صفحات ثقافية

الفضائيات العربية: أرسل تعليقك، واصمت!

null


محمد خير

اشتكت وسائل الإعلام العربية مراراً، ولا تزال، من الرقابة المفروضة عليها. لكن ماذا عن الرقابة التي تُمارسها تلك الوسائل، على جمهورها التفاعلي؟ لأسباب مهنية وخدماتية وتفاعلية عدة، تؤسس المحطات التلفزيونية المختلفة، مواقع إلكترونية. لكن هل تقف الأسباب نفسها، وراء خدمة «تعليقات الزوار» التي تستخدمها مواقع القنوات الإخبارية تحديداً؟ أم إن أسباباً أخرى دفعتها إلى ذلك، سواء تلك التي قدمت هذه الخدمة مبكراً كقناة «العربية»، أو تأخرت كثيراً في استخدامها كـ«الجزيرة».

بين هذه وتلك، محطات ومواقع أخرى يمكن للمتصفح أن يتعرف عبرها إلى آراء زوارها، وتعليقاتهم على الأخبار… لكن هل تعبّر التعليقات عن آراء القراء حقاً، أم هي، بصورة غير مباشرة، آراء الموقع والمحطة؟ ثم هل تلتزم مواقع تلك المحطات بتطبيق الشروط التي تنظم التعليقات؟ وهل تساوي في تطبيق تلك الشروط بين الزوار، مهما كانت آراؤهم أو تعليقاتهم؟ أم إنّ ذلك أيضاً يختلف ليس فقط باختلاف المحطة، بل باختلاف سياساتها وعلاقاتها في اللحظة الآنية، بمعنى أن يكون التعليق الذي يتركه الزائر مقبولاً في وقت، ومرفوضاً في وقت آخر؟

تتميّز الميديا العربية بأنها لا تكفّ عن استفزاز الأسئلة من دون إجابات، لكنها ليست عادة أسئلة صحية. ويمكن الاختصار بالقول إن أداء المحطات الإخبارية أوقات الأزمات، لا يختلف كثيراً عن أداء مواقعها الإلكترونية، وليس هذا بغريب. لكن من المثير، والطريف، أحياناً، أن يعرف المستخدم/ القارىء/ المشاهد أن تعليقات الزوار المنشورة على مواقع تلك القنوات، ليس مسألة عفوية أو تلقائية على الإطلاق. كما أنها ليست مرتبطة، إلا بأقل الحدود، بمعايير النشر، الأمر الذي ينتج في النهاية ما يمكن تسميته بـ«الكوميديا التفاعلية»!

الحديث هنا هو عن التعليقات التي تتيحها مواقع المحطات الإخبارية دون غيرها من مواقع الميديا. وذلك لسببين: الأول هو أن دوافع مواقع إنترنت الصحف الورقية تختلف عن دوافع المحطات التلفزيونية، في ما يتعلق بافتتاح هذه أو تلك خدمة تعليقات الزوار. ذلك أن للصحف حسابات أخرى «توزيعية» في معظمها، واختبارية لمدى شعبية هذا الكاتب أو ذاك. أما السبب الثاني الداعي للاهتمام بمواقع المحطات الإخبارية، فهو أن لهذه الأخيرة دوافع أكثر «سياسية» تدفعها لمراقبة تعليقات الزوار والتحكم بها. أما غيرها من المحطات الترفيهية، فتهتم، سواء على شاشتها أو في مواقعها، بعدد الزوار فقط، وعادة ما تكون رقابتها أخف وطأة. يتضح ذلك من نظرة واحدة إلى رسائل الـ«إس إم إس» العابرة أسفل الشاشات. وقد يصل الأمر ببعض المحطات الترفيهية إلى إلغاء الرقابة تماماً، لسبب بسيط هو أنها ليست مهتمة بإدخال خدمة التعليقات أصلاً، وما ينتج منها من تعيين موظفين متابعين لذلك العمل. وقد تفضّل على ذلك خدمات أخرى، كتحميل النغمات والأغاني.

يفتح المتصفح موقع قناته المفضلة، يقرأ خبراً يصاغ عنوانه حسب أسلوب كل محطة. قد ينفعل بالخبر أو يكون من هواة الإدلاء بالرأي ولو باسم مستعار. يكتب التعليق الذي يريده ويضغط «إرسال»، فتجيبه الرسالة لتطمئنه أن تعليقه في طريقه للنشر. وذلك، بعد اطلاع المحطة على محتوى الرسالة، والتأكد من عدم مخالفة التعليق لشروط النشر. وهنا، قد يظن المستخدم أن هناك موظفاً جالساً أمام شاشة يقرأ كل التعليقات، ليختار منها ما هو مناسب… لكن الوضع يختلف قليلاً عن ذلك. إذ لا يمكن موظفاً واحداً استقبال كل التعليقات أو قراءتها، وخصوصاً لو كان الموقع ذا شعبية. لذا، يتوزع الموظفون على أقسام عدة، يتولى كل منهم بلداً أو اثنين أو قطاعاً من البلدان. وأمام كل موظف حاسوب هو «السيرفر» (الخادم) الخاص بالقسم المسؤول عنه. ويتولى كل موظف تمرير التعليقات إلى «السيرفر» الرئيسي، فتُنشر، بمراعاة نسبية الجنسيات المختلفة، مع ميزة إضافية للبلد أو الكيان الذي يخصه الخبر، ولخصومه أيضاً، على سبيل «البهارات»! ولا يمكن خداع «الخادم» عبر ادعاء بلد أو جنسية مخالفة للحقيقة كما يفعل كثيرون، لأنه يعرف مكان الزائر من خلال «المعرّف» (آي بي) الخاص به. كل ما سبق ليس سوى مجرد قشور المسألة. فلا بد للمتصفح من أن يلاحظ أن «آراء» جمهور موقع «العربية. نت» مثلاً، تختلف كثيراً جداً عن آراء زوار موقع «الجزيرة. نت». ليس السبب في ذلك أن مشاهدي «العربية» يرفضون تصفح موقع «الجزيرة» أو العكس. في الواقع، فإن المواقع المنافسة والمخالفة لرأي الزائر تستفز رغبته أكثر في التعليق. لكن شروط الاستخدام المعروضة في كل موقع، والتي تتيح للإدارة الحرية الكاملة في النشر أو عدم النشر كيفما ووقتما تريد، طبقاً لسياسة الموقع، هي التي تؤدي إلى تلك الصورة. صورة يبدو فيها بعض زوار «العربية» كأنهم يعملون لديها، وبعض زوار «الجزيرة» نسخاً صغيرة من فيصل القاسم أو أحمد منصور. كأنّ قانوناً غير مكتوب يفرض على القناة ألا يخرج زوارها عن حدود «الأدب»، وألا يخالفوا «رؤية» المحطة إلا في إطار ذرّ الرماد في العيون. هكذا، فإنه بدلاً من أن تكون خدمة التعليقات دافعاً لإرشاد المحطة نحو احتياجات متابعيها وطرق تفكيرهم، إذا بالعكس هو الصحيح. فقد اعتاد المتصفحون على أساليب معينة في التعليق، غالباً ما تكون الأكثر استفزازاً أو صراخاً أو طائفية، بل إن بعضهم ـــ صدق أو لا تصدق ـــ لا يزال يستخدم صيغة «لن تجرؤوا على النشر»، فيجد طريقه إلى النشر فعلاً. وهكذا، أضحت التعليقات، بتشجيع من المواقع عينها، ساحة للتنابذ السياسي والطائفي، بل الكروي أيضاً، في إنجاز عربي جديد نحو المزيد من تفريغ الأشياء من مضمونها.

الأخبار

عدد الاربعاء ٤ حزيران ٢٠٠٨

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى