صفحات العالم

في قتل المتظاهرين

حسام عيتاني
تحيل الأصوات التي ارتفعت في مجلس الشعب المصري مطالبة الأجهزة الأمنية بإطلاق النار على المتظاهرين في السادس من نيسان (أبريل) وما تلاه من نشاطات، إلى مواقف وأعمال السياسي الفرنسي أدولف تيير أثناء كومونة باريس عام 1871.
وتيير الذي لم يكتف بالكلام بل قرنه بقيادة القوات التي قضت على انتفاضة أهالي باريس واشرف على إعدام رؤسائهم، إضافة إلى قتل ونفي الآلاف من المنتفضين على الاحتلال الألماني وعلى الحكومة اليمينية، يمثل ذروة ما يمكن أن يبلغه سياسي (ومثقف فوق ذلك!) من انحياز ضد الشرائح الأكثر تطلباً للعدالة بين مواطنيه. ولعل هذا وجه الشبه الوحيد مع خلفائه المصريين.
وربما يكون سلوك النواب المذكور هو الأول من نوعه منذ تيير حيث لا يتورع نائب، يفترض أنه وصل ديموقراطياً إلى منصبه، عن الدعوة إلى فتح النار على جزء من ناخبيه المحتملين. والحال أن ذلك يسلط ضوءاً باهراً على العتمة التي تقيم فيها السياسة عندنا.
غني عن البيان أن النواب المصريين الثلاثة الذين رغبوا في رؤية المحتجين في السادس من نيسان (أبريل) يُقتلون في الشوارع، لا يملكون الدوافع ولا الخلفيات التي حركت تيير وغيره من السياسيين المحافظين أثناء الكومونة التي شكلت تهديداً فعلياً لمنظومة كاملة من السياسات والقيم الرجعية بالمعنى الدقيق للكلمة، بل أن جل ما أثار غيظ النواب، إلى جانب ما وصفوه بـ «تراخي» القوى الأمنية في التصدي للمحتجين على سياسات الحكومة وعلى كامل النظام السياسي في مصر، هو ما اعتبروه تجرؤاً في انتقال مجموعة ممن «يتلقون الأموال من الخارج» إلى التعبير الصريح عن رفضها للحال الضبابية التي تحيط بمستقبل مصر كنظام ودولة ومجتمع. وإذا عُطِف هذا الغضب الجامح على حقيقة أن عدد المشاركين في التظاهرة لا يزيد عن مئات قليلة من الناس (في بلد يفوق سكانه الثمانين مليوناً)، ظهر حجم التخبط الذي تعاني منه مجموعة من السياسيين لم تعد تبالي بوقع ما تقول ولم يعد يعنيها سوى تأكيد تمسكها ببقاء الحال على حاله.
لا معنى لنقاش مزاعم التمويل الخارجي للمعارضة المصرية. فهذا ملف، على ضحالة محتواه وقلة المعلومات التي يمكن الركون إليها فيه، قد استنزف ذاته من كثرة الأخذ والرد. الأهم من هذه التهمة هو أن «الخارج» الساعي أبداً إلى زعزعة الاستقرار وذر قرن الخلاف بين المصريين، في عين أحزاب السلطة والمعارضة سواء بسواء، يؤدي دور الأداة التي يمكن تحميلها تبعات ظواهر محض داخلية وإلقاء اللوم عليها في كل ما تعانيه مصر اليوم من مشكلات.
وإذا رصف الترقب المنهك للصيغة التي سيجري عبرها انتقال السلطة، واستقالة هيئات الدولة عن أداء بعض أكثر مهماتها بساطة (حيث تشارك «الحكومة» في الحملة الأهلية لمقاطعة اللحوم الحمراء التي ارتفعت أسعارها ارتفاعاً شاهقاً، في غفلة عن هيئات الرقابة على ما يبدو)، وتفاقم التوتر الطائفي بين الأقباط والمسلمين وانقلابه صورة دائمة في المشهد «الوطني» وتصاعد نفوذ جماعة «الإخوان المسلمين» على نحو يمنحها سلطات هائلة على أوجه التفكير والإبداع والاجتماع، نقول إذا رصفت العناصر هذه جنباً إلى جنب، لشجعت على الخروج باستنتاجات وخلاصات قد تكون مرعبة عن مآل السياسة والمجتمع.
تأثيرات ما ستشهده مصر في المستقبل القريب لا تعني المصريين وحدهم. فعلى رغم انحسار دور القاهرة في العقود الماضية في مجالات السياسة كما في عوالم الثقافة، إلا أن ذلك لا يجب أن يخفي حقيقة الموقع المركزي المصري في تحديد المصائر العربية.
الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى