صفحات العالم

إلى فلسطين خذونا معكم

سليمان تقي الدين
تقدَّمنا أسطول الحرية نحو فلسطين. خرج القراصنة الإسرائيليون إلى عرض البحر وجعلوه ينزف. كوكبة من الشهداء الأتراك يدفعون ثمن الحرية وتركيا تنتفض حكومة وشعباً. عمّال سويديون يوقفون التعامل مع السفن الإسرائيلية في مرافئهم. ناشطون أوروبيون جدد يستأنفون إرسال سفن الحرية ويؤسرون. يتحضّر آخرون إلى المزيد. وجوه إسرائيلية وقحة تدافع عن الجريمة المزدوجة في حصار غزة واحتلال فلسطين والأمن والسيادة! وجوه عربية صفراء أخافتها كلمة الحرية. الحرية مفهوم لا يتجزأ. حين ينكسر الحصار عن غزة ألف حصار وألف قيد ينكسر.
حاصرت إسرائيل نفسها معنوياً بالجريمة، هبّ الأميركيون لنجدتها، خط ساخن انفتح مع القيادة التركية من الرئيس أوباما. نشاط محموم في مجلس الأمن لتطويق أي إجراء فعّال. وعود بعدم استمرار الحصار. أدار الجمهور العربي وجهه نحو تركيا، استحضر بعض الناس صوت جمال عبد الناصر في لهجة رجب طيب أردوغان. يشترك الرمزان في «البحث عن الكرامة».
انتفض أردوغان في دافوس على غطرسة بيريز. وقف في مواجهة البربرية الإسرائيلية يوازي بين حرية فلسطين وأنقرة واسطنبول. بين تركيا وإسرائيل نصف قرن من التعاون والكثير من المصالح. أياً كانت مصالح تركيا مع العالم العربي لم يكن موقفها موضع ارتياح في النظام الرسمي الذي ينظم العلاقات. ذهبت تركيا إلى وجدان الجمهور العربي، هناك شيء من الثقافة والعنفوان وليس المصالح وحدها. ارتفعت الأعلام التركية في التظاهرات المنددة بجريمة إسرائيل وسترتفع أعلام فنزويلا والبرازيل ودول أخرى ستأتي إلى قائمة تأييد حقوق شعب فلسطين.
شعوبنا العربية المشهورة بالعاطفة الصادقة والوفاء لم تلتقط علم دولة عربية واحدة. رفعت الجموع غير الكثيرة أصلاً الكوفية الفلسطينية السوداء. لم نجد كوفية حمراء صناعة غربية. لم نجد تاج ملك في المشهد ولا الأزياء الفولكلورية لملك ملوك أفريقيا. لم نجد صولجان الرؤساء ولكن رأيناهم قاعدين في الكراسي المذهّبة يعظون بالصبر والسلام. لم يتحدث أحد منهم عن «الحرية». يستخدمون شعار فتح المعابر وفك الحصار. هناك كلمات تقض مضاجعهم من بينها الحرية. لا يسألون عن حرية فلسطين بل كيف تدير إسرائيل احتلالها برفق، كيف تراعي عدم «الإفراط بالقوة». هكذا قالوا على المنابر وهكذا أبلغوا السفراء.
في هذا العصر الجيولوجي الخامس أو السابع على تجديد ولايات وأحكام الزعماء والقادة العرب يريدون أن تهدأ البراكين والزلازل. لطالما اشتقنا لعصر الانتفاضات والثورات الذي طال غيابه، صرنا نشتهي البراكين والزلازل. المناخ الكوني يتغيّر والعفن العربي لا يتحلّل. ثبُت بالوجه الشرعي أن روح الحكّام العرب الشبقة إلى السلطة ما زالت خضراء. إذا كنت تريد الذهاب إلى فلسطين فدونك ألف جدار عربي. لم تنجز هذه الأمة خلال نصف قرن جداراً إيجابياً إلا السد العالي الوحيد الذي يرمز إلى الخصوبة. ها نحن ننقل معركة حريتنا إلى أعالي البحار. تدجّن العرب على الحصار.
صارت معاركهم رياضية إلى حد التعصّب التناحري. يومياتهم أنظمة طوارئ وفتاوى حشمة وشاشات محطاتهم مليئة بالعري من الكرامة والذوق. أنظمة «مطاوعة» وثقافة طاعة وجلد وعسس على الضمائر. سلالات سلالات تستنسخ نفسها ولا تحمل قيم النبالة الأرستقراطية.
عائدون بمستقبلنا العربي إلى الجاهلية وليس إلى القرون الوسطى. صار المستقبل في قبضة الماضي الاستعماري. تكبّلنا الاتفاقيات والمعاهدات والقواعد العسكرية، نتحدث عن استقلالنا وسيادتنا الزائفتين بمعرض محاكمة مقاومين عبروا الحدود من أرض عربية لأرض عربية لأرض عربية ثالثة تحت احتلال الصهاينة. حذار أن تحمل اسماً يوقظ في الذاكرة واقعة تاريخية مشرّفة أو يدلّل على انتفاضة ضد الظلم أو اسم ثائر أو مقاوم. يمنعك الرقيب من قراءة ألف ليلة وليلة ويصادر كتابك ويجبرك أن تظل ألف ليلة طريح الفراش غارقاً في لظاه وتأوهاته. أنظمة تأكل لبن نسائها وتفتي بالرضاعة من الصدور الناشفة. علماء لا يعلمون إلا فنون التجهيل، ومسؤولون لا يعرفون إلا لغة التبرير وتجار لا يتقنون إلا الربح، وصنّاع يصنعون الفتن ويوزعون أجره من بيت مال الناس.
ثقافة المخابرات دخلت في عروق العروبة حتى يبّستها. وثورة «الأبوات» شنقت نفسها بربطات العنق الباريسية. وطواويس السياسية فقّسوا على حرارة ماء النفط. وصحافة صفراء تصدر في عواصم الغرب بمال العرب لتنشر سمومها ضد فكرة العروبة.
عادت فلسطين إلى واجهة الحدث وإلى الضمير العالمي لأن إسرائيل تطاولت كثيراً على الحقوق العربية ووسعت آفاق دورها الإقليمي وطموحاتها. استعاد قادة الكيان الصهيوني تراثهم الأصلي في الإرهاب وبدأوا ينشرونه في كل العالم. يغتالون هنا وهناك، ويتدخلون في وسط آسيا وأفريقيا. بدأوا خطتهم القديمة في تطويق العالم العربي بعد أن اخترقوه بالاتفاقات وبالممثليات التجارية. ينشرون جواسيسهم وجماعات الإرهاب الرسمي. يعلنون جهاراً أنهم يريدون قتل قادة المقاومة ويقدرون على تدمير المدن العربية. لا نريد نحن زعيماً عربياً يخرج إلى التهويل والتهديد والمراجل، لكننا نريد زعيماً عربياً يفضح خطاب إسرائيل ودورها وسلوكها ويقول بلغات يفهمها العالم كما فعل أردوغان: إسرائيل إرهاب دولة، نفاق، إجرام، اعتداء صارخ على القوانين الدولية والإنسانية. المسألة أن يزول الاحتلال لا أن نهذب تصرفاته. المسألة أن تعود الحقوق الوطنية «بتسوية» ولكن فيها اعتراف بالأرض والسيادة والحرية وبالثقافة والأمن والموارد والمقدسات. نريد حلاً يلغي التهجير والشتات والاستيطان ونريد أولاً وقبل كل شيء أن تقوم على أرض فلسطين دولة خالية من العنصرية والطموح الإمبريالي.
المتغيّر الجيوسياسي الذي يعيد تدريجياً لدول المنطقة وشعوبها أدوارها في رسم نظامها الإقليمي. التعثر الإمبراطوري الأميركي واتساع شقة الخلاف في المصالح مع دول كانت تلتحق بأميركا. الأزمة المالية العالمية. الانعطاف اليميني الخطير في العالم الذي ينبغي تداركه حتى لا تتبلور فاشية جديدة في الدول الكبرى وتنطلق الحروب الاستعمارية مجدداً. الانكشاف الإسرائيلي المتزايد أمام الرأي العام العالمي. كل هذه عناصر يمكن استثمارها في استراتيجية العرب، إذا شاء أصحاب القرار أن ينقذوا مستقبل الأمة من الغياب السياسي ثم من الانحلال المادي بالمزيد من التقسيم والشرذمة والتقاسم.
فتح أسطول الحرية باباً على فلسطين فلا نكرّر خطوات أدنى مستوى من الاختراق الفعلي للحصار العنصري. نحتاج إلى قافلة تخترق الحواجز العربية، شخصيات عربية كبيرة، شخصيات عالمية، ولنترك الآن المواكبات «الحربجية». حاصروا إسرائيل في نقطة ضعفها وأعيدوا تذكير العالم بالاحتلال. الحرية والضمير هناك، خذوا العرب إلى فلسطين والحرية.
السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى