلامي.
سألته:
ـ ماذا حدث؟!
أجاب:
ـ تعال.
أمسك بيدي واقتادني إلى الشجرة الجرداء اليابسة وأشار إلى غصن.
ـ أنظر.. أنظر..
رأيت البازي في غصن الشجرة معلقاً من إحدى قائمتيه. كان الخيط ملتفاً بالغصن. وفوق الأغصان الأخرى تناثر ريش البازي الميت. كان الطائر في وضع يثير الأسى، ولسان حاله، يقول:”هذه هي نهاية المطاف” ضحك الاسكافي وقال راقصاً:
ـ ألم أقل لك إنه سيموت وشيكاً ، ألم…؟
كانت عيون الحاضرين ترنو إلى الطائر، كانت خيوط العيون مشتبكة بخيط الطائر ، ولاح في العيون الرانية استبشار ورضى. وخيل الي أنهم يقولون:
ـ حسناً، لقد علق البازي من قائمته؛ أما أرجلنا فطليقة.
رنوت إلى أقدامهم، كانت القيود في أرجل الجميع، قيود وسلاسل مصنوعة من حلقات صغيرة وكل حلقة على شكل “مَنْ” ()
اطلقت قهقهة عالية.
سأل الجميع بصوت واحد
ـ لماذا تضحك؟!
أجبتهم بضحكة قوية تردد صداها في جنبات الحي.
سأل الحي بصوت واحد:
ـ ماذا دهاك؟! لماذا تضحك؟”
قلت:
ـ أنتم أيضاً في أرجلكم قيود.
توجس الجميع خيفة وهم ينظرون إلى أقدامهم، وقالوا بصوت واحد:
ـ أين القيود؟!
توجست أن أنظر إلى رجلي، كان القيد ملتصقاَ بي ، سلسلة من حلقات صغيرة: “مَن مَن مَن مَن”.
بدا لي في هذه اللحظة أن الهاجس الذي كان يعتمل في أعماقي الملبدة قد خرج وتجلى، كان كل شيء يبدو هزلياً. ضحكت مرة أخرى . وبعد لحظات، كنا جميعاً معلقين من رجل واحدة بأغصان الشجرة الجرداء اليابسة. كان الاسكافي بجواري معلقاً. كان منظره يثير الأسى ولسان حاله يقول: “هذه هي نهاية المطاف!”.
على مقربة منه، كان العاطلان معلقين، كان منظرهما يثير الأسى، بدا لي انهما يقلدان الاسكافي بمنتهى السذاجة.
وقعت عيناي علي البازي، وتساءلت في نفسي:
ـ ترى لماذا عاد الشقي إلى هنا؟!
انتبهت إلى أن للبازي خيطاً آخر برجله، مربوطاً بدكان الاسكافي. وكان هذا الخيط مجدولاً بأجساد العصافير الحية.
المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى