صفحات مختارة

ماذا تبقى من هويّة اليسار الشيوعيّ العربيّ اليوم؟

* فيصل درّاج
تحيل كلمةُ “اليسار،” إنِ استُعملتْ في السياق العربيّ الراهن، على عموميّةٍ إيديولوجيّةٍ قد تتكشّف في نزوعاتٍ سياسيّةٍ تفتقر إلى الاستقلال الذاتيّ. فقد كانت لليسار المفترض، حين كان قوةً سياسيّةً ـ إيديولوجيّةً فاعلة، سماتٌ واضحةُ الحدود. كانت للشيوعيين ماركسيّتُهم والتحاقُهم الإيمانيّ بالحزب الشيوعيّ السوفييتيّ، وكانت للقوميين العرب قوميّتُهم الموروثة المنجزة، وكانت “سوريا الطبيعيّة” مرجعَ القوميين السوريين. وكانت لهذه القوى قواسمُ مشتركة، تجلّت في أعداء قوميين وطبقين: الإمبرياليّة والصهيونيّة والرجعيّة العربيّة، وفي غاياتٍ قريبةِ الوصول: العدالة الاجتماعيّة والوحدة وتحرّر فلسطين. بيْد أن ما يبعّد بين هذه القوى كان أكثر قوةً وفاعليّةً مما يقرّب بينهما، رغم انتسابها (طبقيّاً) إلى مراجعَ اجتماعيّةٍ متماثلة. ولهذا كان تاريخُ اليسار العربيّ هو تاريخَ الصدام بين أحزاب اليسار، إلى أن وصل إلى هزيمةٍ كاسحةٍ جعلت الصدامَ أمرًاً نافلاً. فقد انهار النموذجُ السوفييتي للاشتراكيّة، وانهارت معه ماركسيّتُه، وترسّبت “الأحلامُ القوميّة” في أقاليمَ غائمةِ الحدود.
يأمر اتساعُ الموضوع، الذي يحاور يسارًا افتراضيّاً، بتأمّل مصير جنسٍ يساريٍّ وحيدٍ، يضيء مآلَ غيره من اليسار الموروث. والجنس المقترح هو اليسارُ الشيوعيّ. ذلك أنّ في هذا اليسار من شرعيّة الماضي أكثرَ ممّا فيه من شرعيّة الحاضر، كما لو كان احتفظ باسمه وفقد مبرّراتِ الاسم وموضوعه. والسؤال المطروح: ما الذي تبقّى من اليسار الشيوعيّ القديم في شرطٍ يفتقر، تاريخيّاً، إلى الأسباب الموضوعيّة القديمة التي سمحتْ بولادته وصعوده؟ أو بشكل آخر: إذا كان ماضي التجربة الشيوعيّة يشكّل علاقة داخليّة في مستقبلها المحتمل، فما هي ملامحُ هذا الماضي، وما هي العناصر النظريّة والسياسيّة التي صاغت هويّتَه؟
***
يمسّ السؤالُ، في وجهه الأول، السياقَ التاريخيَّ الذي شهد ميلادَ التجربة وصعودها. وفيه تمازجتْ أبعادٌ مختلفة: الكفاح الشعبيّ ضدّ الاستعمار المباشر، ووعودُ التحرر الوطنيّ، وصعودُ الحركة الشيوعيّة العالميّة، والكفاحُ ضدّ سلطاتٍ محليّةٍ مثلومةِ الشرعيّة وضعيفةِ الفاعليّة والأجهزة. وهذا الكفاح ، في شكليْه، كما الضعفُ السلطويُّ، أنتجا جملةً من الظواهر الوطنيّة الطليعيّة، مثل الأحزاب والنقابات والصحف، وصولاً إلى مقولة “المثقف الوطنيّ الملتزم” الذي أقبل على الأحزاب (ولاسيّما الشيوعيّة) بإرادةٍ فاعلة ومتفائلة. وفي الحالات جميعًا، فإنّ السياق التاريخيّ الذي أفضى إلى تكوّن “الشيوعيّة العربيّة” انتهى إلى غير رجعة، مخلّفًا وراءه سياقًا جديدًا يحتاج إلى شكلٍ غير مسبوقٍ من النظر والعمل.
ويمس السؤالُ، في وجهه الثاني، “النظريّة الثورية” التي تسلّح بها الشيوعيون، وهي الماركسيّة ـ اللينينيّة، “الفلسفة الكليّة الجبروت” التي تَعْرف الطريقَ إلى الحقيقة، إنْ لم تكن هي الفلسفة الحقة، المتحرّرةَ من اللاهوت والميتافيزيقا. ولأنها “فلسفة علميّة،” فهي تتشجّر في علوم الاقتصاد والتاريخ واللغة والنقد الأدبيّ، وتعبِّر عن ذاتها في تعبيرٍ جامعٍ هو “علم الثورة”، الذي هو محصّلةٌ لتكامل الإرادات الثوريّة (الإنسان الجديد) والنظر العلميّ إلى العالم. بل إنّ هذه الفلسفة العلميّة حليفٌ لـ “التاريخ،” السائرِ أبدًا إلى الأمام، يبرهن عن صحّتها وتعمل على تسريع خطاه. وتتعيّن الأزمةُ الراهنةُ بانتهاء السياق التاريخيّ، وسقوطِ الفلسفة ـ الحقيقة، و”مكرِ التاريخ” الذي لا يحتمل حركة خطّيّة مستقيمةً لا رجوعَ عنها. هكذا وقع الشيوعيون، أو من تبقّى منهم، في فخّ التاريخ، الذي ينكث بوعوده ويتحرّر من “تحالفاته،” وفي فخّ “الحقيقة المهزومة” التي بدت للبعض ـ ذاتَ مرة ـ علمًا للعلوم.
ويمسّ السؤال، في وجهه الثالث، الإستراتيجيّة النظريّة – السياسيّة العامّة للأحزاب الشيوعيّة، التي آمنتْ بصراعٍ طبقيٍّ، متميّزٍ وكونيٍّ في آن. فهو يتميّز داخل كلّ بلدٍ على حدة، حيث على الطبقة العاملة أن تقاتلَ ضدّ برجوازيّتها، وفقًا لمنطقٍ أحاديّ وحدّيّ يقسم العالمَ إلى بروليتاريّ ورأسماليّ، ويبشّر بانتصار “قوى التحرّر.” أما الصراع في شكله الكونيّ، فتمثّل في المواجهة المفتوحة (المعروفةِ الأفق) بين المعسكر الاشتراكيّ والمعسكر الرأسماليّ. ولعلّ يقينَ الانتصار (وهو ضروريٌّ لكلّ حركةٍ ثوريّة) هو ما وضع على لسان الشيوعيين، في العالم العربيّ وخارجه، جملةً شهيرةً تميِِّّز معنى القرن العشرين: “إنّه عصرُ الانتقال من الرأسماليّة إلى الشيوعيّة.” لكنّ القرن العشرين رحل مخلّفًا وراءه “نهايةَ التاريخ،” وحروبَ القوميّات المتصارعة والهويّاتِ المتقاتلة، والطوائفَ التي تديّن السياسةَ وتسيّس الدينَ. فالحال أنّ “الفلسفة ـ الحقيقة،” في شكلها التطبيقيّ، مزجتْ بين العلم والإيديولوجيا، أو بين العلم والتبشير، منتهيةً إلى عموميّةٍ شعاراتيّةٍ، تحرّض “الرفاق المقاتلين” ولكنها لا تشرح لهم بنية المجتمع الذين يريدون تحويلَه.
***
يبدو السؤال، في وجوهه الثلاثة، منفتحًا على السديم، من دون أن يكون ذلك تمامًا، شريطة الإشارة إلى أمرين جوهريين: يرتبط أحدُهما بسياسة “دولة الاستقلال” في العالم العربيّ، التي رأت في القمع مقدّمةً لـ “التقدّم الاجتماعيّ والوطنيّ”؛ ويرتبط ثانيهما بنمط “الإدارة الشيوعيّة” التي آثرت المحاكاةَ والاختزالَ وأحاديّة الصوت.
أ) فمن الإجحاف قراءةُ أقدار الحركة الشيوعيّة العربيّة بمعزلٍ عن الممارسات السلطويّة العربيّة، التي تخوِّن الاختلافَ، وترى في الأحزاب الشيوعيّة “اختلافًا خائنًا” يستحق العقاب. ولذا عملتْ “دولُ الاستقلال الوطنيّ” على تدمير الأحزاب الشيوعيّة تدميرًا ممنهجًا، متوسّلةً العنفَ والإرهابَ والتضليل، مزاوِجةً بين التخوين والتكفير، وبين السجنِ والحرمانِ من حقوق الحياة. هكذا انتهت الأحزابُ الشيوعيّةُ العربيّة تاريخيّاً قبل أن تأتي نهايتُها الزمنيّة، وسقطتْ فعلياً قبل أن تسقطَ فكرةُ الاشتراكيّة على المستوى العالميّ لاحقًا. فوفقاً لرواية غالب هلسا، الروائيون، وهي وثيقةٌ تاريخيّةٌ في شكلٍ روائيّ، انتهت الشيوعيّة في مصر في منتصف ستينيّات القرن الماضي. ووفقًا لروايةٍ ـ وثيقةٍ أخرى هي اللاز للطاهر وطّار، فقد قُوِّض الحزبُ الشيوعيُّ الجزائريّ قبل مجيء دولة الاستقلال. ولم تكن الحال مختلفةً في السودان والعراق وبلدانٍ أخرى.
ب) اكتمل التدميرُ السلطويُّ للأحزاب الشيوعيّة العربيّة بتدميرٍ ذاتيّ صادرٍ عن التحاقٍ رومانسيّ بـ “المركز الشيوعيّ العالميّ.” وتجلّى ذلك في مواقفَ شيوعيّةٍ عربيّةٍ استَهلكت الرصيدَ الوطنيَّ المتبقّي، مثل: موقف معظم تلك الأحزاب من دولة إسرائيل، ومن الوحدة السوريّة ـ المصريّة، واندراجها الفقير في سياسة “الأنظمة التقدميّة،” والتزامها بثنائيّة “التقدميّ/الرجعيّ” من دون تدبّرٍ كبير.
***
يفضي التدميرُ، في شكليه، وانطلاقًا من الراهن القائم، إلى نتيجتين. الأولى هي أنّ النضال من أجل الديمقراطيّة الاجتماعيّة علاقة داخليّة في النضال من أجل الاشتراكيّة. ذلك أنّ إمكانيّة تحقّق الاشتراكيّة هي من نضال المؤمنين بها، بعيدًا عن أسطورة “الاشتراكيّة القادمة” التي سيأتي بها التاريخُ في مستقبلٍ قريب. وعلى هذا فإنّ القول بالاشتراكيّة إنما هو انفتاحٌ على مجتمعٍ يحتاج إلى الديمقراطيّة، مجتمعٍ لا يمكن اختزالُه إلى “رجعيّ” و”تقدّميّ،” ولا تقسيمُه بشكلٍ وهميّ إلى “طبقةٍ عاملة” و”طبقةٍ برجوازيّة.” إنّ الأولوية هي للمشخَّص على الشعار، وللواقع على النظريّة، وللحاضر على المستقبل. وإذا كانت النتيجة الأولى تردّ إلى وحدة الديموقراطيّة والاشتراكيّة ، فإنّ النتيجة الثانية تدور حول التميّز السياسيّ للحاضر الوطنيّ، الذي له قضايا خاصّةٌ به، لا يمكن اختصارُها إلى قضايا كونيّة و”أمميّة.”
***
ما الذي تبقّى من اليسار الشيوعيّ اليوم؟ ماذا تبقّى من هويّته، ومن إيديولوجيّته القائلة بـ “الطبقات” و”الصراع الطبقيّ” و”الطبقة العاملة القائدة” و”النضال من أجل الاشتراكيّة”؟
يمكن اليوم الاقترابُ من هذا السؤال اعتمادًا على الفكرة الماركسيّة القائلة بأنّ التاريخ الإنسانيّ كان، وما يزال، تاريخًا لصراع الطبقات، وبأنّ على الطبقة العاملة أن تحرّر ذاتَها وتحرّر المجتمعَ كلَّه معها في آن. غير أنّ هذا الاقتراب معوَّقٌ مرتين: مرةً أولى بسبب التحوّلات الجذريّة التي جعلتْ من القوى الحاكمة العربيّة طبقةً إقصائيّةً، لا تسمح بتكوّن طبقاتٍ خارجها؛ ومرةً ثانية بسبب الإفقار الثقافيّ الشامل، الذي يجعل الحديثَ عن الماركسيّة عبثيّاً. فبعد عقودٍ من الاستئثار الكلّيّ بالسلطة، بعيدًا عن المراقبة العامّة، تحوّل الائتلافُ الحاكمُ إلى “طبقةٍ وحيدةٍ” نسبيّاً، تضمّ السلطةَ ورجالَ الأعمال… أو رجالَ السلطة من حيث هم رجالُ أعمالٍ أيضًا. وهذه الطبقة الجديدة تتمتّع بما يميّزها اقتصاديّاً وسياسيّاً وإيديولوجيّاً، وتتمتّع بأجهزةٍ سلطويّةٍ تعيد إنتاجَها كطبقةٍ وحيدةٍ تمنع إمكانيّاتِ صعود طبقاتٍ أخرى. والسؤال الضروريّ هنا هو الآتي: إذا كانت الطبقاتُ لا توجد فرادى، بالمعنى الماركسيّ؛ وإذا كان الصراعُ الطبقيّ (كما يدلّ اسمُه) صراعًا بين طبقات؛ فما هو شكلُ الصراع الطبقيّ في مجتمعاتٍ عربيّةٍ تتعيّن فيها السلطةُ وملحقاتُها طبقةً وحيدة؟! أو: إذا كان الصراعُ الطبقيّ فعلاً سياسيّاً، فكيف تمكن ممارسة الصراع في مجتمعاتٍ لا سياسة فيها؟
الجواب قائمٌ في الاحتكار السلطويّ للسياسة ، الذي يحوّل ما كلّ ما هو خارجها وخارج تحالفاتِها إلى “سواد،” بلغة طه حسين، أيْ إلى جماعاتٍ مقموعةٍ مستغلَّةٍ تفتقر إلى شكلٍ طبقيّ. فالحرمانُ والجوعُ والاضطهادُ والأميّةُ لا تشكّل طبقة، لأنّ لهذه تعييناتها السياسيّة والإيديولوجيّة والاقتصاديّة، كما أوضح غرامشي. وتغدو الأسئلة المطروحة هي الآتية:
ما هو شكلُ الصراع الطبقيّ في مجتمعٍ تحتكره طبقةٌ واحدة، أو تخترقه “أزمةٌ عضويّةٌ مغلقةٌ” (بلغة غرامشي)، ويميل إلى التفتّت والاستنقاع (بلغة لينين)؟ وما حظّ الماركسيّة، وهي الشكل الأرقى للفلسفات البرجوازيّة، من النهوض في مجتمعاتٍ ما قبل رأسماليّة بالمعنى الإيديولوجيّ والسياسيّ؟ وماذا يتبقّى من الماركسيّة إذا كان معناها قائمًا في وجوه الماديّة التاريخيّة والطبقة العاملة، بلغة آلتوسير؟ وما معنى الماركسيّة إنْ كانت دلالتُها التاريخيّة تصدر من دورها الجماهيريّ، لا من علميّتها؟
لا مجال للإجابة بسبب تعقّد الأسئلة، لكنْ يمكن التخفيفُ من “الاختناق” النظريّ والعمليّ اتكاءً على أفكار ثلاث:
1) لا يُقرأ الواقعُ العربيُّ الراهنُ على ضوء الماركسيّة (وهو أمرٌ ممكنٌ بشكلٍ ما)، وإنما تُقرأ الماركسيّةُ على ضوء تحوّلات ذلك الواقع، بما يعترف بأولويّته على النظريّة، ويَصْرف المفاهيمَ الجاهزةَ عن الطبقات والصراع الطبقيّ، وينفي “كيف؟” بـ “لماذا؟”، منتقلاً من توصيف الطبقات إلى شرح أسباب ضمورها والتباسها، ومن فلسفةٍ أحاديّةٍ (هي الماركسيّة) إلى فلسفةٍ محتملةٍ متعدّدةِ العناصر.
2) ضرورة الاعتراف بالأزمة في شكلها الراهن، من دون مقايساتٍ تستدعي الماضيَ أو تستقدم المستقبلَ اعتمادًا على تفاؤلٍ متواترٍ قوامُه “أزمة الرأسماليّة المتجدّدة.” لقد سمح المجتمعُ العربيّ، في زمنٍ مضى، بـ “اختراع” الطبقة العاملة، بسبب وجود “برجوازيّةٍ كولونياليّة” (بلغة مهدي عامل)، قبل الوصول إلى مرحلةٍ راهنةٍ تحتاج إلى “بناء المجتمع العربيّ” ـ الذي اختُصر إلى سلطاتٍ تمنع السياسة، وإلى “أغلبيّةٍ خاضعة،” أو إلى “جماعاتٍ” لا تعرف معنى السياسة لأنها لا تعرف معنى الفرد والفرديّة المستقلّة.
3) إعادة التأسيس بعيدًاً عن أصوليّةٍ إيديولوجيّةٍ تحتفي بالواحد وترفض المتعدّد، وعن أصوليّاتٍ تنظيميّةٍ تقول بـ “اللجنة المركزيّة” و”المكتب السياسيّ” و”المركزيّة الديمقراطية”، وتبشّر بالجديد وتنقضه في آن. فليس المطلوب وجود هياكلَ تنظيميّةٍ متوارثة ، تمنح نفسَها الصفةَ التي تشاء، بل توليدُ حركةٍ شعبيّةٍ جديدة، انطلاقاً من الحاجات اليوميّة، ومن ضرورة إعادة بناء الهويّة الوطنيّة والقوميّة.
ومع أنّ الهويّة الإيديولوجيّة ـ السياسيّة ضرورةٌ أكيدةٌ لكلّ حركةٍ نضاليّةٍ تبحث عن أفق، فإنّ على الهويّة الشيوعيّة المحتملة أن تنتسب، قبل أيّ شيءٍ آخر، إلى نقد أخطاء الحركة الشيوعيّة الماضية. ذلك أنّ الاعتراف بالخطإ مقدّمةٌ لفكرٍِ نقديٍّ مفتوح، يواجه الأشكالَ الواضحة المتوارثة بأشكالٍ ممكنةٍ ومحتملة، ويَنقد الأشكالَ التي وُلدتْ بأشكالٍ لم تولدْ بعد. ولهذا فإنّ الحديث عن “علميّة الماركسية” لا معنى له، لأنّ المطلوب هو آثارُها الماديّة في الفعل السياسيّ؛ مثلما أنّ الحديث عن “نظريّةٍ ثوريّةٍ جديدة” فقير المعنى، لأنّ المعنى الحقيقيّ للنظريّة يقوم في “البحث الجماعيّ” عنها. فالشيوعيّة تقول بما يتكوّن، من وجهة نظر المستقبل، وبما يمكن الوصولُ إليه، من وجهة نظر مثالٍ أخلاقيّ ـ جماليّ مرغوبٍ لم يلتقِه أحدٌ بعد.
***
قد يتمثّل المطلوبُ، اليوم، في الانتقال من الإثبات إلى النفي، أو من الحقيقة ـ البداهة إلى شيءٍ مغايرٍ يتكوّن، بحيث يصبح الخطابُ عن الاشتراكيّة خطابًا عن معاداة الرأسماليّة، وهو خطابٌ يبدأ بمشخَّص وينتهي إلى مشخّص؛ ويصير خطابُ الطبقة والطبقات خطاباً عن تكوّن المجتمع الحديث وتوليد الحداثة الاجتماعيّة؛ وتتراجع العبارةُ اللاهوتيّة عن “صراع الطبقات” لتغدو كلمةً دنيويّةً موضوعُها السياسة والفضاءُ السياسيّ وسبلُ إعادة الاعتبار إلى “فعل الكلام” الذي يصادره الخطابُ الأبويّ؛ وتعطي كلمةُ “النضال” مكانَها لموضوعٍ آخر هو: تثقيف المجتمع، أو المجتمع المثقف، أو الوعي الاجتماعيّ الذي يعرف الفرقَ بين الحياة الديمقراطيّة والعبوديّة المختارة.

فلا إثباتٌ إذنْ، ولا غاياتٌ بعيدة، ولا شعاراتٌ نهائيّة. والواضحُ الوحيد هو الحاجاتُ اليوميّة والحقوقُ الإنسانيّة. والغايةُ ـ المثالُ هي الإنسان الذي يعرف ما فقده وما يحتاج إليه، وهي سيرورة تاريخيّة تعيد بناءَ النظريّة والحزب وأشكال الصراع الطبقيّ. ولهذا فإنّ تعبير “علم الثورة” الذي أخذ به الماركسيون هو مرآةٌ لوعيٍ زائفٍ اعتقدَ، مرّة، أنه يمتلك العلمَ وناصيته. ولهذا أيضًا يكون تعبيرُ “التحرّر الإنسانيّ في وجوهه المختلفة” أكثرَ ملاءمةً وموضوعيةً من مفاهيم كـ “الطبقات” و”الثورة الاشتراكيّة،” لأنّ المقصود هو انعتاقُ الإنسان لا الاحتفاءُ بالنظرية والمسمَّيات.
***
أسهمت “الإيديولوجيّات العقائديّة،” والماركسيّةُ منها على الرغم من دورها الأخلاقيّ والتثقيفي والتعليميّ، في تعويق تحرير المجتمع العربيّ. ويعود ذلك إلى شكلٍ من “الوعي التاريخيّ” الذي أقنعها، ذاتَ مرّة، بأنّ الفكر النهضويّ العربيّ فكرٌ برجوازيّ، قادتْه “طبقاتٌ تابعة.”
والحال أنْ لا كرامة للأفكار إلا في نتائجها العمليّة، ولا كرامة لها إلا إذا ميّزت اللحظةَ التاريخيّة التي تتعامل معها. فمع أنّ الماركسيين العرب انتسبوا إلى “تقدّم التاريخ،” وإلى الماديّة التاريخيّة، فإنهم لم يميّزوا بين التنوير والنهضة، ولا بين الاستقلال الوطنيّ والحداثة الاجتماعيّة. وهم جعلوا من “التقدّم،” الذي هو عموميّة لغويّة، نظريّةً فلسفيّةً وسياسيّةً واقتصاديّة، متناسين معنى “الحقبة التاريخيّة” و”التحقيب” و”وسائط الانتقال من التنوير إلى الخطاب الاشتراكيّ.”
***
تبقى من اليسار الشيوعيّ تجربتُه. وهذه التجربة قد تظفر بأفقٍ جديدٍ إنْ وعت أسبابَ صعودها وأسبابَ انطفائها، وإنْ تحرّرتْ من وهم “النظريّة الثوريّة” ومن الأشكال التنظيميّة التقليديّة، منتقلة ـ في المجالات جميعًا ـ من الواحد إلى المتعدّد، ومن اليقينيّ إلى المحتمل، ومن المطلق إلى النسبيّ.
وتبقى من اليسار الشيوعيّ العربيّ تجربةٌ كفاحيّةٌ مخفقة، ودروسٌ أخلاقيّةٌ ـ تهذيبيّة (فرج الله الحلو، وأحمد نبيل الهلالي، وسلام عادل، وعبد الخالق محجوب،..). بيْد أن هذين العنصرين لا يشكّلان قاعدةً لتأسيس حركةٍ شيوعيّةٍ جديدة، بسبب الاختلاف الكيفيّ الهائل بين الزمن الذي أنتج التجربة السابقة، والزمنِ الراهنِ المحكوم بالجماعات الخاضعة المتجانسة والطائفيّاتِ المسيّسة وسلطةِ رجال الأعمال واستبدادِ الإعلام السمعيّ ـ البصريّ؛ وبسبب الفرق بين الموروث الأخلاقيّ القيميّ والتجدّد النظريّ ـ السياسيّ. وهذا الأخير يحتاج إلى الأخلاق والقيم، وإلى شيءٍ آخر هو: الاجتهاد الفكريّ الجماعيّ.
ومع ذلك فقد ترك اليسار العربيّ هويّةً إيديولوجيّة عامّة، عناصرُها: العدالة الاجتماعيّة، والعلمانيّة ، والتحرّر الاجتماعيّ، ومناهضة الإمبرياليّة والصهيونيّة وقوى التخلّف العربيّة. وهو جَمَعَ بين هذه العناصر في سياسةٍ واحدةٍ ، بعيدًا عن تنظيراتٍ راهنةٍ تقول بـ “العلمانيّة” ولا تربطها بغيرها وكأنّ هذه “العلمانيّة” بديلٌ من الديمقراطيّة والاشتراكيّة والتحرّر الوطنيّ! ولكنّ العناصر المذكورة لا تُسند هويّةً شيوعيّةً محتملةً إلا بإعادة تأسيس تلك العناصر اجتماعيّاً، أيْ بنقلها من حيّز الفكرة إلى واقع الفعل الاجتماعيّ. إنّ إعادة التأسيس هذه، التي تضع العناصرَ الآنفة في بنيةٍ فكريّةٍ متسقة، هي التي يمكن أن تبني “الهويّة”… أو تعلن أنها هويّة من حقبةٍ تاريخيّةٍ ولّى زمنُها.
عمّان
* كاتب فلسطينيّ.
مجلة الآداب » ٤-٥/ ٢٠١٠

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى