صفحات ثقافية

الترجمة والهوية الثقافية

nullب
ول شاوول
في الادبيات المعهودة، ثمة مقولات تحوّلت اكثر من مسلمات “فكرية”، بل “قواعد” اخلاقية”، و”ديموقراطية”، وحتى انسانية، حول مفهوم “الآخر”، والذات، وما بينهما، وما اليهما، من ضمن تحديدات بات من تحافيرها، “الآخر” مصطلحاً شعبياً، (وبالطبع نخبوياً) اتيكياً (خلقياً) يخترق جدران الايديولوجيات الشتى حتى الدينية نفسها، وضمن ما يسمى اليوم، حوار الحضارات، أو صدام الحوارات، وتقاطع المعتقدات الدينية أو الطائفية أو العرقية أو الجغرافية، يبدو هذا المصطلح كأنه معبر لكل هذه التحركات.
وقد “نردّد” هنا مع المرددين وجوب “الاعتراف” بالآخر. و”احترام الآخر”، و”تقبل الآخر”، من خلال رؤى ومقاربات تتقاطع بقدر ما تتعارض. ونظن ان تأكيد مثل هذه الالزامات وبالطريقة التي تقدم بها أحياناً كثيرة، لا يعني سوى غياب الدينامية التي توضح الملامح، والجواهر، والاعراض. ونظن ايضاً ان مثل هذه التراكمات “الحضارية” لم تبرز كمعطيات وطرق تفكير، الا في الزمن الذي جعلت فيها المجموعات المختلفة، مجرد “كتل تاريخية” منفصلة عن بعضها، أو غيتوات عرقية أو ايديولوجية أو دينية، تحت شعارات “التسامح” و”الغفران” (وهي من ارث ديني اصلا أو اقله اخلاقي)، لكي لا نقول في “ذرائع” “اصولية”، أو ميتافيزيقية، أو خصوصيات متقوقعة، أو “هويات” متضاربة، أو اكزوتيكيات عائمة، أو في متاحف اثرية. بهذا المعنى، قد تقود هذه “المفاهيم” (المتسامحة خصوصاً الفوقية أو المغلقة) بين الهويات الى ما يمكن تسميته بالاكتشافات الاثرية. اي التعامل بين تلك المجموعات وكأنه تعامل مع موجودات اثرية وافدة من عوالم منقرضة، بحيث تبدو العلاقة مع ذلك “الآخر” علاقة “هوية” مكتملة بهوية مكتملة، يتم عبرها تحقيق اوهام ملتبسة، وتواصلاً شبه منقطع، بل وعدائية مضمرة (ربما لاوعية)، حيث يبدو “الاختراق” و”التقارب” أو حتى التلاقي أو الاكتشاف انواعاً من المس بهذه “التاريخيات” أو “فجوات” في سُبل القيم الموروثة، والعادات والتقاليد، اي اعتداء على المعطيات والتكاوين. هذا ما دعي بعض ذرائع “الصراع الحضاري” أو “الديني” أو الجغرافي. وكأن مثل هذه “الصراعات” نتائج آلية أو قدرية لكسر الحدود الوهمية بين الاقوام والشعوب” بل كأنها “انحطاطات” مقدسة، تبدو كل محاولة للنهوض بها، وللخروج منها، خروجاً قسرياً من “الذات”، حيث تبدو الذات مآل الذات، ومضمراً رافضاً للذات، ولوهم الذوات الاخرى: إنها المتعلقات تساوي المنغلقات وتمجدها. اذ كي يفسر هذا التمجيد للذات، في لحظات تاريخية سياسية أو ايديولوجية أو حتى فكرية حاسمة سوى نفي الذات اولاًَ، ونفي اي ذات اخرى. (تسمى الآخر). وهذا ما استدعى، على امتداد مراحل وتواريخ، الشعور باستدراج الطموح الى كسر هذه الاحاديات “المتبادلة” في الثورات النهضوية الكبرى، حيث كان للوعي التاريخي، والانساني، ولإلزاماته في تجاوز “الكتل”، و”الاسوار” (الساكنة) رفض ما يعني “الخصوصيات” أو “التابوهات”، أو المراسم القبلية، والعائلية، والمكانية… بحيث تصبح كل نهضة خروجاً من “ذات” وهمية الى حقائق ووقائع هي في الدواخل، وفي الاعماق، وليس مجرد اعتراف بالآخر، الموجود اصلاً، والمتداخل في الذات. فالذات النرجسية وهم. والمتعددة على غير تعداد، هي المكون الفردي والجماعي. والافكار النهضوية، وامتداداتها هي اكتشاف لهذه التعددية، تعددية الكل في الفرد، والفرد في الكل. اكتشاف اللاهوية المطلقة في الهوية النسبية، والهوية النسبية في الهوية المطلقة: جمع بين النهائي واللانهائي، بين الجزئي والعمومي، ليس للوصول الى ما يسمى “الانسان الكوني” (المتشابه المنمذج) بل الانسان الذي يختزن احتمالات وجود كل انسان داخله. وهنا تبدو “الهوية” احياناً كثيرة والثقافية، مجرد ذريعة لتجاوزها، ورميها، خارج كل حدود ثابتة.
واذا كان لنا، في هذه الاسئلة (والهوية ليست سؤالاً تقليدياً ونمطياً من نوع الكيليشيات الرائجة بقدر ما هي احتمالات مجهولة)، ان نقارب موضوع “الترجمة والهوية الثقافية”، فنرى ان هذه المقاربة من المفترض ان تتم، من ضمن ما قلنا سالفاً، اي اكتشاف ما فينا عبر مبادرات معرفية، عند “الغير” (اي عندنا) وعلى هذا الاساس، تبرز الترجمة كعنصر اساسي في مطل النهضات الكبرى: لقاء تمرد “الذات” على الزاماتها المحدودة، وبين انجازات الذات (عند الغير) في خروجها، الى احتمالاتها، الابداعية، والفنية، والفكرية، والسياسية, والاجتماعية والجغرافية والتاريخية والدينية: تصبح كلها، عبر الترجمة، اجزاء في فضاء مفتوح بلا تخوم ولا حذر، ولا خوف: اي انضمام الى “المغامرة” الاوليسية التي تدفع بالانسان الى المجهول (اي ذاته) ليعود محملاً بالمجهول الى مواقعه، اي محملاً بمضمراته المعلنة عند الآخر. كأنما ليس من “حقيقة” للذات قبل نفي ذاتها بالمنتوج الآخر.
فالترجمة، لا تصنع “الهوية”، ولا ما يندرج فيها ومنها، بقدر ما تحاول المساعدة على اختراق الهوية الوهمية (المفردة)، وصولا الى الوهمية (الجماعية)، فلا تكون تقابلاً بين “ثنائيات” متضادة (اصولها دينية مؤدلجة) بل الى تحويل الوصول أي وصول، والانجازات اي انجازات الى بداية رحلة، والى نقصان. بهذا المعنى تكون الهوية هنا، وبفعل الاكتشافات، (عبر الترجمة) حاجة ناقصة، لهوية ناقصة، لا تسعى لا الى اكتمال خصوصي قاتل، ولا الى اكتفاء ذاتي يؤدي الى انطفائها.
على هذا الاساس، سأحاول في مقاربتي “الترجمة والهوية الثقافية” التوقف عند مجمل الظواهر التي عرفناها وكان للترجمة فيها اثر بالغ، سواء في النهضة العربية، ام على صعيد الاتجاهات التي سادت القرن العشرين: من الشعر (مدارسه) الى المسرح (اتجاهاته)، الى الفكر (تياراته)، الى الدين، والنقد (والمدارس النقدية): اي محاولة مقاربة التكونات الثقافية وعلاقتها العضوية بالترجمة.
وعلى هذا الاساس تبدو الترجمة وسيلة إلى استنباش الاعتمالات الدفينة، أي كسر مفاهيم الذات الأبدية المعدودة، والمحسوبة، والثابتة، والساكنة، والعصية والممانعة؟ أهو لقاء المخيلات؟ ربما؟ لقاء المقتسبات؟ ربما؟ لقاء الشبيهين؟ ربما؟ وأكثر: إضافة الشبيه البعيد إلى ما عند الشبيه الآخر, وهنا يتقدم الكلام على الاكتشاف، لا اكتشاف الذات (الاحادية، الخصوصية) بل اكتشاف ان الذات هي ذوات أصلاً، أبعد من تماثلات، وتضادات، وأقرب إلى احتمالاتها الكامنة. بمعنى آخر يمكن ان تكون مصطلحات الهوية شقاً لطرق تؤدي إلى ما يتجاوزها: اللاهويات المفتوحة عندنا هي الهويات المؤجلة، أو الصَّدود أو المجهولة أو القسرية. ويمكن أن تشبه بالطبقات المتراكمة المغطاة، والتي تبدو فيها الترجمة أداة للحفريات، بل وبحسب جان جنيت هي تناصات متراكبة تعاقبت في الجماعات والاقوام والأفراد بتوقيعات متقادمة. من هنا يمكن الكلام عن تراكمات على امتداد قرون وأكثر داخل الحضارات وفي مجاهلها، أو فلنقل كأنما يمكن الكلام على “خلايا نائمة” دهرية أو ألفية، محجوبة وخبيئة، تنتظر اللحظة المواتية للنهوض، أو للبروز، سواء بفعل تاريخي، أو ديني أو ثقافي، تلعب فيه الترجمة دور الكاشف، والمحول معاً ، من حيث هي وسيلة تحريك تلك السواكن، والتي تسمى هنا “انحطاطاً” وهناك “أفولا”، وهنالك جذوراً..
فالترجمة بهذا المعنى تضيف ولا تضيف: تضيف ما هو “موجود” (عند الآخر) إلى ما هو موجود في المضمر وفي الخاص. ولهذا تبدو “الخصوصيات” المقدسة، من طقوس ومن تقاليد، ومن عادات، القشور التي تحجب عملية الإضافة أو الاختراق. بل وتبدو هي “الثوابت”، في مستوياتها العديدة، وأنماطها المختلفة، وكأنها أداة منع لتفتيح البواطن والمعادن والينابيع وحتى الزمن، من هنا مقولة “احترام خصوصيات الشعوب” بالمعنى الحرفي أو اللفظي أو الايديولوجي، وكأنه دعوة إلى إبقاء هذه الخصوصيات في دوائرها المغلقة، تستنقع في أصولها المبتورة، واحتمالاتها اللانهائية. ومن هنا، يبدو أيضاً الخوف من “الآخر” الذي يعتبر “غريباً” أو “هجيناً” أو خطراً هو خوف الذات خوف من المرآة المدببة، كون ان ما يقترحه الآخر (أو يفرضه أحياناً) ليس أكثر من مكامن هذه الذات وموجوداتها. أي الخوف من الخروج إلى العلن. أي الخوف من الاكتشاف، من ضمن مقولات “المحافظة على الارث” (أي ارث؟) و”الهوية” (أي هوية؟). وهذا يعود إلى ظروف تحيط بهذه الظواهر، تجعلها ترتد الى مواقعها تدافع عنها، وكأنها تدافع عن “مصيرها”، وتواجه ما “يهددها” وكأنها تواجه عدواناً عليها، وعلى أسرارها، متمسكة بأجزاء مما يسمى “هويتها”، ومهملة الأساس، الممكنات والزمن والتحولات التي تختزنها, أي تقمع “ذاتها” وتحسب انها تقمع “الآخر”. هنا تأخذ الترجمة دوراً أكثر من معياري، وأكثر من تمثيلي لمكوناتها وانجازاتها: تلعب دوراً دينامياً من إشاراته الأولى “إخراج” ما تهيأ للخروج، ودفع العوامل والظروف التاريخية والاجتماعية والثقافية إلى اعتبار ذاتها مجرد معطيات يمكن تفكيكها ومن ثم بلورتها ومن ثم استعدادها للانخراط في ما يسمى صنع “التاريخ” أو صنع رحلة المجازفة في مشاركة الحضارة (أو حتى الماضي أو المستقبل) في مسيرتها.
إنها لزوم ما يلزم، ويظنها بعضهم “لزوم ما لا يلزم” باعتبار ان نظرية “القناعة كنز لا يفنى” أو نظرية الاكتفاء، أو “التميز” العرقي أو التفوق القبلي أو الوطني، أو الديني، هي العوامل الأساسية التي لا بد من اتباعها للاستمرار، وهذا يحمل في طياته نوعاً من “النرجسية” العاقر، أو “التفوق الطائش”، أو “الامتيازات” الوهمية، وصولاً إلى بعض المنابت الميتافيزيقية، واللغوية، التي تتعامل مع ذاتها، وكأنها “المختارة” و”المصطفاة”. وهذا ما يؤدي إلى انماط من محاكاة الذات، أو تكرارها على مساحة لا متناهية ومخيفة، ومحاكاة الذات، بعناصرها “الأبدية”، والتي ترى في عملها نوعاً من إبداع الذات، عبر تردادها، أو التوقف عند لحظة تاريخية منها وتأبيدها وتنميطها، تعزيزاً “لهويتها” ليس أكثر من رفض اكتشاف الذات نفسها، ومجافاة أي نوع من الابداع، والابتكار والمراجعة والتدارك، “فلنبق كما نحن وحيث نحن”، كأنها مقولة التمسك بالأشلاء، وترك الروح، وهذا يستدعي القول في هيمنة أفكار “القبول” (والأقدار)، التي تميز مراحل الأفول الشَّغور وصولاً إلى الاستسلام لذات مشوهة وصدوداً عما يتحرك.
وهنا، تبدو الترجمة، كجزء من “الإحياء”، و”الحراك” من مفاصل هزّ تلك المعطيات الساكنة. إنها هنا وسيلة هزّ البواطن، والسفليات، باعتبارها أولاً، وسيلة معرفية تتفاوت وتتنوع في مستوياتها وميادينها. أي تبدو معرفة الخاص هنا أساساً لمحاولة الخروج، وربما أساساً لكسر الدوائر الفائضة بذاتها، وتالياً أساساً لخروج من السكون إلى الحركة، ومن “الغفلة” إلى اليقظة، ومن الغياب (في سكينة المعطى القابل) إلى الحضور، حضور أسباب النهوض من القيلولة التاريخية. وهذا يتم، في بعض جوانبه الأساسية، في ما يسمى التنوير، أو النهضة، (أو التدارك كمستوى أولي). ولا يمكن أن تتوفر شروط هذا النهوض بغير اعتبار ان كل ما تتحرك إليه الذات هو اكتشاف لما يكمن فيها. وكأن المدارج الاولى لهذا الاكتشاف (وعي جوانب الذات المغمضة) هي الترجمة بالذات، كمعبر الذات إلى الذات (وإن ضمن أولويات تتحكم بها ظروف مرحلية أحياناً مرتبطة بوضع الاقوام والافراد). على الأساس، تصبح الحركة هي الفعل الثقافي، وتالياً يصبح الفعل الثقافي هذا (المزمع على الخروج) اداة ازاحة ما يعيق مستويات الهوية وطبقاتها وظلماتها ومهاويها وهاوياتها الوعرة. ومن هنا تصبح “الهوية” مقصداً إلى اللاهوية: أي إلى الاختيار الدينامي أي إلى الحرية (النسبية أو المطلقة).
وإذا عدنا إلى النهضة الأوروبية مثلاً، نجد انها فعل الخروج من سواكن القرون الوسطى “الميتة” الدينية والاقطاعية، إلى أماكن أخرى، وهذه السواكن بالذات لم تكن أكثر من “ادلجة” للدين، أو للأنظمة المهيمنة، عبر رفع “هوية” محاصرة بالممنوعات والنواهي، ومرسومة بهامات التقديس، كأقنعة (مزيفة) تخفي أشكال التخلف، والتجمد، والتجلد، والقمع والقتل والتعصب، والتآكل في خدمة السلطة أو النظام، أو الطبقات المهيمنة (خصوصاً الدينية). وكان لا بد للترجمة ان تكون المفتتح، وهكذا كان لحركة التنوير “إبداع” هويات لها، عبر تفتيح منجزات الآخر (وهنا الآخر جزء من الذات القلقة). وليس غريباً أن تكون الحضارة العربية بمناحيها العقلانية، وخصوصاً ارث الترجمة فيها، رافعة لتلك النهضة. كأن يقال ان الغرب تعرف إلى الفلسفة اليونانية عبر ترجمة العرب لبعض فلاسفتها الكبار، قد يكون هذا القول مبشراً باعتبار انه يحصر اثر الحضارة العربية بالترجمة فحسب، غافلاً الفعل الفلسفي الابداعي، أي فعل الهوية العربية المكتشفة، والمتحركة بتعدديتها الخصبة.
وإذا عدنا إلى النهضة العربية الأولى (بعد الإسلام)، فسنجدها في العصور العباسية. وهي المراحل الحاسمة التي انتقلت فيها الهوية من اطرها الثابتة (القبلية، العشائرية المتصارعة ضمن هوية واحدة وسلوك واحد، وتقاليد واحدة) إلى فضائها الرحب: أي المراحل التي اضاءت الذات على الذات عبر الذات الاخرى: الترجمات، وعلى مختلف الصعد: الفلسفية، السياسية، الأدبية، الشعبية، الإدارية، الطبية.. الفلكية، العلمية، الحسابية. بهذا المعنى لا يمكن اعتبار الهوية في هذه المعمعة سوى بطاقة خروج لا محدود، وكذلك إشارة دخول إلى أعماقها، ولا يعني ذلك ان الترجمة تلغي “الهوية” أو تهددها، بما تنجزه من معارف، بقدر ما تعني انها تكتشف ما في الذات وما في نفسها كأن نقول ان الترجمة تحل محل التراث، (او الهوية)، فهذا القول تبسيطي (وايديولوجي أحياناً)، أو أن نقول ان الهوية تفترس الترجمة فهذا أيضاً قول عسفي. الواقع ان الإنسان العربي في العصور العباسية، وقد وعى جيداً التغيرات التي أصابت ميادينه، كأنما حاول بفعل إرادي أو غير إرادي لتفحص ما في أحواله، وما في امكاناتها، وما في احتمالاتها، وما في قدراتها، استعداداً لاستبطانها من ناحية، واستخراجها من ناحية أخرى، بغية وضعها على سبل تجاوز ما أعاقها قروناً: فحركة الترجمة آنئذ هي حركة استجابة الذات إلى الذات. فبها استكهن العربي حدوده الفكرية وسواها، وهوياته المقموعة. بل كأنه يستدعي “معارف” الآخر ليقول انها معارفي المستبطنة. وهوياته باعتبارها هوياته المحكومة بالانطماس.
وما نقوله ليس جديداً. ويمكن مثلاً، وبكل بساطة، مقارنة “الهوية” الثقافية في العصر الجاهلي “بالهوية الثقافية” في العصور العباسية. في الأولى، حتى التعددية الدينية اليهودية والمسيحية والصابئية والوثنية.. وجراء اختزالها في البيئة القبلية والعشيرية، فقدت من تمايزاتها العميقة، أمام واحدية القبلية ضمن منظومة تاريخية من التقاليد والعادات والأنماط الشعرية والاجتماعية والطقوس. ذلك ان هذه المرحلة الجاهلية (الثانية)، قد تكون اتسمت بغير ما سادها على النحو المعروف، وبحسب ما أريد إيصاله إلينا، نظراً لوجود ممالك وبنى حضارية مشهودة، إلا ان شدة اعتداد الجاهلي بذاته القبلية كإطار نهائي لعلاقاته، ولطبيعة حياته المترحلة طلباً للكلأ والماء، والاستمرار في البقاء، جعلته يدور في هذه الحلقة الذاتية المفرغة، والمغلقة، أي جعلته يتوهم انه “محور الكون”، وإن الكون يبدأ وينتهي عند عتبات القبيلة، وهذا ما جعله متشبثاً بواقعه حتى الموت. فالقيم هنا مختزلة بالثأر و”انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً”، وبالغزو، وبالقوة، وبالحروب، ووأد البنات، والعِرض، والقِرى…
والمفارقة انه برغم وجود ديانات روحية كالمسيحية واليهودية والصابئة وكثير من معتنقيها، فإنّ المنحى المادي، المباشر، هيمن على العقول والنفوس. إذاً “هوية” مكتملة بانغلاق (وكل انغلاق اكتمال الحدث بالموت) بالرغم من بروز قصائد ونصوص مفعمة بالتأمل الوجودي العميق كما عند زهير وطرفة ولبيد.. من هذه البيئة المحكومة بمعطياتها، جاء الإسلام “ثورة اجتماعية على كل القيم الجاهلية.. من دون المساس بالقيم الدينية في اليهودية والنصرانية (أهل الكتاب). وكانت لحظة تاريخية حبلى بالتغيرات، لأنها كانت تؤسس للخروج من البيئة المحدودة إلى أبعد منها. وقد تحقق هذا الخروج عندما تحول الدين الإسلامي نقيضاً أساسياً للمنظومات القبلية، إلى ما أبعد من ذلك، عبر الفتوحات الواسعة، واستقرار الامبراطورية، واستحداث “المدن”، والانخراط في إنجازات تلك المرحلة حضارياً انسحاباً إلى الحضارات القائمة والقديمة، بمعنى آخر، كسر الإسلام (كنظام حكم ونظام قيم) محدودية الهوية الجاهلية، ومكبوتاتها، ومخزوناتها: فإذا كانت البيئة الجاهلية قد تقبلت المسيحية واليهودية والصابئة والوثنية.. ضمن تعددية (مختزلة بالقبلية)، فإنّ هذه البيئة تقبلت الإسلام: وهذا يعني ان “انغلاقها”، وبرغم كل شيء، كان “قسرياً”، وكان معمماً بهشاشة (برغم ممانعته الملموسة). ويعني ذلك انها عندما زاوجت بين المعتقد الديني والوثني والقبلي، فلماذا لا تزاوج كل ذلك بآفاق “حداثية” عند ذلك “الآخر” الذي تجهله عبر انتقالها إلى زمن آخر، وامكنة أخرى شاسعة. هذه المسيرة لم تأتِ بنت ساعتها، إنما تهيّأت لها، عبر تكوين مقومات العصر الراشدي والدولة العربية الإسلامية في العصر الأموي وفي الأندلس، وصولاً إلى المجتمعات المركبة في العصور العباسية، هذه المجتمعات المركبة (المهجنة)، راحت تكتسب، مع الاحتكاك بالحضارات المكتشفة، وبالترجمة، وبالتناقضات، اتجاهات أخرى. بدأت تتلمس منابت جديدة، ضمن الشعور بالحاجة الملحة لتعميق هذا التلمس، وهنا يمكن التوقف وطويلاً عند الترجمة كفعل إرادي (وإبداعي) لنبش ما اندفن قروناً في الذات، ولكشف المستور داخل الجماعي والفردي، وعندما نقول الترجمة يعني ان الهوية المطمورة وامكاناتها الخفية، تتمظهر ضمن شروط متفاوتة، عبر تجليات المخزونات لدى ما يمكن تسميته هنا الآخر: وهو كشف الذات. بل كأن الترجمة ليست مجرد عامل تقني أو مهني بقدر ما هي تلبية لهاجس وجودي ontologique، وقلق إنساني، وتدارك لما فات الذات من الذات. وبهذا الشعور يمكن الكلام على حركة متشعبة، ووعي مركب، وادراك حاد، بأن ما يسعى إليه العربي عبر الترجمة هو بداية التوصل إلى مفهوم له مفاده ان الحضارة الإنسانية واحدة، والثقافات متعددة: واحدية الحضارة وتعددية الثقافة، وهذا ما دفع المترجمون من الانواع كافة، إلى اعتبار ان هذه الحضارة الشاملة الموجودة مثلاً عند الاغريق أو الهنود أو الفرس أو سواهم إنما هي “حضارتهم” المؤجلة، وان الانتماء إلى هذه الحضارة العمومية لا يعني لا تذويب الهوية (الموروثة) ولا إلغاءها، بقدر ما هي إمعان في الاقتناع بأنّ الحضارة لا يصنعها زمن واحد، أو شعب واحد، أو عنصر واحد، وإنما هي صنيعة شعوب وأمم على امتداد قرون، انكسر الخوف، وتحطمت القيود، وتداعى وهم الذات محوراً للعالم. إلى ان هذا العالم هو محور كل ذات، وشبيهه، وقرينه، وربيبه. إنه فعل الخروج، بكل ما يعني ذلك من “ترك”، ومن “مغادرة”، ومن نسيان (إيجابي)، ومن تذكر غير مهجّس بحنين الموانع، والاقتلاع من لحظة الحاضر والمستقبل.. بل أكثر: تبدو الترجمة، كسبيل لهذا الخروج، وكأنها أداة معرفية لمعرفة الذات السالفة، بوسائل من خارجها. ونظن ان الإسلام، كنص، وتعاليم، وشرائع، ومتون، إنما اغتنى، أكثر،وكذلك المسيحية، عندما استبعدت قراءاته في طور ما تمت ترجمته من مفاهيم فلسفية، فأثر الترجمة لم “يخترع” الإسلام، ولا المسيحية، ولا حلت الأفكار الفقهية والتفسيرية واللاهوتية محلهما، وإنما جاءت كدوافع جديدة، واستبصارات جديدة، ومسابر جديدة، لاكتناه جوانب من جوانبهما مجهولة. (وهذا ما لم يكن متوافراً مثلاً في الجاهلية). بل ان الترجمة ساهمت في تعديل الأنماط الشعرية مثلاً، والروايات، والقصص إلى ما فجّر امكانات غير مألوفة. فلولا ترجمة الفلسفة اليونانية مثلاً، لما نضجت تجربة المتنبي التأملية، أو تجربة أبي العلاء الفلسفية، وقبلهما تجارب ابي تمام (الغريبة). فلو كان المتنبي يعيش في الجاهلية لما نظم ما نظمه، ولما أدرك تلك “القمم” العالية من شعره. ولو لم تترجم الفلسفة اليونانية مثلاً، لما ازدهرت المدارس والاتجاهات الفقهية والفكرية، والمتفلسفة. فالهوية الاجتماعية هنا، وبفعل الاحتكاكات (والاحتكاك الإنساني بالآخر نوع من الترجمة)، تحولت تحولاً لافتاً سواء في العصور العباسية أو الأندلس.. وهنا نعود إلى الترجمة وأثرها في النثر أو الابداع النثري، والذي خطا خطى غير مسبوقة، في استيعابه نصوصاً “أجنبية” وترجمتها كـ”كليلة ودمنة”، أو في تماسه مع خرافات وحكايات هندية أو فارسية لتكون من مكونات “الف ليلة وليلة”.. التي نعتبرها “ديوان العرب” الجديد، الذي عكس التحولات الجذرية التي أصابت المجتمعات العربية.
ويمكن القول ان تطور الشعر العربي الجذري قد لا نجده في الارث الشعري العمودي (المتنبي، ابو نواس، ابو تمام، بشار، أبو فراس)، بقدر ما نجده في النثر المهجن، الخصب، في “ألف ليلة وليلة” أو في رسائل العشاق أم في “طوق الحمامة”، فالاجتراحات اللغوية، واختراق مناخ لغة البلاط والخاصة والحرص على إدامته، نجدها هنا بالذات، وإذا أردنا أن نعرف حقاً التغيرات التي أدركت السلطة والعصور والمخيلات والشارع والهوامش فلن نجدها تماماً في القصيدة العمودية.. بل في حكايات ألف ليلة وليلة: فهنا المفتتح الكبير للشعر (خارج قوانين النظم والبحور). بل انها المغامرة اللغوية الكبرى والشعرية تحديداً التي خاضتها الثقافة العربية. فأي هوية محددة يمكن أن نشير إليها في قراءتنا هذا المؤلف العظيم، أو في تقلبنا “كليلة ودمنة”، وأي هوية يمكن التمسك بها عندما كان يدفع لكل كتاب مترجم زنته ذهباً! “فالآخر” من ذهب! أي نحن من ذهب. وما عند الآخر من ذهب يعني ما عندنا من ذهب. إنه ذهب الترجمة الذي ساهم في الاقتراب من الانضمام إلى أفق الحضارة العالمية (آنئذ)، مع تعددية الثقافة، الهوية التي تبحث عن ذاتها ليس في ذاتها، وإنما في ذاتها الكبرى، في الاحتمالات التي تولدها عبر تحركها نحو الانجازات الاخرى. فالمسألة اكثر من نهوض من نبوة، وأكثر من مهارات مكتسبة في استخدام الأدوات الجديدة، وأكثر من انغماس في مسالك العيش والحياة المكتشفة، إنها، انبثاق لكل ما تراكم قروناً، ليضيء الخصوصية إلى أبعد منها. بمعنى آخر لم تعد فكرة النقاء (الهوية الخالصة: القبلية أو حتى الدينية أو الاجتماعية) هي الصورة التي تخفي مجاهل النفس، والانتماء، والبقاء. بل لم تعد الحضارة العربية محاصرة بهذه الفكرة: أي لم يعد هناك حضارة عربية إسلامية صافية أو نقية. وهذا يحيل على جوهر المساءلة: فكما ان التماذج والترجمات والنقل والتوسع، “هجنت” كل ما في العربي، فيعني انه قبِلَ فكرة التهجين عند الآخر، وقبل فكرة أن أي تطور للذات لا يمكن أن يتم عبر الذات (ولا من دونها). وان أي حضارة تنهض في حركتها لا يمكن أن تخص لا شعباً محدداً، ولا زمناً محدداً، لا أمكنة محددة: إنها فعل الشعوب على مرّ الأجيال.
إذاً أين صارت الهوية الثقافية بعد الجاهلية؟ في خضم حضارة واحدة متراكمة، وفي ظل “هويات” مفتوحة ومتحولة. إذ ان الترجمة الفكرية والفلسفية والطبية واللغوية.. جعلت الفكر والفلسفة والادراكات العربية مختلطة المنابع، وتالياً مختلطة التجاوز، وكذلك مختلطة المقاربة، وهذا ما كوّن (مع عوامل أخرى) فضاءات الابداع غير المحدودة، لا بأنماط جاهزة (كما في الجاهلية) ولا بتصنيفات محددة، ولا بأنواع محددة: امتزج مثلاً الفكر النقدي العقلاني، بالفكر الديني، بالفكر الصوفي، بالفكر البحثي، بالفكر المادي والروحي، والحسابي، والفلكي والمنطقي والرياضي، وبما ان هذه “الظواهر” مدينة في بعض مواردها الأساسية للترجمة، فيعني ان الترجمة لم تمهد الطريق فحسب لمثل هذه “الإنجازات” بل شاركت في صوغها أيضاً: ونظن ان من أهم ما تبلور من خلال ذلك حس نقدي عقلاني (يقابله حس حدسي اوديني) أدرك أشواطاً بعيدة في تفكيك الواقع، والنص، والمتون، الدينية، والأدبية، والفلسفية، وأفرز مدارس في اللغة، وفي النقد، تتصارع، وتتنافس، وتتقارع.
ومن جديد تتساءل أين صارت الهوية “النقية”؟ في اللامكان. أو في طاحونة كبرى، لا توفر شيئاً في عملية التحويل: أي لا تتوقف، لا عند رأي نهائي ولا نص نهائي، ولا وجهة احادية: انها التعددية المقتبسة عن التعددية في الترجمة والاقتباس. تكوّنت بنى “تحتية ثقافية ربما للمرة الاولى، لتسحب على مجمل المتون الابداعية والعلمية واللغوية والفقهية والفلسفية.. وهي البنى التي ارتفعت عليها النهضة العربية الأولى في العصور العباسية، والتي مهد لها الخروج العربي من قمقم، وإرساء الدولة الأموية.
ولو عدنا إلى فكرتنا الاساسية, لا بد من ان نكرر هنا، انه لولا شعور العربي في تلك المراحل، بأنه جزء من هذا العالم المجهول، وان ما في مكنوناته، ودواخله، جزء من هذا العالم المجهول ، وان هويته “النقية” ليست أكثر من وهم، وان الحضارة أي حضارة هي امتداد له، وان الثقافات تحت ظل وحدانية الحضارة، تتعدد على تضاربها، وتخصب على بذورها ولقاحاتها، وتبدع على تمازجها، لما اندفع بهذه القوة التي لا تحد الى الترجمة، ولا نحو العلوم، ولا نحو العمارة، ولا نحو الانخراط في الأنماط الحياتية والمعيشية الجديدة. فهي معيشة. وهي من أنماطه وهي من متخيلاته. وهي من مكبوتاته، ها هي تتقدم إليه، بقدر ما يتقدم، كأنها نحو محور هو جوهر الإنسانية بامتياز.
فالترجمة، أولى الخطوات في اتجاه تفكيك المعطى التاريخي، والكتل التاريخية (ليس بالمعنى الذي أشار إليه غرامشي وتالياً الجابري) وإنما بمعنى سد الفجوات والكوى التي يمكن ان تتسرب إليها المناخات الجديدة، وكما سبق أن قلنا، فإنّ الترجمة، في مرحلة من المراحل العربية السابقة، كانت وسيلة افتتاح “اللحظة العربية العالمية”، ولا تعني “لحظة عولمة” سابقة، لأن العربي الغالب، أخذ من المغلوب ما يعينه على موازاته، وعلى توازنه، في لعب دور حضاري وثقافي وعلمي.
وهذا ما حصل تحديداً في النهضة الأوروبية منذ القرن السادس عشر في انكلترا، وفرنسا، واسبانيا، والبرتغال، وإن تشابهت الظروف بين انفتاح “الغالب” الأوروبي (الاستعماري) وبين انفتاح “الاستعمار العربي” في فتوحاته أي ان لحظة خروج أوروبا من ظلامية القرون الوسطى، لم توفرها لها القوة والبطش والفرض والطغيان والاستعباد فحسب، بل في تبني بداية طبيعية هي ترجمة امهات الفكر الاغريقي والعربي، هذا التواصل “الحضاري” أدى إلى بلورة هويات أوروبية ليس لها تخوم البدايات والنهايات، والدائرية المغلقة، بقدر ما بدت اتجاهات في التحولات االفكرية والتقنية والادبية الشاملة، بداية الثورة الأوروبية هو مفتتح عقلها على بعضها أولاً، وعلى الحضارات الأخرى، ولعل هذا ما طبع التنوير الأوروبي بالتناقض والاختلاف ازاء ثنائية السلطة الدينية والاقطاع ، وهذا الاختلاف في البنود يرجع إلى اختلاف المعرفة والترجمة والنقل والاقتباس والتأثر.
ولو حاولنا مقارنة “النهضتين” التنويريتين الاوروبية عبر قرابة ثلاثة قرون: من القرن السادس عشر وحتى القرن التاسع عشر (بداية حداثيات أخرى)، وبين التنويرية العربية تحديداً في العصور العباسية الأربعة التي سبقت الانحطاط، نجد قواسم مشتركة كثيرة:
1 الترجمة كأساس في عملية الخروج إلى أزمنة أخرى.
2 العقلانية اساس المقاربة وعبرها تعددية الفكر والفلسفة.
3 السقف الأعلى هو العقل.
4 المناداة بفصل السماء عن الأرض: العقل عن الدين.
5 حرية التعبير.
6 وكذلك من باب الاختلاف: الحدس هو أداة المعرفة (الصوفيون، والرومانطيقيون)
7 محاولة التجرد من النزعات “العنصرية” (خصوصاً الدينية).
8 تنافس المخيلة مع العقل والحدس.
9 دخول العنصر الاجتماعي طرفاً في المعادلة النهضوية.
ولو أخذنا هذه العوامل والانجازات والمشابهات والظواهر وسقناها إلى النهضوية العربية في القرن التاسع عشر وما قبل وحتى منتصف القرن العشرين لوجدنا ان معظم هذه النقاط مشتركة ومعها: فالنهضة الأوروبية كانت خروجاً من ظلامية القرون الوسطى، والنهضة العربية الأولى (العباسية) كانت أيضاً خروجاً من الجاهلية، والنهضة العربية الثانية كانت خروجاً من الانحاطاط (خمسة قرون).
إذاً الخروج من الذوات المطموسة (بالاكتفاء الذاتي) إلى الذوات المتفتحة، وكسر الهويات المغدورة بهويات متمازجة غير محكومة باحادية وإنما بتعددية خصبة: انها الهوية الثقافية التي تعني تفكيك “الهوية” الجامدة إلى مجرد مواد أولية أو ذرات قابلة للتشكيل من ضمن تماسات تاريخية وسياسية وفكرية. بل هي الهوية الخاضعة كأي معطى للمراجعة، والتجاوز، والنقد، وحتى الإلغاء.
وما كان ذلك ليتم لولا الأبعاد المترامية المشرعة من “خيانة” الذات إلى احتضان الذات “العالمية”، ولولا اعتبار الهوية الثقافية جزءاً من فضاءات واسعة قيد الاكتشاف الدائم، الذي أصبح احياناً “طريقة حياة”، بقدر ما هو طريقة إحساس، وتفكير، من دون الوقوع في طقوسيات منحطة، أو في “مقدسات” متماهية بالغيوب.
إن الترجمة لعبت الدور الأساسي في تكوين وبلورة ملامح النهضات الثلاث القديمة، والحديثة، وكلنا يعرف ان حركة التنوير العربية الحديثة اعتمدت الترجمة كجزء أساسي من خطتها، وممارساتها، بل يمكن القول، (وعبر الترجمة بالذات) ان النهضة العربية (في بعض جوانبها) كأنها ظل من ظلال النهضة الأوروبية حتى في الأنظمة السياسية (هوية ثقافية فكرية: الليبرالية، والجمهورية، والدساتير، والقوانين، والبرلمان..) حتى ان عدداً لا بأس به من قوانيننا المدنية هي ترجمة حرفية عن قوانين غربية. ونظن ان اعتماد البنى العربية مثل هذه الأوجه، لا يمكن فصلها عما حقق العرب في مرحلة النهضة الأولى من نظام حكم، وشورى، وخلافة، ومدن. وهذا ما قصدناه في المقدمة عندما قلنا ان معانقة العربي لانجازات “الغير” ما كانت لتتم لولا شعوره بأن هذا الغير هو أيضاً من تماهياته وأحياناً من انجازاته، وجسر موصول بالماضي والحاضر والمستقبل: انه تراكم “الهويات” التاريخي، وإن تقطع، أو تردد لظروف مختلفة.
فالترجمة بتنوع نصوصها، وتلاوينها، لم تقتصر على فتح الذات على حاضرها ومستقبلها، بل انها صاغت، (وعبر الابداع عليها بالطبع) علاقة نقدية أو تماثلية بالماضي، بحيث استخدم بعض مفاهيمها، واتجاهاتها، لقراءات نقدية متجددة للموروث، كالماركسية، أو مدارس التحليل النفسي، أو البنيوية، أو الرمزية، أو حتى السوريالية، أو الفلسفية العقلانية: فمقاربات الماضي متصلة بقراءات الحاضر الملقح بما ترجم، أو نقل. فالهوية الثقافية لم تعد منتوج الحاضر فحسب، ولا مطل المستقبل، وإنما البحث عن مضامين الراهن، (بظواهره الشتى) في النصوص السالفة: وهذا لا يعني “جمع” شتات هوية، أو ضمها بطريقة عسفية، بقدر ما يعني ان التاريخ كله (وهذا ما علمتنا إياه مؤثرات الترجمة) قابل للمراجعة، والابداع، والخضوع لحساسيات الحاضر أو لأفق المستقبل، وما كان ذلك ليتم، عبر تجليات النهضة العربية الثانية، لو اقتصر التعامل مع الترجمة باعتبارها مرجعية مكتملة، أو نهائية، وهنا تذوب الأفكار المفترضة في سكينة الخضوع، والتقليد، والانتساب، أو تبتلع المعطيات في حاجات أخرى: وهنا يمكن أن يحدث اهتزاز في التعامل مع المادة المترجمة، حين تصبح نموذجاً “مقدساً”، أو مثالاً جاهزاً، وهذا ما حصل أحياناً كثيرة في الفلسفة العربية الحديثة أو التيارات الفكرية، والمدارس الأدبية (رومانطيقية، رمزية، دادائية، سوريالية)، أو الايديولوجية (كالليبرالية، واليسارية، والاشتراكية، والشيوعية، والمادية، واليمين ومشتقاته، واليسار ومشتقاته، وصولاً حتى إلى الأفكار القومية المختلفة، تحت ضغط التأثيرات اللازبة غير الخاضعة لآليات نقدية، تواجهها مواجهة الند للند، لا مواجهة الضعيف للقوي، بحيث يقع الابداع (كعنصر من عناصر الذات الفردي والجماعي) في نوع من عدم التوازن، والتشقق، والتراجع..
ونظن ان الترجمة كفعل إرادي (أو غير إرادي) قدمت على امتداد القرنين السابقين، ما ساهم في اختراق “الذات” لانتاج نفسها (الانحطاط)، لكن هذه الذات لم تتلق دائماً النصوص الوافدة باعتبارها حافزاً لتفتيحها، وتفجير مكامنها (كوسيلة)، والتهامها على دفائنها الألفية، بقدر ما قاربتها من باب: إما الذات غير مهيأة لمثل هذه المعطيات الجديدة، أو انها رافعة شكلية لانتاجها، وإما اشتغلت عليها كمادة هشة (بالمعنى الإيجابي) يمكن عبرها تشكيل أو تفتيق آفاق انتماءات خلاقة، أو نصوص تجمع بين ذاكرة المثال المترجم وبين نسيانه، إفساحاً لدينامية هذه الذات أو الهوية المجترحة.
وهنا يمكن ان نختار نوعاً مهماً هو النقد العربي الحديث (أو هوية النقد العربي الحديث إذا جاز التعبير). فما حصل أعطى نماذج متناقضة: منها ما هو استيعابي وتالياً خلاق، في تعاطيه مع المادة النقدية الوافدة، كما وجدنا عند ميخائيل نعيمة وطه حسين ورئيف خوري، وسواهم من الذين ساعدتهم الترجمة على بلورة ما هو خاص ومفتوح في المقاربة والطريقة والمنهج، بحيث تحولت نصوصهم أدوات (مهجنة) نافذة في تعاملها مع النصوص: فالديكارتية التي رسمت كتابات بعضهم (العقلانية) صارت عبر تحولها، صوغ الخاص على العام، أو صوغ النص على ما هو أبعد منه، من ضمن حساسيات مكتسبة، لكن غير جامدة بينما إذا أخذنا مثلاً مدرسة الواقعية الاشتراكية (كما ترجمت) وهي صنيعة ستالين وغوركي وتطبيق جدانوف، فإنها انتقلت كايديولوجيا سياسية مغلقة، وتعامل معها بعض النقاد على هذا الأساس ففقدت من هشاشتها لتتقدم كنظام جديد ثابت، “صالح” لكل النصوص، بصرف النظر عن منابتها وطبيعتها، بمعنى آخر انتصر “النص” المترجم على الناقد، وأطبق عليه، بدلاً من أن يحاول “تطبيقه” بشفافية وابداع، ليتحول بعدها إلى شعار ايديولوجي أكثر مما هو أداة نقدية “تغييرية”. ويمكن الكلام، وضمن هذا الاطار، على البنيوية، كما تصرف بها، بعض الباحثين والنقاد: أخذوا العناصر المترجمة، من مناهج وطرق ومصطلحات، وحاولوا تطبيقها إما بطريقة حرفية، أو شكلية، أو كنموذج مصوّر وجاهز، يتجاوز فروق القراءات والنصوص, (ولا ننتقد هنا البنيوية)، مما غيّب “النقد” عن الممارسة النقدية البنيوية احياناً كثيرة، من خلال تلقف ببغائي، حال دون تفكيك عناصر هذه المدرسة إلى مفردات خاصة (وذاتية) تتلاءم وزعم اكتشاف النص المقروء (سواء ما تعلق بالمقروء أم بالبصري، أم بالسمعي.. أو المسرحية أو السينمائي): فالقراءة البنيوية كما وصلتنا عبر الترجمات تحولت قراءة برانية مفككة، لا تعي احياناً لا ما تريده ولا ما لا ترتئيه. على عكس بعض الباحثين والنقاد الذين تمكنوا من صوغ لقاء ابداعي بين بنيوية وافدة عبر الترجمة، وبين حساسية مميزة، أو بين ربط البنيوية الغربية، بما يلتقيها في التراث النقدي، لتشكل معه صيغة “ابداعية” يمكن أن تزاوج بين منهجية مرتبطة بالنص، وأخرى متصلة بها كمنهج وأداة: انها بلورة وعي غير مغلق، ونقدي، وتحليلي، سواء توسعت البنيوية إلى مجالات شتى كالتحليل النفسي، والانتروبولوجيا، والسوسيولوجيا، والسياسة.. أم اقتصرت أداة “ترجمة” مغلوبة أو غالبة.
ونظن ان المشكلة المرتدة عن التعامل مع الترجمة تكمن في أن المترجم لا يخضع لما يسمى الاستشفاف، مما يولد افتراقاً بين “هوية” تتلقف، وهوية جديدة “تُتَلَقّف”. وهذا الافتراق بالذات هو الذي يجعل من المعطيين مادتين متجافيتين، على غير تواصل، وإنما ارتطام، أو احادية مستعصية. أو الأحرى جوابين منجزين: وهذا ما ينفي اعتبار أي نص (نقدي) هو أيضاً سؤال يندرج في البحث عن أسئلة خاصة في النص، وفي الهوية، وفي الذات نفسها.
فالترجمة ترد بالسؤال. وهي سؤال متسع، جاء أحياناً كثيرة، وفي مراحل النهضة الأولى، في صيغة جواب. ربما انسجاماً مع مضامينه وآليته: فالمدرسة السوريالية مثلاً ومن خلال بيانات اندره بروتون هي جواب. (تماماً كالكلاسيكية، والرومانطيقية والرمزية)؟ وتلقفها العرب الذين وجدوا فيها ما ينسجم مع ميولهم، كجواب ناجع ومنته: وهذا ما يسمى التقليد، أو الاتباع. وإذا أخذنا النصوص السوريالية لكبار المدرسة كبروتون والويار وفيليب سوبو واراغون، فقد استقبلت عندنا كنماذج معدة للاتباع وفي أفضل الأحوال الاقتباس. وقد حظيت النصوص السوريالية باهتمام كبير من المترجمين في الستينات والسبعينات. على ان هذه الترجمات، لم يؤسس عليها، كخطوط تماس، (أو تناص) قابلة لاعادة التشكيل انطلاقاً من الحساسيات الفردية على الأقل. ولهذا كان التعبير الواضح عن التعاطي معها خالياً من “الاشكالية” الخاصة، ومسترشداً في عملية تماه على حساب الابداع. أي ان الترجمات السوريالية وارتداداتها وتأثيراتها تقدمت ككتل لم يعمل معظم الشعراء والباحثين الذين “تبنوها” (أو تبنتهم) على تفكيكها، عبر إظهار ذاتية حية قادرة على الاستشفاف.
ولهذا، لم تعمر هذه السوريالية (في نصوص شعرائنا) ولم تستكنه. فالترجمة ليست نقطة وصول، بل ابتداع، وتفتح، ضمن فضاءات حيوية متسعة من خطب الذات القابلة والمقبلة والمقبولة.
ولهذا بدت “الهوية” السوريالية (باعتبار انها ذو حيز بارز) وكأنها مجرد إلتصاق بهوية عربية كان يمكن أن تخضعها لتحولات وعرة متصلة بعملية الابداع، وليس مجرد تواطؤ ضمني أو علني أو استعارة، مجرد استعارة يقول أصحابها إذا ما ترجمت أعمالنا إلى لغات أجنبية “هذه بضاعتنا رُدّت إلينا”، هذا من دون إغفال ان شعراء كباراً عندنا استأنسوا بتعاليم هذه المدرسة (الطالعة من الدادائية، تريستان تزارا) وبنصوصها، واخترعوا لمسات حية ومبدعة، وإن لم يتخطوا معطياتها. وما اوردنا حول النصوص الشعرية السوريالية يمكن تكراره في معظم النصوص التشكيلية التي جاءت استظهاراً للمضامين والتشاكيل.
أما المسرح فلا يختلف كثيراً في تعاطيه مع الترجمة خصوصاً في بداياته من القرن التاسع عشر مع مارون النقاش ويعقوب الصروف والقباني وامتداداً إلى مسرح القرن العشرين، مع الاشارة إلى أن قرابة 80 في المئة من الأعمال المسرحية التي قدمت حتى الخمسينيات كانت مترجمة أو ممصرنة أو ملبننة أو متونسة.. هذا قبل أن يأتي زمن “المسرح الحديث” (زمن المخرج والمدارس)، وهنا بالذات لعبت الترجمة دوراً أساسياً في تهجين المهجن في المسرح الكلاسيكي عندنا أو الاجتماعي (جورج ابيض، عزيز عيد، يوسف وهبة ونجيب الريحاني..) إذاً انتقل المسرح من “هوية” غربية مقتبسة قديمة (يغلب عليها التبسيط) إلى هويات غربية مقتبسة ومترجمة ومركبة من خلال المدارس والاتجاهات الأساسية من المنحى الاستسلافسكي إلى بيسكاتور، وماير خولد وبرشت (الملحمية) وإلى انطونان ارطو (مسرح القسوة)، فإلى غروتوفسكي (المسرح الفقير)، من دون أن ننسى بيراندلو (المسرح داخل المسرح). والانتقال من الزمن “القديم” إلى الزمن الحديث الذي تتصارع فيه الاتجاهات دليل على ان المسرحي العربي (كاتباً ومخرجاً وممثلاً وسينوغرافيا) كان قد تهيأ عبر حركة الخروج من “الذات” أو من “الهوية” المحددة، إلى تعددية، وإلى أكثر من تماه بالترجمة وتقمص لها: فمن ضمن المعطيات المسرحية السابقة (وهنا القطيعة وهم) استطاع أن يستشف ما في تلك الكتابات المسرحية المترجمة (نضيف بيكيت، ويونسكو، وشحادة، وهارولد بنثر وادوارد بوند وتينيسي وليامز وكذلك ارثر ميلر، واونيل وارابال، ولوركا) فضارعها هنا وواكبها هناك في انتقال مرن وغالباً وعر بين بين هذه “الهويات” التي اسس عليها لبناء ابداعه ولكن عبر انتماء واضح للأصول والجذور.. ومن هذا الباب، أي من الدافع المتحول تمكن، وإلى حد كبير من صوغ “الخاص” من المتداول، والذاتي من العمومي، والحي من المبدئي، ونظن ان المتحولات الأخرى عند أهل المسرح من سياسة وفكر وأدب وايديولوجيا وانتماء، تداخلت بشكل عضوي في التقنيات والمفردات والنصية، وصولاً حتى إلى عملية الاخراج، والديكور، والماكياج، والفضاء المسرحي، والعلاقة بالجمهور، فالترجمة هنا، بدت في أحوال كثيرة نقطة انطلاق، هاجس تحول وتحويل في الذات والموضوع، بعيداً من ثقل المراوحة أو المحاكاة.. أو التقمصية وحتى القرينية. ويكفي أن نذكر بعض كبار المسرح من كتاب وانجازاتهم لكي نعرف إلى أي مدى لعبت الترجمة دوراً حاسماً في إبداع فضاءات الهوية الثقافية: كالفرد فرج وتوفيق الحكيم، ومحمود دياب ويوسف ادريس ميخائيل روحانا وسعدالله ونوس وعصام محفوظ ومحمد بن قطاف، ومن المخرجين والكتاب: الطيب الصديقي، ويعقوب الشدراوي، وريمون جبارة، منير أبو دبس، وتوفيق الجبالي، والفاضل الجعايبي، ومحمد ادريس،… وعندما نقول الترجمة في مجال المسرح مثلاً فيعني تجاوزاً للكلمة، أو للنص المكتوب، إلى النصوص البصرية والسمعية، والسينوغرافيا، والخشبة.. فهذه كلها أجزاء من النص المكتوب، أو الأحرى احتمالاته أو قراءاته الاخراجية. وقد تمكن هؤلاء بكتاباتهم واقتباساتهم، تحويل المعطيات المترجمة عند كبار المسرحيين الغربيين القدامى والحداثيين، تفكيك المكونات (البيانية إذا جاز التعبير، أو الحرفية أو الايديولوجية) ووسمها بلمسات توحي بوضوح “هوياتهم” المتلاقية، والمتقابلة، في ابتكارات مستلهمة، أو في اقتباسات حية.
إذاً، حركة خروج المسرح العربي إلى الوجود استند إلى الترجمة قبل كل شيء (لندع جانباً مقولات الاحتفالية القائلة ان المسرح سبق ان وجد عندنا عبر خيال الظل أو الطقوس الدينية والاجتماعية، فحتى هذه الطقوس، بما فيها خيال الظل، يمكن أن ينسب معظمها إلى غير العرب، إضافة إلى أن الطقوس شيء، والمسرح شيء آخر. قد تكون الطقوس مادة مسرحية ككل مادة اخرى، لكن لا يمكن أن يصنع منها ايديولوجيا تكون بديلاً من المسرح الغربي أو أي مسرح أجنبي: كما اقترح توفيق الحكيم المعروف بأن مسرحه غربي، ويوسف ادريس المتأثر ببكيت، بل كأن الدعوات إلى تأصيل مسرح عربي نقيض للمسرح الغربي، أي مسرح ذو “هوية” عربية نقية، هو كلام يحيل الذات على الذات لكي تنتج نفسها: وهذه الاحالة الايديولوجية تعني الوقوع في الاستنقاع، أو الانعزال، أو الانحطاط والموت. عدا، إلى ان مثل هذا الكلام لا يمكن أن يكون “مسرحياً”، إلا إذا تعامل معه المسرحيون وكأنه يمكن أن يكون مفردة أو تجربة من التجارب. مثلاً يمكن أن يجرب المسرحي الطقوس، أو الظواهر، أو العادات القديمة (الأصيلة) لكن من ضمن تجريبية بين التجريبيات وليس كتجربة نهائية بديل. وماذا لو حذفنا كل الترجمات، واقتصر شغل الشاعر والمسرحي والفنان والروائي على التراث. عال! ولكن هذا يعني ان نعود إلى ذات وهمية ومقتولة، عارية، وعزلاء، ومقفرة. وعلينا عندها أن نفصل الأصل (الهوية المفترضة) عن فضاءاتها (الهويات) لتصاب بالاختناق، وأقله بالخلل، وأثره التخلي عن انجازاتنا الحضارية الكبرى منذ العصور العباسية وحتى اليوم، وكأن هذه الانجازات من صنع الغرب، وهذا يعني التخلي عن ارثنا (بالمعنى التحويلي) وعن الفلسفة المتأثرة بالاغريق، والطب المتأثر بالهنود.. وعن المسرح المتواشج مع الغرب، والشعر، وفكرة الحداثة.. الخ.
وعندها بالذات، علينا أن نتساءل أين يمكن أن تكون هوية ثقافية مفترضة خارج كل هذه التحولات، وخصوصاً في العقود الأخيرة، ازاء التطور الهائل للتكنولوجيا والاتصالات، والتقنيات التي يمر بها عالمنا العربي: أترى نرفض كل هذه الانجازات لأنها تمس “هويتنا” (أي هوية!)، أو نفصل بين هويات بطريقة شيزوفرانية، وأن نتمسك “بخصوصياتنا” التاريخية (أي خصوصية) من مظاهر وعادات متلاصقة بالواقع، ومن ناحية أخرى نتهافت على تطورات الغرب: كأن الذات مفصومة، أو مضروبة؟ أو ليس هذا ما يؤرق الهواجس، فالتقنيات ووسائل النقل والطب والادوية والاتصالات هي “مترجمات” تقنية أولاً وأخيراً، نبتناها، ثم نتخلى عما صنعناه، عبر ترجمة النصوص الادبية والفلسفية والشعرية والفكرية والدينية واللاهوتية والفقهية.. إذ كيف يمكن أن نغلق جهة من ذواتنا ونشرع الاخرى، ونتكلم عن ثقافة وثانياً عن انتماء ثقافي، أو احتضان ثقافي: إذ كيف يمكن عبر فصل الظواهر بعقل استنسابي جزئي بين “هويات” كثيرة، وكل هوية في منغلق، ونتكلم عن خصوصية، تبريراً للعجز، أو للانكفاء، أو للهروب من دور يمكن أن نلعبه. وعندما نشير إلى فعل ارادي بتقسيم الذات، وإبداء الخوف على الهوية، فلكي نتعدى أيضاً فكرة فرض أي ثقافة اخرى بالقوة علينا، فالفرض يعطل كل استيعاب، والقوة تعطب كل “إنجاز” وافد. وهذا ما لمسناه في العولمة مثلاً، ولا بد من الملاحظة ان العولمة ليست كلها شروراً، وكذلك “الليبرالية”. (وعندنا مفكرون ليبراليون متأثرون عبر الترجمة أو سواها بالأفكار الليبرالية منذ القرن التاسع عشر الأوروبي). فالإبداع اختيار. والهوية اختيار. يتحول أي فعل حرية غير متناه. ومن ضمن هذا الاختيار يتم التعاطي مع المنسوج الثقافي الغربي وغير الغربي.. هذا إذا كان مصطلح الثقافي الغربي دقيقاً، باعتبار انه ليس هناك “ثقافة غربية” صافية، ولا أخرى عربية صافية، ولا أي أخرى ما عدا بعض القبائل التي اكتشفت على حالها في بعض غابات الامازون أو سواها، فالثقافات “الصافية” المصفاة لا تتلاقى ولا تتمازج ولا تحيي: انها تقتل نفسها ظانة انها تبعثها، الصفاء الثقافي هو الموت.
ومن جهة اخرى، فالترجمة ليست مجرد خلط أوراق، وخلط تجارب، وخلط نماذج، وخلط حساسيات فقط، وإنما في عمقها، مساهمة اساسية في إعادة تشكيل البنى الثقافية والحضارية في العالم: حضارة واحدة وتعددية ثقافية، حضارة واحدة باعتبار ان كل الشعوب ساهمت في صنعها على امتداد الوف السنوات، وتعددية ثقافية من حيث اختلاف الحساسيات الفردية، فالمجتمع هنا (الكبير أو الصغير) مؤلف من أفراد. ولكل فرد حيزه الخاص. وانفتاحه الخاص، وليس المجتمع كتلة واحدة متساوقة بلا رتوش ولا تعرجات، المجتمعات التوتاليتارية تنفي فردية المجتمع لصالح احادية مضغوطة قطيعية، وكذلك القبلية.. وسواهما. إنها “الخصوصيات” المتينة، المتكررة الوهمية، العاقر. وهي من مكونات “هويات” جامدة في إنتاج ذاتها ومراوحة في معطياتها. فالترجمة، وإن كانت مستوياتها هي كما سبق وقلنا، عنصر من عناصر “تخريب” هذه الخصوصيات “المجمدة” وخلعها عن عروشها “الافتراضية”، وفتح شقوق وأبواب في كل ما يحسب انه هوية.. ثقافية.
ونعود إلى ما بدأناه في أول المقاربة: منطق احترام “خصوصيات” الأقوام والأفراد، وصون “هوياتهم”، ليس أكثر من ترك هذه المعطيات تنزف في ذاتها، ومن كل أجسامها الميتة. والترجمة، (وطبعاً ليست العامل الوحيد)، هي التي تؤدي أو تساهم في وضع هذه الخصوصيات إلى فعل الخروج، والهويات إلى فعل نفيها.. فكل خصوصية حية تكمن في صيرورتها.. أي في “لا خصوصياتها” وكل هوية ثقافية تقوم، عبر ديناميكة إبداعية وحرية واختيار، على نفي ذاتها.
هنا مبتدأ الهوية.. الابداعية: أن تكون ابداعاً على الهوية وليس موتاً فيها! أن تكون ابداعاً بحيث تتحول إلى مادة اولية تتشكل بقدر ما تتغير، وتتحرك بقدر ما تلون، وتتركز (كمنطلق مفتوح) بقدر ما تخترق، وتنخرط في ذاتها لتنخرط في سواها، في عملية تفكيك دائم لقماشتها وجذورها.
الترجمة فعل التغيير هذا، خارج الثوابت المفروضة، وخارج الاطر النهائية وخارج المرسلات الإنسانية. ولا نظن ان أي تغيير تسعى إليه هوية ما (نائمة أو ساكنة أو على انحطاط) سوى بالتهيؤ للخروج: الخروج من الذاتيات “النقية”، الجامدة، المضخمة، المثقلة بالانتفاخ النرجسي و”الأناني”، إلى حيث ما يؤمن لهذا الخروج توغلاً دائماً في تناقضات “الموضوع” والعام، والخاص، وما بينها وما عليها.
وعلى هذا الأساس، فإنّ الترجمة التي من أهدافها محاولة صوغ “واقع” آخر، تشارك ليس في صنع “هوية” ثقافية صلبة، بل فضاء لتكوين ملامح لهوية ثقافية تنفي نفسها باستمرار، وتتجاوز حدودها باستمرار، حيث تلك الجدلية الدائمة بين “مكوناتها” وبين ما يتكون فيها على سيرها الدؤوب نحو حبو الماضي الحي والحاضر الحي والمستقبل المجهول احتمالاتها، من خلال منهجية لا تمليها عليها سوى الزامات الحرية والابداع والاضافة والمساهمة في صناعة التاريخ أو الحضارة!
هذه الصناعة هي بامتياز الهوية.. التي تضع ذاتها والعالم في فضاء من التحولات.
[ قدمت هذه الورقة أمس في مؤتمر الترجمة الذي يعقد حالياً في القاهرة بتنظيم من المركز القومي للترجمة
المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى