صفحات مختارة

المراجعات المطلوبة والأخرى المشبوهة

علي محمد فخرو
مسألة إجراء مراجعة دقيقة وشاملة وموضوعية للتاريخ العربي، وخصوصاً الفترة الإسلامية منه، وهي التي لها حضورها البارز القوي في حاضر العرب وعلى الأغلب في مستقبلهم، هذه المسألة مطروحة منذ زمن طويل .والواقع أن مراجعة التاريخ أصبحت ظاهرة ثقافية وسياسية في عصرنا وتكاد تشمل كل الأمم . وليس هذا بمستغرب بعد أن كثرت الشكوك حول محتويات تواريخ الأمم وحول موضوعية المؤرخين الذين كتبوها . والأقوال التي قيلت في التاريخ والمؤرخين تستوعبها مجلدات .
مثلاً، يقال إن نابليون بونابرت تساءل مرة عن حقيقة التاريخ وأجاب نفسه بأنه ليس أكثر من قصص من الخيال والخرافة التي اتفق الناس على تصديقها . وكثيرون هم الذين اعتبروا التاريخ ليس أكثر من تعظيم للقتلة والسراق . وكان الكاتب الألماني غوته يقول بأن الخطايا هي التي تكتب التاريخ، أما العفة فإنها تبقى صامتة . ويجمل الكاتب جورج سانتايانا التاريخ بأنه حزمة من الكذب عن أحداث لم تقع يرويها أناس لم يشهدوا أصلاً تلك الأحداث . ولم يسلم المؤرخون من النقد الجارح . فصموئيل بتلر يقول بسخرية رمزية لاذعة: “بعكس ما قيل من أن الله لا يستطيع تغيير الماضي فإن المؤرخين يقدرون على تغييره”، ولأنهم مفيدون من هذه الناحية فإن الله يصبر على وجودهم” .
إذاً، فالأمة العربية، بالنسبة لمراجعة التاريخ ليست شاذة عما أصبح ظاهرة أممية، وذلك بعد أن انكشف تزوير وتشويه الكثير من تاريخ البشرية . ويتفق مع هذا الاتجاه الكثيرون من المؤرخين العرب الذين يطالبون بمراجعة تاريخ العرب . وكمثالين فقط، فإن المؤرخ عبدالعزيز الدوري يذكرنا بأن الكثير من المؤلفات التاريخية الحديثة عن العرب قد كتبت بأقلام خارجية وبأننا نحتاج لكتابة تاريخنا بأنفسنا مستفيدين من كثير من النظريات والاتجاهات الحديثة في بحوث التاريخ ومولين اهتماماً خاصاً “بتاريخ التاريخ”، أي تطور الكتابة التاريخية عند العرب حتى يمكن إجراء مراجعة نقدية لما كتبه الأولون، وكذا موقف المرحوم المؤرخ شاكر مصطفى الذي نادى خلال سنين طويلة بقراءة جديدة لتاريخ العرب بما فيها تاريخ الفترة الإسلامية التي يحتاج العرب أن يروها بعيون ونظرة علمية جديدة .
لا توجد إذاً إشكالية في ضرورة مراجعة أي حقل يمس الحياة العربية إذا ثبت أنه بالفعل يحتاج لمراجعة، كما رأينا بالنسبة للتاريخ العربي . لكن الإشكالية تبدأ عندما نرى الهوس والجنون الذي أصاب البعض من مفكري ومثقفي الأمة . فالمتتبع للساحة الثقافية العربية يلحظ إصراراً من هذا وذاك على مراجعة كل جانب من حياة العرب، بما في ذلك الثوابت .
في هذه اللحظة يطالب البعض بقراءة جديدة للنص القرآني ومراجعة شاملة للسنة النبوية وتنقيح جذري للفقه وللتراث العربي الإسلامي ومعاودة تفكير في التوجهات والأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية العربية ولكل ايديولوجيا عمل بها عبر القرن الماضي، بل لثوابت الأخلاق والعادات والقيم . لم يبق مكون لنسيج حضارة هذه الأمة لم يطالب البعض بنقده من أجل تجاوزه .
لا توجد مشكلة مع أهمية المراجعات الدورية في حياة الأمم . لكن، بالنسبة للأمة العربية، ألن يؤدي هذا السيل الجارف من مطالب المراجعات، من دون أولويات زمنية لها ومن دون موازين تحكمها ومن دون ضوابط تمنع الشطط والمبالغة، إلى أجواء من البلبلة وإلى مشاعر سلبية تجاه ماضي وحاضر ومستقبل الأمة وإلى ارتياب في قدرتها على النهوض بقدراتها الذاتية؟
والأدهى أن بعض المراجعات تأخذ مناحي خطرة . فمراجعة الفكر القومي يجب أن تسقط مكون الوحدة العربية وتستبدله بروابط مشابهة للوحدة الأوروبية وتتخلى عن مفاهيم الأمة الواحدة والمصير المشترك والنضال الموحد ووحدة الاقتصاد والسياسة والثقافة، وتقلبها إلى علاقات تعاون إقليمي بين دول مستقلة . والحرية لا تعني بالضرورة عدم وجود جيوش وقواعد ومعاهدات مع الغرب الاستعماري ولا تعني عدم قبول الاستيطان الصهيوني . والعدالة الاجتماعية يجب أن تخضع لمنطق اقتصاد السوق العولمي . ورابطة العروبة يجب أن تأتي بعد الرابطة الوطنية القطرية . والرابطة الإسلامية هي رابطة دينية وليست سياسية أيضاً تستلزم التعاضد والتعاون إلى أبعد الحدود مع الدول الإسلامية . ولذلك فإن تركيا وباكستان وإيران لا تختلف عن المكسيك وكندا .
هنا تصبح المراجعة عبثاً فكرياً ومحاولة مشبوهة لتهميش هذه الأمة وابقائها في حالات تجزأتها وتخلفها وفقدانها لاستقلالها ولطموحاتها، مثل هكذا مراجعة يجب أن ترفض وتحارب لأنها تزوير لمبادئ ومناهج وموضوعية المراجعة الصادقة النزيهة .
الخليج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى