صفحات ثقافية

الصحافة هي الرئة التي تتنفس من خلالها الشعوب

null
محمد فاروق الإمام
نعم.. لا نبالغ إذا قلنا أن الصحافة هي الرئة التي تتنفس من خلالها الشعوب، وهي المرآة التي تعكس صورة الحكام وأصحاب القرار في عيون الشعوب، من خلال ما يتخذونه من قرارات وأفعال، ولهذا نجد الدول المتحضرة تتسابق في دعم الصحافة الحرة بعيداً عن التملق والرياء والكذب والتضليل، لتكتشف من خلالها مواطن الخلل والعيوب لتعمل على إصلاحها أو الانسحاب من الساحة لإخفاقها في تلبية آمال وتطلعات شعوبها.
وقد جاء في المادّة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر بتاريخ  10|12|1948 التالي: (لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون تدخّل، واستقصاء الأنباء والأفكار وتلقّيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون التقيّد بالحدود الجغرافية).
من هنا فإنه يحق لنا أن نتساءل لماذا القمع الصحفي في بلداننا العربية هو الأصل وحرية الصحافة هي الاستثناء بعكس كل بلدان العالم المتحضر؟!
لقد صنف التقرير السنوي لمراسلون بلا حدود سورية بين خمس دول عربية هي من أكثر بلدان العالم انغلاقاً في مجال حرية التعبير وحرية الصحافة وقمعاً للحريات. صحيح أن عدد وسائل الإعلام في سورية قد ارتفع في السنوات الأخيرة، ولكن التعددية لا تزال غائبة في البلاد كما لا تزال سيطرة حزب البعث على القطاع الإعلامي تامة.
وقد استبشر بعض المثقفين خيراً عقب وصول بشار الأسد إلى سدة الحكم ظناً منهم أن سياسة بشار ستختلف عن والده في مجال حقوق الإنسان وحرية التعبير واحترام الرأي الآخر والانفتاح على الجماهير، ولكن ظنهم سرعان ما جوبه بالخيبة والإحباط، فالإصلاحات الديمقراطية، ومراجعة قانون الصحافة، وإصدار قانون عصري للأحزاب، كانت ولا تزال حبيسة الانغلاق الفكري لحزب البعث الشمولي الحاكم الذي لا يريد أن ينتقده أحد أو يشاركه في الرأي أحد، متسلحاً بالمادة الثامنة من الدستور التي تقول: (حزب البعث هو القائد والموجه للدولة والمجتمع).
ومما جاء في تقرير مراسلون بلا حدود عن سورية قوله:
(بالرغم من عودة سورية إلى الساحة الدولية منذ العام 2008، إلا أنها لا تزال إحدى الدول الأكثر انغلاقاً في مجال حرية التعبير وحرية الصحافة. ومنذ بداية صيف العام 2009، أقدمت وزارة الإعلام على تنفيذ موجة من الاستدعاءات والتوقيفات التي طالت الصحافيين ممارسةً تنكيلاً فعلياً بهم. ولم تكن شبكة الإنترنت معفية من هذا الإجراء الرقابي: فأكثر من 200 موقع إلكتروني محجوبة في الوقت الحالي).
ولا شك أن لحالة الطوارئ المعلنة في العام 1963 دور كبير في تنظيم حياة السوريين السياسية والاجتماعية، وقد نجم عن هذه الحالة إلغاء الحريات العامة كما الفردية وقمعها.
وزاد الطين بلة أن المؤسسات الإعلامية تخضع لمرسوم كفيل بتنظيم شؤون الصحافة أصدر في العام 2001 ويتميّز بقمعيته، حيث يفرض هذا المرسوم (عقوبات بالسجن على أي صحافي يقوم بالنيل من هيبة الدولة أو كرامتها، أو المس بالوحدة الوطنية أو معنويات الجيش، أو الإساءة إلى الاقتصاد الوطني أو سلامة النقد). وبالتالي فإن أي صحافي لن يتجرأ على الكتابة في أي من المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لأنه سيجد نفسه أمام سيف العقوبات المسلط على عنقه بحسب ما جاء في هذا المرسوم، وبالتالي فإنه إما يعتزل الكتابة ويجوع ويعرى، أو يتملق وينافق ويدبلج مقالات الثناء والمديح لأهل الحكم وحيتان الفساد.
من المعيب ونحن على أبواب العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين أن لا يجد السوريون أمامهم سوى ثلاثة صحف رسمية (البعث والثورة وتشرين) تحمل الأخبار إليهم وقد وشحت صفحاتها بصور الحكام وأهل القرار وأخبار حيتان الفساد وأهل الفن والرياضة، وأعمدة محشوة بالتملق والكذب والتدجيل والرياء!!
ولو عدنا إلى الوراء وتلمسنا عن قرب حالة الصحافة في سورية في العهود السابقة لصدمنا بالبون الشاسع بين تلك العهود وما كانت تنعم به من حرية وتعدد وتنوع قياساً بما هي عليه اليوم.
فقد أجمع مؤرخو الصحافة العربية بأن الفضل الأساسي للنهضة الصحافية العربية منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر يعود إلى الكتاب والأدباء والصحافيين السوريين، ونستعرض فيما يلي أسماء الصحف التي أنشأت في سورية في العهد العثماني رغم ما قيل عن ذلك العهد من افتراءات: فقد قامت أولى هذه الصحف وكانت جريدة (سورية) عام 1865، ثم جريدة (دمشق) عام 1879، وجريدة (الشام) عام 1896، وجريدة (العصر الجديد) وجريدة (تكمل) وجريدة (المقتبس) وجريدة (روضة الشام) عام 1908، وجريدة (دمشق) وجريدة (حط بالخرج) وجريدة (الشلة الحجازية) وجريدة (موارد الحكمة) وجريدة (الراوي) وجريدة (الأمة) وجريدة (هلال عثماني) عام 1909، وجريدة (النفاضة) وجريدة (الشرق) وجريدة (المتخبات) وجريدة (الكائنات) عام 1910، وجريدة (جحا) وجريدة (البارقة) وجريدة (النفاضة المصورة) وجريدة (النديم) وجريدة (بردى) عام 1911، وجريدة (المهاجر) وجريدة (المشكاة) وجريدة (الاشتراكية) وجريدة (الأصمعي) وجريدة (الضمير) وجريدة (قبس) وجريدة (الصارخ) وجريدة (الوفاق) وجريدة (المجد) عام 1912، وجريدة (القبس) وجريدة (الاتحاد الإسلامي) وجريدة (الشرق) وجريدة (الشرق مصور) وجريدة (الاستقلال العربي) وجريدة (لسان العرب) وجريدة (سورية الجديدة) وجريدة (الحياة) وجريدة (الحسام) عام 1918. وفي الفترة نفسها صدرت 8 صحف في مدينة حمص، و11 صحيفة في مدينة حماة، و27 صحيفة في مدينة حلب، وصحيفة واحدة في القنيطرة اسمها (الجولان) و7 صحف في اللاذقية. وكل هذه الصحف صدرت في العهد العثماني، وكان مجموعها خلال (53) سنة 95 صحيفة، في حين لم يصدر في عهد استلام حزب البعث السلطة في سورية من عام 1963 وحتى اليوم 2010 سوى ثلاثة صحف (البعث والثورة وتشرين)، وإذا ما قامت بعض الصحف مؤخراً وتدعي الاستقلالية فهي صورة مستنسخة عن هذه الصحف الرسمية.
من هنا نجد إلى أي حال وصلت إليه الصحافة في بلدنا سورية في ظل حزب البعث الحاكم منذ 47 سنة وكان فيها العدو الأول للصحافة والصحافيين والرأي الآخر. ومن هنا نجد توصيف الصحافة السورية والصحافيين السوريين في عيون العالم المتحضر!!

خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى