صفحات سورية

محنة العلاقة بين الإخوان المسلمين و المعارضة

null
زيور العمر
لم تكن علاقة جماعة الإخوان المسلمين مع قوى و أحزاب المعارضة السورية، في يوم من الأيام، على ما يرام، بل كانت تشوبها، دائماً، علامات الشك و الريبة، و التوجس من أهداف و مرامي الجماعة، بخصوص سعيها الى إقامة حكم إسلامي سني. و لم تقتصر التحفظات على القوى العربية لوحدها، وإنما شملت جميع الأحزاب، بما فيها الكردية أيضاً.
أحست الجماعة بوجود محنة في علاقاتها مع أقرانها المعارضين في سوريا. حاولت إيجاد مخرج لهذه العلاقات، يرسو الى ميناء التفاهم و التنسيق، بما يسمح بتأطير عمل كافة القوى المعارضة في جبهة عريضة شاملة، و حاضنة، لكل أطياف و مفردات العمل السياسي المعارض في سوريا.إلا أن جهودها في هذا الشأن لم تسجل نجاحاً مؤثراً. أما القوى المعارضة الأخرى فقد قامت ببعض اللفتات التكتيكية المصلحية المؤقتة في إتجاه الجماعة، سرعان ما تبين فحواها و المغزى منها في أول إمتحان.
السنوات القريبة الماضية، فيما يتعلق بالمتغيرات التي طالت سياسة الإخوان المسلمين في سوريا، أظهرت أنها كانت أكثر الأحزاب السورية إشتغالاً على مراجعة سياساتها و مواقفها، و تالياً تكييف تحالفاتها مع الظروف و الأحوال المتغيرة في سوريا، و المنطقة برمتها. قد لا يعجبنا بعضاً من هذه المواقف و السياسات، و لا نتفق مع مبرراتها، إلا أنها في نهاية المطاف، مؤشر على ديناميكية سياسية متجددة بإستمرار، بخلاف الأحزاب و التنظيمات الأخرى.
التأكيدات المتكررة، من قبل قادة الجماعة، على أن الخيار الوحيد و الممكن، في ظل التنوع القومي و الديني و الإثني في سوريا هو الخيار الوطني الديمقراطي، الذي يؤمن مصالح الجميع، على قاعدة المساواة، لم تلقى من الأطراف الأخرى إستجابة حقيقية، بل سرعان ما، ردت هذه الأخيرة، في لهجة إنطوت على الغمز و اللمز، بما ينم عن الشك و الإرتياب و عدم الثقة، مما عرض مسعى التقارب و التفاهم بين القوى المتعددة للفشل، فكان المستفيد الوحيد ً من إستمرار هذه الحالة هو النظام، لأن بقاءه، وإستمرار حكمه كان دائماً مرهون ً، بديمومة الإنقسامات الداخلية، و تشرزم المعارضة السياسية.
فخلال عقود من الحكم الشمولي في سوريا، نجح النظام من خلال إتباعه كافة وسائل التخويف و الترهيب، من تدمير النسيج الإجتماعي، و هدم أسس و مرتكزات المجتمع المدني، و مراقبة كل أشكال الحراك السياسي و الثقافي، و ملاحقة و إعتقال رموزها، فضلاً عن العمل على تأليب أطياف المجتمع السوري على بعضها البعض، مما أسفر هذه السياسة عن عدم ثقة بين هذه المكونات، فتم شحن الطائفة العلوية بمشاعر معادية للسنة، و تذكير المسيحيين بالمجازر التي أرتكبت بحقهم على أيدي المسلمين و الأكراد إبان العهد العثماني، و إفهام الكرد أن مطالبهم يمكن تحقيقها من خلال الحوار مع السلطة، و فوق كل ذلك ترهيب الجميع بعواقب الحكم السني في سوريا. و بغية تفويت أي فرصة على إمكانية التقارب بين هذه المكونات، إعتبر النظام قيام أي طرف سياسي بالتحالف و حتى الإتصال مع الإخوان المسلمين بمثابة تجاوز للخطوط الحمراء، أي خطر على أمن النظام.
و نظراً لأن القوى المعارضة في سوريا سواءا ً أكانت تأبه جانب النظام، و تخشى آلة القمع، و تتنازعها مشاعر الخوف من التصفية، او أن العديد منها ترتبط مع النظام بعلاقات سرية، و تدور في فلك خطابها، و تنتهج سلوكها، أو أنها لم تستطع أن تأسس خطاباً سياسيا ً مستقلاً، متعارضاً و مختلفاً، يرى مصلحة الشعب السوري في عكس ما تفعله و تنتهجه و تمارسه السلطة، أي بسبب أحد هذه الأسباب، أو كلها مجتمعة، رفضت أن تتعامل مع الإخوان، بغض النظر عن الخلاف الإيديولوجي أو السياسي أو غيرها، على أنها حركة وطنية سورية، ذات ثقل و وزن في الشارع السوري، يتوقف قوة المعارضة السورية و شموليتها على قبول الإخوان المسلمين في صفوفها.
أما فيما يتعلق بالتحالفات التي تشكلت بين الإخوان و أطراف المعارضة، فإن بعضها كانت شكلية تعيبها الإعتراف المتبادل، و الثقة المشتركة، كما هي علاقة الجماعة مع قوى إعلان دمشق، و أخرى تكتيكية أملتها حاجة سياسية مشتركة لطرفين كانا بأمس الحاجة الى الخروج من العزلة السياسية، و فسحة للعمل السياسي للإنفتاح على الداخل.
فقبل أن يعلن الإخوان عن نيتهم بتجميد أنشطتها السياسية و الإعلامية المعارضة للنظام، كان المحيطين بنائب الرئيس السوري الأسبق، يضغطون على عبد الحليم خدام، بإتجاه فك الإرتباط مع الجماعة، بذريعة وجود تحفظات أوروبية و أمريكية عليها. فكان الموقفان بمثابة تحصيل حاصل، لمحنة العلاقة بين الطرفين منذ البداية.
الأحزاب الكردية بدورها، قررت منذ البداية، عدم الإتصال مع الإخوان، و إقامة العلاقات معها، من منطلق أن سوريا تحت حكم الإخوان، يعني تصفية القضية الكردية بشكل نهائي.
يبقى أن نقول أن هذه المحنة من جهة، و عدم قدرة القوى المعارضة على إحداث تغيير أو الدفع بإتجاه التغيير في البلاد من جهة أخرى، يدفعان جماعة الإخوان المسلمين الى الإنفتاح على النظام، و ربما التصالح معه، بمساعدة قوى إقليمية. هذا الأمر إن كتب له النجاح، و تحقق، فإن ذلك سيشكل ضربة أخرى لجهود توحيد المعارضة السورية، و مستقبل التغيير الديمقراطي في سوريا.
ايلاف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى