صفحات ثقافية

يوسف شاهين: تاريخ مصر السينمائي في عناية المستشفى الأميركي بباريس

null
القاهرة ـ حمدي رزق
نُقل شيخ المخرجين المصريين والعرب يوسف شاهين إلى باريس ـ المستشفى الاميركي تحديداً ـ ليتداوى من أزمته الصحية الطارئة المفاجئة.. ضرب النزف الحاد دماغه الذي لا يتوقف عن التفكير للحظة. ترى في ما كان شاهين يفكر؟ أفي شريطه الجديد الذي يكتبه له المؤلف الشاب نفسه الذي كتب له شريطه الأخير “هي فوضى” ناصر عبد الرحمن؟ أم كان يفكر في أميركا التي عشقها قديماً فخدعته كثيراً كما قال في حواراته خلال السنين الماضية؟ أم ترى كان يداعبه حلم الرجوع إلى مسقط رأسه في الإسكندرية، حيث بحرها الذي سحره منذ الطفولة وقال انه هو خلاصة تكوينه النفساني؟
من المؤكد أن شاهين كان مهموماً بشيء من تلك الأشياء التي تشغل دماغه طوال الوقت، والتي اعتاد أن يخرجها في صورة بصرية بهيئة أشرطة سينمائية، جعلته صاحب أكبر مدرسة سينمائية في مصر والعالم العربي على امتداد القرنين العشرين والواحد والعشرين.
التف الفنانون المصريون حول شاهين عشية سفره إلى باريس. ذهب إليه الكثيرون، حتى الفنانة حنان ترك التي تحجبت وانزوت ذهبت إليه، لأنه هو الذي احتضنها واكتشفها وصنع منها نجمة، وكانت آخر من ودعه إلى باريس.
قضت القاهرة ليلة حزينة جدا حين فجّر تلميذه الأقرب إليه المخرج خالد يوسف نبأ مرضه الحاد المفاجئ عبر البرنامج اليومي للتليفزيون المصري “البيت بيتك” قائلاً انه في حال حرجة للغاية وينتظر طائرة تنقله إلى الخارج مع أفضل تجهيزات اسعاف طبية. وخلال ساعات كان منقولاً لباريس على متن طائرة مجهزة بتجهيز رفيع مصحوباً بقرار من الرئيس مبارك لعلاجه على نفقة الدولة المصرية.
يتراهن الكثيرون من الفنانين والمثقفين على حياة شاهين هذه المرة.. ينبت السؤال: وهل على الحياة تدور مراهنات؟ فيأتي الجواب بـ “نعم” ان كانت حياة شاهين التي لم تكن سوى مغامرة شابة نابضة بالجنون طيلة اثنين وثمانين عاماً قضاها إلى اليوم على صفحة الدنيا..
غامر شاهين في الشكل الفني لأشرطته، غامر بالإنتاج بماله، غامر بطرق أبواب المسكوت عنه، غامر بوجوه جديدة راهن عليها واحتضنها وقدمها للنور فصار أصحابها نجوماً. الأغلبية تقول: شاهين سيتعافى وسيرجع من مرضه شاباً مثل كل مرة، وسيشرع في تنفيذ شريطه السينمائي الجديد، لأنه استطاع ان يقهر المرض سنوات سيقهره هذه المرة أيضاً. الأقلية متشائمة تقول شاهين في أسوأ حالاته الصحية لم يدخل في غيبوبة كاملة سوى هذه المرة!
البعض يقول حتى اذا رحل شاهين عن الحياة الا انه لن يموت سوى بجسده فمدرسته راسخة باقية متصدرة مسيطرة على المشهد في السينما المصرية.
اهم وجوه شاهين على الإطلاق: غرامه بالاسكندرية وعشقه لها بجنون قاله على لسان محسن محيي الدين مرة في شريطه الشهير “اسكندرية ليه” (1979) حين تنهد محسن قائلاً: “آه يا اسكندرية يا ريتني ما اتولدت فيكي…” وكأن الاسكندرية هي التي جرت على شاهين الشقاء! الشقاء بالتفكير وبالهم العام.. ويخطئ من يظن ان شاهين انكبّ على ذاته في أشرطته (اسكندرية ليه، حدوتة مصرية، اسكندرية كمان وكمان، واسكندرية ـ نيويورك). الحق ان شاهين كان يبحث عن مصر في ذاته ولم يكن يبحث عن ذاته في مصر كما فهمته الأغلبية!
والحديث عن يوسف شاهين يطول. فهو كفنان يشكل حالة خاصة ونادرة في السينما المصرية، بل والعربية بشكل عام.. وهو الفنان الباحث دوماً عن أسلوب جديد وصياغة مختلفة لأفكار ومفاهيم تبدو عادية ومتداولة.
شاهين، الذي قدم حتى الآن أكثر من أربعين شريطاً، بدأها بـ (بابا أمين ـ 1950) وذلك بعد عودته من أميركا، حيث درس السينما هناك.. هذا الفنان، اختلف معه الكثيرون، ووجهت له الكثير من الاتهامات ـ وبالذات في أشرطته الأخيرة ـ أهمها بعده عن قضايا الجماهير، والاهتمام بتقديم تكنيك وإبهار سينمائي فقط، على حساب المضمون، متجهاً بذلك نحو الجمهور الغربي والأوروبي.
المتابع لمسيرة شاهين السينمائية، من خلال جميع أشرطته، يكتشف بأنها تعكس، إلى حد كبير، ذلك التطور الفكري والفني، وذلك الوعي الاجتماعي والسياسي الذي تحمله شخصية هذا الفنان، ويمكننا تقسيم مشوار شاهين السينمائي إلى مرحلتين أساسيتين: مرحلة نمو الوعي الاجتماعي، ومرحلة تعمق الوعي السياسي، حيث أن شاهين عندما بدأ هذا المشوار، لم تكن القضايا الاجتماعية والاهتمامات السياسية تعني له الشيء الكثير. ولكنه ـ عفوياً وتلقائياً ـ وجد نفسه يدافع، ببساطة متناهية وصدق مؤثر، عن الفلاح المصري في شريطه “ابن النيل” (1951) .
لم يكن شاهين، في ذلك الوقت، يفهم مشكلة الفلاح المصري، ولا كان يعي الواقع الاجتماعي والمعيشي الذي فرض على هذا الفلاح أوضاعاً حياتية مزرية، وربما جاء ذلك نتيجة انتماء شاهين الطبقي إلى بيئة بورجوازية.
ومع هذا، فقد كان شريط (“صراع في الوادي” 1953) صرخة عنيفة ضد الإقطاع، عبر فيه عن نظرته المليئة بالحنان والحنو للفلاحين. صحيح بأن الشريط يفتقر إلى التحليل الاجتماعي الجدي للواقع الذي يتناوله، إلا أنه طرح قضية الصراع الطبقي بين الإقطاع والفلاحين على نحو لم تشهده السينما المصرية من قبل.. وبالتالي يمكن اعتبار “صراع في الوادي” بمثابة الخطوة الحقيقية الأولى في مرحلة نمو الوعي الاجتماعي عند شاهين.
وكانت الخطوة التالية في شريط (“صراع في الميناء ” 1956)، والذي اهتم فيه شاهين ـ ولأول مرة بأوساط العمال والبحث في مشاكلهم. أما مع شريط (“باب الحديد” 1958)، فهو وصل إلى مرحلة فنية متقدمة، جعلته أهم شخصية سينمائية في مصر آنذاك، حيث كان هذا الشريط متقدماً على السينما المصرية بسنوات، الأمر الذي يفسر فشله التجاري وإحجام الجمهور عنه. ففي شريطه هذا، برع شاهين في تصوير قطاع من الحياة اليومية، بقدر ما برع في تجسيد شخصية ذلك الفقير العاجز “قناوي”. كان “باب الحديد” مفاجأة حقاً، ليس لصدقه المتناهي ومضمونه المتميز فحسب، وإنما ـ أيضاً ـ لأسلوبه الجديد ولغته السينمائية المتقدمة وجمالياته الخاصة.. وليس هناك شك في أن يوسف شاهين سجل، بهذا الشريط، خطوة متقدمة في مرحلة نمو الوعي.
بعدها، قدم (“جميلة الجزائرية” 1958) معبراً فيه عن ذلك الشعور القومي والتضامن العربي مع الجزائر في حربها التحررية ضد الفرنسيين.. لم يتضمن الشريط أي تحليل سياسي لقضية الشعب الجزائري، وإنما جاء شريطاً حماسياً صادقاً، هذا بالرغم من أنه يعد نقطة تحول عند يوسف شاهين، حيث يقول: “…إن الوعي الاجتماعي دخل أشرطتي بعد جميلة.. في جميلة كنت وطنياً بالفطرة، كانت الأمور بالنسبة إليّ أشبه بالعسكر والحرامية، الناس في الشريط كانوا إما جيدين أو سيئين، وعندما خرجت الجماهير من قاعة العرض وأحرقت السفارة الفرنسية، أدركت أنني فجرت شيئاً لا أعرفه. هناك صراعات أبعد من قصة العسكر والحرامية، بدأت أقرأ عن مذاهب فلسفية واجتماعية، وتعرفت على عدد من السياسيين، بدأت أكتشف تدريجياً بعض القوانين ولغة الصراع، فأخذت تتكون عندي عموميات فكر سياسي.
وبشريط (“الناصر صلاح الدين”1963) يؤكد يوسف شاهين قدراته السينمائية والتقنية، حيث يقدم من خلاله ملحمة على طريقة أشرطة هوليوود الضخمة، عن الحروب الصليبية التي قادها صلاح الدين الأيوبي ضد أوروبا، مشيراً ـ بشكل واضح ـ إلى عبد الناصر، الذي قاوم أوروبا ـ أيضاً ـ إبان العدوان الثلاثي على مصر.
قدم شاهين بعدها، (“فجر يوم جديد” 1964) متناولاً وضع الطبقة البورجوازية في مصر بعد ثورة تموز ـ يوليو 1952. يعلق شاهين على هذا الشريط، فيقول : “كنت مازلت مثالياً، فتصورت أن الأمل يأتي من داخل البورجوازية ذاتها، وربما يعود هذا التصور إلى طبيعة انتمائي”.
وفي العام 1967، بدأ شاهين بالعمل في شريط “الناس والنيل” وهو إنتاج مشترك مصري سوفياتي، عن تعاون البلدين في بناء السد العالي، إلا أن النسخة الأولى من الشريط لم تعجب المسؤولين المصريين، مما اضطره إلى إجراء تعديلات عليه، انتهت إلى نسخة جديدة منه لم تعجبه هو، و كان هذا خاتمة مرحلة نمو الوعي الاجتماعي؛ وبداية تعمق الوعي السياسي عند شاهين. مرحلة جديدة أعقبت هزيمة 1967، بدأها بشريط (“الأرض” 1969)، حيث لم تكن هذه المرحلة هامة وحاسمة بالنسبة لشاهين فقط، وإنما كان صدى الهزيمة وتأثيرها قد أصاب غالبية المثقفين العرب، إن لم نقل غالبية الشعب العربي.
كانت الهزيمة بمثابة الصفعة القوية والحدث الأفجع، بل كانت مرحلة انتهت فيها العفوية والتعاطف مع الطبقات الشعبية، وجاءت لحظة الالتزام الحقيقي والوعي السياسي والاجتماعي الجاد، وبدا ذلك واضحاً بالنسبة ليوسف شاهين، حيث ذلك الفرق ما بين “صراع في الوادي”، و”الأرض”، على الرغم من طرحهما لموضوع متشابه، ألا وهو صراع الفلاحين ضد الإقطاع.
عبر شاهين بصدق عن هذا الصراع في “الأرض”، وأكد مقدرته على النفاذ إلى أعماق الفلاح وتصوير حياته البسيطة التي تمتزج فيها المأساة بلحظات الفرح، وكان الشريط بمثابة التحفة الفنية الرائعة، ومن أهم ما أنتج في السينما المصرية عن الأرض والفلاح.
بعد “الأرض”، أصبحت الرؤية الفكرية والوعي السياسي لدى شاهين واضحين، بل أخذا يتأكدان من فيلم إلى آخر. ففي شريط (“الاختيار” 1971) يتأمل شاهين أوضاع المثقفين وينتقد مواقفهم، وكأنه بذلك يمارس نقداً ذاتياً، حيث يناقش قضية ازدواجية المثقف ودوره في التفاعل مع قضايا الجماهير.
أما في شريط (“العصفور”1973) فيناقش، وبتحليل فكري ناضج، الأسباب الحقيقية للهزيمة، ويطرح وجهة نظر جريئة جداً، بل ويعلن صراحة بأن الشعب لم يهزم، وإن القيادة هي التي انهزمت. “العصفور” هو أكثر أشرطة شاهين وعياً وجرأة، فيه يسجل اكتمال مرحلة تعمق الوعي السياسي والاجتماعي، ويصل به إلى خط اللارجعة، فلم يعد بإمكانه أن يتراجع خطوة.
أما أشرطته الأخرى، والتي تلت “العصفور”، فحاول فيها ـ وقد نجح إلى حد كبير ـ أن يتابع ويقدم كل ما هو جديد ومتطور في الأوساط السينمائية العالمية، كأسلوب وأدوات وحتى تقنية، هذا مع استمراره في تناول قضايا سياسية واجتماعية تهم الجماهير وتهمه هو بالذات، خصوصاً في ثلاثيته (“إسكندرية ليه 1979″، “حدوتة مصرية ـ 1982″، “إسكندرية كمان وكمان ـ 1990”)، ففي أشرطته هذه قدم يوسف شاهين أسلوباً جديداً تميز بحركة كاميرا خاصة وسريعة، وزوايا تصوير استثنائية، وحوار سريع ومركز، إضافة إلى المونتاج الحاد السريع والنابض بالحركة.. وهذا بالطبع شيء مربك لعين المتفرج، هذا المتفرج الذي أصر على عدم الفهم.
وفي مرحلته الأخيرة، قرر يوسف شاهين أن يقدم ما يريده هو، دون اهتمام قصدي إن كان جمهوره سيعي أو سيتواصل مع ما يقدمه، وهذا بالطبع حق مشروع لأي فنان، حيث إن ارتفاع مستوى الجمهور الثقافي والفني أو عدمه، يُفترض أن لا يكون عائقاً أمام أي فنان يسعى إلى التجديد، وبالتالي ليس على الفنان أن يتوقف عن إطلاق الحرية لخياله وأفكاره، لمجرد أن هناك متفرجا لم يتطور أو حتى لم يحاول الارتقاء بفهمه واستيعابه للفن المتجدد.
وبما أن أشرطته حققت نجاحاً عالمياً كبيراً كُرم على أثره في الكثير من المحافل والمهرجانات السينمائية العالمية ؛ إذن فلا يمكننا أن نصفه بأنه مخرج معزول عن المجتمع .. ربما المشكلة تكون في الوقت الذي تصدر فيه أشرطته هنا في مصر وفي الجمهور الذي يشاهدها .. فمن يشاهد هذه الأشرطة يجب أن يكون ذا عقلية خاصة ومستوى معين من الثقافة يسمح له باستيعاب المحتوى السياسي، أو الاجتماعي، أو الاقتصادي، أو الفلسفي، أو النفسي ـ أو ربما كل هذه المحتويات مجتمعة ـ في شريط من اشرطته.
من الأمور الملحوظة جداً أن مجموعة كبيرة من أشهر نجوم التمثيل والسينما في مصر عملوا مع شاهين، بدءًا من عملاق المسرح العربي يوسف وهبي وحتى الممثل الشاب أحمد يحيى. بل إنه استطاع بخبرته وذكائه أن يفجر فيهم،ـ أو في معظمهم، طاقات تمثيلية ما كانت لتُكتَشَف لولا عملهم معه .. ربما لهذا السبب يحلم معظم العاملين في الوسط السينمائي بالعمل معه، ويعتبرون أنهم حققوا أقصى أحلامهم لو ضمهم يوماً لأحد أعماله..
ومن أهم ما يُحسب لشاهين على مدار تاريخه الفني ـ هو أنه رسّخ مبدأ: “الإغراق في المحلية هو الطريق للعالمية”.. فهو على الرغم من عشقه لمختلف الفنون العالمية من سينما ومسرح وأدب وموسيقى ـ وتأثره بها على المستوى الشخصي .. إلا أنه لم يُسخّر مسيرته الفنية كوسيلة للتعبير عن انبهاره بالغرب وفنونه كما يفعل الكثير من المخرجين، ولكن على العكس.. انه أغرق في المحلية.. فحملت جميع أشرطته روح مصر خاصة والعرب عامة.. بواقعها السياسي وقضاياها الاجتماعية والفكرية والفنية.. مُعلياً من قيمتها حيناً، ومبرزاً سلبياتها حيناً آخر ؛ مع الافتخار في كل الحالات بالانتماء لها ـ على الرغم من أيديولوجيّته المعارِضة للحكومة ­ حتى لو ألصق به البعض تهمة “الخواجة” كما هو شائع، فيكفي أنه ارتقى بفن مصر السينمائي إلى مصاف العالمية مهما اختلف البعض معه بعد ذلك. لكنه على كل حال لم يكن من مرضى عقدة “الخواجة” الذين يسعون بكافة الأشكال لبروزة أميركا ومناصريها .. بل على العكس إنه يحقر دوماً هذا الكيان ويقلل من قيمته .. تم هذا أكثر من مرة في أفلامه .. وسبق أن صور أميركا من قبل في “إسكندرية ليه؟” كامرأة ساقطة عندما صبغ وجه تمثال الحرية بمساحيق التجميل الفجة وصنع فلقة بين أسنان وجه التمثال وألصق بالوجه ابتسامة سخرية بشعة، ووصف أميركا نفسها من قبل بأنها عاهرة..
ولنسأل هنا سؤالاً .. من يستطيع أن يتعرى فكرياً، ونفسياً، واجتماعياً، وجنسياً وبكافة الأشكال الأخرى ـ إلا من الملابس بالتأكيد ـ أمام الجماهير؟!!
يوسف شاهين فعلها.. وهذا أمرٌ يحتاج إلى جرأة نادرة وصدق بالغ .. وهو أقنعنا فعلاً بالنسبة لجرأته أكثر من مرة حتى آمنا بها، أما بالنسبة للصدق فلا أحد يستطيع أن يجزم بهذا الأمر سوى شاهين نفسه لأنه أدرى بتفاصيل حياته من الناس كلها، وهو الوحيد الذي يدري هل نقلها كما يجب أم لا؟ .. لكن على كل حال لا نستطيع أن ننكر أنه نجح بالفعل في جعلنا نشعر بصدق أعمال سيرته الذاتية هذه سواء كانت صادقة أو مبالغاً فيها!
يجزم بعض النقاد بأن معظم أعمال يوسف شاهين، على مدار سنوات إبداعه الستين، فيها شيءٌ منه .. و أنه دوماً يودع تكوينه النفسي وبعض صفاته وجزءاً من شخصيته في إحدى شخصيات كل شريط يخرجه .. ولما وجد أن عنده المزيد في هذا الصدد ما زال لم يقدمه بعد؛ بادر بإصدار رباعية سيرته الذاتية غير المتصلة: “إسكندرية ليه؟”، و”حدوتة مصرية”، و”إسكندرية كمان وكمان”، و”إسكندرية .. نيويورك”..
في هذه الأشرطة الأربعة كشف نفسه وهواجسه تماماً وعلى كافة الأصعدة بشكلٍ نادر أن يحدث .. وأصبحت تجربته بمثابة أول سيرة ذاتية في تاريخ السينما المصرية. فقط استبدل اسمه الحقيقي باسم يبدأ بنفس حرفي اسمه (يحيى شكري) كي يستخدمه ويظل ثابتاً مع الشخصية خلال الأربعة أفلام.
وبشأن أشرطته هذه قالت الناقدة سعاد شوقي المتخصصة في سيرته الفنية والذاتية في كتابها الوافي عنه:
..”ولعلنا نلاحظ أن يوسف شاهين من السينمائيين العرب القلائل جداً الذين استطاعوا الحديث عن أنفسهم وهمومهم وهواجسهم الذاتية دون الابتعاد عن هموم الوطن والمجتمع، حيث يلتقي عنده الهم الذاتي بالهم الموضوعي بلا أي افتعال؛ فيؤلفان نظرة نقدية ثاقبة وحادة للواقع الاجتماعي والسياسي..
إن عرض شاهين لذاتيته لا يعتبر عرضاً لنرجسيته، أو حتى لتمجيد الأنا.. فيوسف شاهين لا يتحدث عن نفسه من منطلق النرجسية وانما ليكتشفها ويكشف معها تناقضاته وهواجسه وتربيته وأفكاره وضعفه وقوته وعائلته.. وإنسان عادي.. فهو في (إسكندرية ليه؟) قدم عرضاً لسنوات صباه وحلمه بالسفر بل ومحيطه ومجتمعه”. ولا يختلف أحدنا على أهميته.. ونجمل هذا المعنى بما قاله عنه رفيق الصبان في كتابه “أضواء على الماضي”:
“شاهين يستطيع أن يضع السماء بكل اتساعها في غيمة واحدة أحياناً، وأمطار الدنيا كلها في كأس رقراقة شفافة من الكريستال، وعيون نساء الأرض في نظرة، وشبق الكون في قبلة لا نراها”.
المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى