صفحات مختارةياسين الحاج صالح

في الواقع لا في النص: أيّ يسار، أين، وأية سياسات يسارية؟

null
ياسين الحاج صالح
لا يسع نقاشا مثمرا في شأن هوية اليسار ودوره في العالم العربي اليوم أن يَغفل عن ثلاثة أشياء. الأول أن وراءنا تاريخا يساريا عريضا، محليا وعالميا، انتهت صيغته الأبرز إلى إخفاق فادح وإلى هزيمة أخلاقية لا شك فيها قبل نحو عقدين من السنين؛ والثاني هو أن كلا منا، عموم اليساريين العرب، ينطلق من موقع محدد، لا تكفي عبارة العالم العربي لتعريفه، بالنظر إلى تعدد الدول العربية وتطورها غير المتكافئ والاختلاف الكبير في حقولها السياسية والإيديولوجية، وفي المشكلات والتحديات التي تطرح عليها. وأخيرا عرفت البلدان العربية في سنوات ما بعد سقوط الشيوعية سياسات اجتماعية واقتصادية “ليبرالية”، تمخضت عن انتشار واسع للفقر والبطالة والتهميش، وعلى ظهور برجوازيات جديدة فائقة الثراء، دون مؤشرات على تطور تنموي متناسق في أي منها، أو على تحسن ولو محدود في مجال الحريات العامة وحكم القانون.
فإذا اصطلحنا أن المسألة اليسارية هي جملة الأسئلة والقضايا التي يثيرها وضع اليسار في بلداننا اليوم، فلا غنى لأية مقاربة نقدية للمسألة اليسارية من أن تكون مضاعفة، “نقدا مزدوجا”. من جهة للتجربة اليسارية السابقة، الشيوعية كعتاد إيديولوجي وفكري، كما كتشكلات تنظيمية وممارسات سياسية ووعي ذاتي؛ ومن جهة أخرى نقد للواقع المعاين في بلداننا وفي العالم. من شأن نقد يساري للواقع الحالي لا ينتقد الأدوات النقدية الموروثة أن يكون ماضويا، يطبق عتادا وحساسية قديمة على أوضاع متجددة لا تكف عن التغير. وبالعكس، من شأن الاكتفاء بنقد الشيوعية أو الصدور عن عدم كفاية أدواتها، دون النظر في وقائع اليوم وصراعات الحاضر، أن يفضي إلى الانجراف السلبي في تيار التحولات الجارية، التي تجمع بين الليبرالية الاقتصادية والتسلطية السياسية والتجزؤ الاجتماعي.
ستحاول هذه المقالة ممارسة نقد مزدوج للواقع وللإيديولوجية الشيوعية في الإطار السوري، من باب إكساب التحليل شيئا من العيانية. اليسار السوري ليس هو موضوع النقاش هنا، لكن سورية هي إطار الإحالة الواقعي للتقديرات الواردة فيه. وبينما يحاول التحليل أن يجمع بين ملاحظة الواقع والتحليل النظري، فإنه أيضا محصلة تفاعل شخصي مع مجال الوقائع المعنية وصيغة انخراط منحازة وواعية لانحيازها في الصراع السياسي والإيديولوجي الجاري اليوم في البلاد. لذلك أحيل تكرارا هنا على مقالات كتبتها في بضع السنوات السابقة.

في مجال الوقائع الأساسية
يفوت المقاربات الشائعة التي تنسب نفسها إلى اليسار في سورية اليوم تشكل نظام نخبوي جديد ثلاثي الأجنحة، مكون من نواة سياسية أمنية تستأثر بالسلطة العمومية، ومن برجوازية جديدة امتيازية تكونت في كنف السلطة المحتكرة، وجنت ثرواتها المهولة بآليات “تراكم أولي” ، ومن إيديولوجيين ومثقفين عضويين لهذا التشكل الجديد موزعين بدورهم على تيارين، تيار إسلامي مستأنس سياسيا ومحافظ اجتماعيا ومتشدد دينيا، وتيار علماني ليبرالي محافظ سياسيا ومتشدد إيديولوجيا. تدين القيادة بلا ريب للجناح الأول، النواة السياسية الأمنية، خلافا لما يفضل نقد يساري داجن، لا يرى غير “فريق اقتصادي” في الحكومة يصب عليه جام غضبه. يثابر هذا التيار على كلام شيوعي تقليدي عن الشأن الاقتصادي الاجتماعي، يدافع عن دور الدولة كمالك، ويندد بتحرير الاقتصاد وبالخصخصة، واضعا نمط إنتاج السلطة وممارستها خارج تحليله تماما. هذه شيوعية غير نقدية وقبل نقدية. معلوم فوق ذلك أنها فاقدة للاستقلال الفكري والسياسي.
بالمقابل، لا يطور اليسار غير الشيوعي أو الناقد للشيوعية، وهو شيوعي سابقا ومعارض سياسيا للنظام، مقاربات تحيط بالتحولات نفسها أو ترى التغيرات الجوهرية للبنية الاجتماعية في البلاد. يثابر المعارضون على تركيز انتقاداتهم على نمط ممارسة السلطة وحده، فتفوتهم التحولات الاقتصادية والتحالفات الاجتماعية الجديدة، وتحول الجمهورية إلى “دولة سلطانية محدثة”، والتجزؤ الاجتماعي المتفاقم.
لا مجال هنا لتوسع شاف في أصل هذه الثنائية. نشير سريعا إلى أن اليسار المستقل وجد نفسه منذ سبعينات القرن الماضي مسوقا إلى التركيز على مسألة الحريات الديمقراطية بالتوازي مع التفاقم الفاحش في الاستبداد السلطوي ومع تأزم وعقم ما كان يسميه ياسين الحافظ في حينه “الماركسية المسفيتة”. لبعض الوقت، بتأثير فاعلية الأصل اليساري وبفعل حضور الشيوعية كإيديولوجية وكمعسكر دولي، شكلت الفكرة الديمقراطية نقطة توازن بين منزع اشتراكي موجه نحو المساواة الاجتماعية، ومنزع سوف يوصف لاحقا بالليبرالي موجه نحو الحريات وتقييد السلطة. تُطلُّ الفكرة الديمقراطية تكوينيا على أفقين، أفق جمهوري وعامي واشتراكي، وأفق ليبرالي ودستوري وفرداني. تدافع عن سيادة الشعب والمساواة من جهة، وعن الحريات وحكم القانون وتوازن السلطات من جهة أخرى . بعد انهيار الشيوعية عالميا، وكان أكثر اليساريين السوريين المستقلين في السجن وقتها، تضاءل المكون الاشتراكي وتضخم المكون الليبرالي. عززت ذلك سيكولوجية المعتقل السياسي الذي عانى طويلا من الاضطهاد، فكان طبيعيا أن تشغل المسألة السياسية مركز اهتمامه. ساعد عليه أيضا انقطاع مديد، جاوز عقدين من الزمان، من النقاش والتفكير السياسي الحي الذي يقرب المبادئ النظرية من النشاط العملي، والمفكرين من المناضلين السياسيين. وفاقم ذلك كله فقر الفكر السياسي في سورية بتأثير خطورة السياسة أو الشحنة الكهربائية الشديدة السارية في كل ما هو سياسي في البلد طوال عقدي القرن العشرين الأخيرين. وثمة بالطبع مفاعيل مناخ فكري ليبرالي عالمي، من النوع الذي لطالما كان قوي التأثير على “الإنتلجنسيا” العربية، والسورية منها طبعا.
… حتى إذا هل القرن الجديد بانتقال السلطة في البلاد وفق الطريقة المعلومة، ثم بروز البرجوازية الجديدة الذي تكرس رسميا في مؤتمر حزب البعث صيف عام 2005، لم يكن لدى الطيف اليساري السوري شيئا مهماً يقوله. فلنثبِّت هنا هذه الواقعة اللافتة: لم يكد يقال شيء في سورية عن مصير كل من الجمهورية والاشتراكية . هذا يعطي فكرة عن محدودية الفروق الفعلية بين مختلف التيارات الإيديولوجية في البلاد.
السنوات الأخيرة تظهر بجلاء عدم كفاية المقاربتين، الديمقراطية الليبرالية والشيوعية التقليدية. الأولى مشدودة النظر إلى الاستبداد الحكومي، فلا تكاد ترى التحولات الاقتصادية والاجتماعية، والثانية لا تكاد ترى مسألة السلطة، فتخفى عنها الصفة السياسية للاقتصاد في سورية (ولكل اقتصاد)، وفقا للمأثور الماركسي، أي ارتباطه بالطبقات والسيطرة الطبقية والسلطة السياسية. في المحصلة، لدينا نقد ليبرالي سياسوي، ونقد شيوعي اقتصادوي. وفي المحصلة أيضا نفتقر إلى رؤية وتحليل شاملين لأوضاع البلاد.
هذا يعيدنا إلى الحاجة إلى نقد مزدوج. نقد الواقع ونقد نقده الشيوعي الذي لم يعد مؤهلا على تطوير نقد شامل له. لكن كذلك نقد النقد الليبرالي الذي نعلم أنه ولد في وسط المعارضة السياسية اليسارية، وليس في وسط طبقة وسطى محلية، لم تكن موجودة إلا كمرتبة دخل.

في نقد الشيوعية
تمدُّ الاقتصادوية الشيوعية جذورها في مفهوم للاشتراكية متمركز حول المِلْكية، ساد حتى انهيار الشيوعية قبل عشرين عاما. إجرائيا، الاشتراكية هي تأميم وسائل الإنتاج أو تغيير ملكيتها لمصلحة الطبقة العاملة. وحيال هذا التقليص الإجرائي لم تُتِح “الماركسية اللينينية” التي فرضت عقيدة مقدسة فرصة للتساؤل عما إذا كانت الاشتراكية نظام ملكية مادية مساواتي، على ما كانت الحال في الاتحاد السوفييتي؛ أم هي ضرب من عدالة مالكين عامة، مادية وسياسية وثقافية، كما في الاشتراكيات الديمقراطية الغنية في شمال أوربا؛ أم أنها بالأحرى تملك اجتماعي عام للتغيير، بمعنى سيطرة عموم الناس على العمليات الاقتصادية والسياسية والمعرفية التي تشكل مجتمعاتهم وتحركها . من جهتنا، نتصور أن تملك التغيير أقرب إلى المثال الأعلى الاشتراكي. لا يكفي تغيير الملكية أو “نزع ملكية نازعي الملكية”؛ المطلوب الهيمنة الاجتماعية على التغيير، أو سيطرة المجتمع المستمرة على شروط حياته المتغيرة. لا يكفي الاشتراك في ملكية الموارد الاجتماعية، ينبغي كذلك تملك الدولة، أي مركب أجهزة التحكم السياسي الذي من شأن امتلاكه الخاص أن يولد لا مبالاة واغترابا معممين، وإن من وراء إيديولوجية مبالاة كاذبة على نحو ما كانت الشيوعية في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية.
لكن عدا تملك العمليات السياسية والعمليات الإنتاجية، يفترض لمفهوم تملك التغيير أن يحيل أيضا إلى السيطرة الاجتماعية على عمليات المعرفة وإنتاج المعلومات، أي كل ما يتصل بالاستيعاب المعرفي للحياة الاجتماعية. هذا يصطدم فورا مع تصور أن المعرفة الصحيحة مذخورة في مذهب بعينه أو في فكر متفوق على غيره لكونه يحتكر وحده صفة العلمية. ليس من المثال الاشتراكي في شيء أن تحصر الحقيقة في جسم محدد من المعارف يسوغ لمالكيه أن يحوزوا سلطة على غيرهم بفضل امتلاكهم له.
هناك صلة عميقة فيما نرى بين تصور الاشتراكية كنظام ملكية، وبين كل من خصخصة الدولة وامتلاكها حزبيا، وخصخصة الحقيقة وامتلاكها مذهبيا، صلة تمثل في التمركز حول الملكية. فإذا كان المثال الاشتراكي الذي يكثفه تعبير تملك التغيير هو ما يعرِّف اليسار، فإنه يتعين تمييز اليسار بكثرة من الممارسات النقدية والاحتجاجية والانشقاقية، ومن صيغ التعاون والتنظيم، لا بمذهب كلي تتمركز الحقيقة فيه، أو بتنظيم واحد قد يسمى شيوعيا أو لينينا. كثرة الممارسات تلك قد تتقارب وتتقاطع، لكنها لا تشكل معسكرا أو حزبا واحدا. وكما الاشتراكية ليست نظام ملكية، ليس اليسار حزبا سياسيا، ولا التوجه اليساري مذهبا أو إيديولوجية بعينها. إن تملك التغيير فعل مقاومة وكفاح، وليس نظاما قانونيا أو جهازا سياسيا أو “نمط إنتاج” اقتصادي.
نقد المذهبية الماركسية والشيوعية أساسي من وجهة نظر إعادة التفكير في مفهوم اليسار وهويته. موقفنا متهافت حين ننتقد الدور القيادي الذي يمنحه حزبٌ لنفسه تحكميا، ونسكت على الدور القيادي لنظرية معينة أو جسم محدد من المعارف في تشكيل وعينا والوعي العام. يسع السلطة المرجعية أن تكون مستبدة مثل السلطة السياسية أو أكثر استبدادا. فإذا زالت السلطة السياسية الاستبدادية وظل دستور السلطة المرجعية دون تغيير بقي مفتوحا باب التطلع إلى حكم استبدادي جديد.
على أن نقد المذهبية الفعال ليس ذاك الذي يُنوِّه بالانفتاح الفكري والروح النقدية، بل الذي يقابل المذهب بالروح المتوثبة، بانفعال مختلف وأكثر إقبالا على الحياة، بحساسية مغايرة، مُحِبّة وشجاعة. اليسار حساسية ونشاط وروح فتية وانفتاح على فوضى الحياة وتدفقها المتجدد دوما، وليس أفكارا ومواقف فقط، ولا هو نضال وعمل فقط.
في هذا أيضا لا نسجل فروقا ذات قيمة بين التيارات الإيديولوجية السورية المتحدرة من الجذع الشيوعي. القليل الموجود منها ليس في صالح الشيوعيين.
من هذا المنظور ليست الماركسية هي الشيء المهم بل الكفاح اليساري. ندافع عن فصل اليسار عن الماركسية أو فك الارتباط بينهما. اليسار عمل مفتوح، والماركسية مذهب أو نظام مغلق. يستطيع ماركسيون أو منسوبون إلى الماركسية أن يقولوا إن الماركسية مفتوحة، وأن بتصرفها منهجا يضمن انفتاحها الدائم اسمه “الجدل المادي”. غير أن هذا تقرير تحكمي لا سند عقليا أو تاريخيا له. بمجرد نسبة توجه فكري إلى أصل مشخص، ماركس، نكون أقمنا مذهبا وعقيدة، بنينا سياجا وأغلقنا أفقا مفتوحا.
لكن في الوضع العياني لثقافتنا والتفكير النقدي فيها، الوضع المتسم بضعف التيارات النقدية والتحررية، نجد في الاتجاهات الأكثر نقدية من التفكير الماركسي سندا واقعيا لتنشيط التفكير والحساسية والكفاح اليساري في الإطار العربي. العلاقة هنا علاقة تحالف وملاءمة جائزة، وليست علاقة مفهومية ضرورية منطقيا، تقضي بألا يكون اليسار إلا ماركسيا. يعزز فرص العلاقة الجائزة تلك وجود تراث كفاح ماركسي فعلي، سوريا وعربيا.
لكن ينبغي أن يفهم هذا الاستدراك على نحو ما يفهم دفاع اليساريين عن دور أوسع للدولة في الاقتصاد اليوم رغم تحفظهم المبدئي عنها وتطلعهم إلى زوالها. في الظروف العيانية المعاصرة يمكن للدولة أن تحمي القطاعات الأضعف اجتماعيا من الفعل المفقر والمهمش لآليات السوق العمياء. لا يعني هذا بحال أن اليسار دولتي مفهوميا وحتما.
نضيف أيضا أن الماركسية التي يمكن أن تكون سندا لنشاط يساري هي التحليل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الماركسي، وليس بحال “الفلسفة الماركسية” و”الجدل المادي”.

في نقد ليبراليتنا
ألمحنا فوق إلى أن الليبرالية ولدت في سورية في أوساط اليسار الشيوعي، المكون من مثقفين، لا في بيئة الطبقات والقوى الاجتماعية. هذا لكون الاشتراكية البعثية قلصت، لحين، الفوارق الطبقية المادية وعزلت كل الأحيان ما يحتمل أنه بقي منها عن السياسة والفضاء العام (المغلق والمحتكر)، فكان أن حلت محلها التمايزات السياسية والفوارق الإيديولوجية على نحو ما كان جرى في المعسكر الشيوعي أيضا؛ وكذلك لأن الطيف اليساري الشيوعي كان طوال ستينات القرن العشرين وسبعيناته، وربما بعضا من ثمانيناته مهيمنا ثقافيا، وعنوانا للحداثة الفكرية والثقافية، انضوى تحت لوائه حشد متنوع يتوزع اليوم على كامل الطيف الإيديولوجي، بما في ذلك نزعات نخبوية يمينية وأرستقراطية معادية للعامة، وبما فيها نزعات إسلامية وقومية متشددة، وبما فيها الغربوية والأميركانية الأكثر تطرفا، وبما فيها الستالينية وتناسخاتها.
بيد أن مفهوم الليبرالية قلما استخدم حتى سنوات خلت. فيما عدا اهتمام ياسين الحافظ في أواسط سبعينات القرن العشرين بـ”اللحظة الليبرالية” المفقودة في التطور السياسي والاجتماعي الاقتصادي العربي ، بقى مدرك الليبرالية خارج التفكير اليساري. لكن في وقت متأخر من الثمانينات عرّف إلياس مرقص الديمقراطية بأنها الليبرالية + مفهوم الشعب. يصعب القول مع ذلك أنه برز مثقفون ليبراليون أو تيار ليبرالي حقيقي في سورية في أي وقت. كانت ليبراليتنا “موضوعية” ، مبطنة في المطالب الديمقراطية.
غير أن انهيار الاتحاد السوفييتي ومعسكره الاشتراكي أدخل اليسار الشيوعي المستقل في أزمة فكرية عميقة، ما كان لها إلا أن تتفاقم بفعل كون أكثر المعنيين وقتها في السجون. لقد حصلت تغيرات كبرى دون أن يجري تفاعل فكري معها، بما كان من شأنه أن يوفر قدرا من تغطية فكرية وثقافية لها.
وعلى خلفية الأزمة المركبة هذه ينبغي أن يكون مفهوما جدا أن أول فرصة تماثل للعمل العام تسنت للسوريين (“ربيع دمشق” 2000- 2001) وعت نفسها بصورة أساسية بمفردات المجتمع المدني وحقوق الإنسان والحريات العامة. جسدت “المنتديات”، وقد كانت خلاصة “ربيع دمشق”، التقاء حاجتين أساسيتين: حرية الكلام وحرية التجمع، أي ما يضع مجتمعا ما على “خط الفقر السياسي” . إن لم يكن الإفقار السياسي الجائر الذي تعرض له المجتمع السوري أولى بالمعالجة من إفقاره المادي، ما كان للإفقار الأخير أن يبلغ حدوده الحالية لو كان السوريون أقل فقرا سياسيا. وعلى كل حال لا مجال لمقاومة هذا في ظل العيش “على الحديدة” سياسيا. علما أن الجوع للسياسة قد يحفز الطائفية بوصفها هي سياسة الحديدة أو صيغة استحواذ مرواغة على السياسة المحرمة .
في المحصلة يخطئ كثيرا جدا من يرى في مدركات المجتمع المدني وحقوق الإنسان والحريات العامة عناوين لسياسة أو تيار ليبرالي واع بذاته، أو من يأخذ على المثقفين والناشطين السوريين أنهم لا يحيطون بأصول وأدوار مفهوم المجتمع المدني ، ولا يتبين الوظيفة الديمقراطية والتحررية لهذه المدركات في الاستحواذ على السياسة وتوسيع المساحة السياسية الضيقة في البلاد، وبالطبع دورها في النقد السياسي.
ولذو دلالة أنه لم تبرز وقت “ربيع دمشق” لغات أخرى أبدا. ولم يستعد أحد اللغة الشيوعية. ويبدو لي أنها لم تستعد لاحقا، عام 2007 وما بعده بخاصة، إلا من باب التمايز ضمن الطيف المعارض ثم أكثر عنه، أي لإشباع مطلب الهوية الخاصة ، وليس لتحليل الواقع وبلورة سياسات ملائمة فيه. لم يطور منسوبو الشيوعية والماركسية أية تحليلات شاملة لتطور المجتمع والدولة والاقتصاد، والرأسمالية، في سورية. أبدا.
بفعل الإفقار السياسي الحاد الذي كان المجتمع السوري ضحيته، حازت المقاربات الديمقراطية المتمحورة حول مفهوم الاستبداد والمطالب الديمقراطية الخاصة بالحريات وحكم القانون قيمة تحررية منذ أواسط سبعينات القرن الماضي لم تحزها أية مقاربات أخرى. لكن البيئة السياسية والاجتماعية الاقتصادية السورية تتغير اليوم بتسارع، يُلزِم بإصلاح التفكير والسياسة الديمقراطية. كان الفراغ الفكري وقوة العطالة قد ساقا الفكرة الديمقراطية نحو صيغ حقوقوية وسياسوية ليبرالية في أوساطٍ حبسها تعطل التمايزات الطبقية في إطار إنتلجنسي أساسا، مفصول عن القوى الاجتماعية الجديدة بحواجز العزل السياسي والأمني والجيلي .
الشيء الذي لا يكفي تبينه اليوم، بل ويتعين إعادة بناء السياسة الديمقراطية عليه، هو التغيرات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة، المترتبة بخاصة على لبرلة الاقتصاد وهيمنة البرجوازيين الجدد، وظهور تنويعة من الليبرالية التسلطية النخبوية جدا واليمينية جدا والمقربة من السلطات جدا، ولا تبالي بالمبادئ الليبرالية من حريات ودستور وتقييد السلطة. هذا يُلزِم بإفساح مجال أوسع في تصور الديمقراطية لبعده الاشتراكي الذي كان سقوط الاشتراكية السوفييتية قد أتى عليه. مع ارتفاع معدل الفقر والهامشية والبطالة، مما هو معاين يوميا، ومما هو من المترتبات المعتادة على تحرير الاقتصاد، تغدو المقاربة الديمقراطية الموروثة أحادية الجانب أو ليبرالية محضا إن هي لم تتسع لاستيعاب هذه التطورات. يتحتم أن نتجه اليوم في اتجاه معاكس للذي سرنا عليه قبل نحو 35 عاما.
وإنما في هذا الاتجاه يمكن إعادة بناء الطرح اليساري. وعلى أرضية معلومات ومعطيات موثوقة لا يصعب توفرها اليوم بفضل وسائل الاتصال الجديدة. معرفيا، اليسار حليف الوقائع والمعلومات الكثيرة، وليس المضاربات الإيديولوجية العريضة.
وفي هذا الاتجاه فقط قد يمكن بناء تحليل شامل للواقع تمييزا عن تحليلات جزئية تعزل الاقتصاد عن السياسية والدين عن الدولة والخارج عن الداخل، فلا تتشكل حول كل منها غير إيديولوجيات جزئية تسهم في تعميم التجزؤ الاجتماعي والثقافي المتنامي في المجتمع السوري اليوم. يسار الأمر الواقع ليس غير مؤهل للاعتراض على التجزؤ السائر بل هو مندرج فيه بكل راحة بال، يخوض من موقعه الصغير معركة ليست له ضد أشباهه، ما من شأنه إدخال البهجة على قلوب الممسكين بأزمة السلطة والثروة في البلد.

خلاصة وآفاق
ماذا يمكن أن يستخلص من هذا التحليل المجمل؟ قبل كل شيء إن مواقع وأدوار أي فاعلين عامين محتملين تتحدد ضمن حقل سياسي ملموس وفي إطار استقطابات وصراعات واقعية. ليست كل المواقع ضمن هذا الحقل تتيح إحاطة أوسع وأشمل وبالمشكلات الاجتماعية والوطنية، ولا يتحدد موقع اليسار ضمنه بهوية محددة إيديولوجيا، بل بموقعه الفعلي وممارساته الفعلية في خريطة الصراعات الجارية. و”القوانين العامة” لتطور الحقل السياسي في سورية يحددها الموقع الهائل الذي يشغله نظام الحكم ضمنه. هذا يتسبب في إشغال قضايا الحريات العامة وحكم القانون مكانة كبيرة. لكن في السنوات الأخيرة وتحت تأثير لبرلة الاقتصاد تظهر أشكال من السلطة الطبقية مندمجة مع سلطة الدولة، بما يُلزِم بإعادة بناء السياسية اليسارية حول هذا التحول. هذا يوجب انشغالا أوسع بـ”المسألة الاجتماعية”، وإحياء المكون الاشتراكي في الفكرة الديمقراطية.
وضمن الحقل السياسي السوري لدينا استقطابان آخران يزيدان التحليل تعقيدا. استقطاب أول حول جملة القضايا والصراعات المتصلة بالمسألة الفلسطينية والمشكلة الإسرائيلية والهيمنة الأميركية، جملة ما كان يسمى قبل حين “المسألة القومية”؛ واستقطاب ثان حول الصراعات والتوترات المتصلة بالدين وعلاقاته بالدولة والقانون والتعليم والثقافة، أي المسألة الدينية.
فإذا كانت النواة الدلالية الأساسية لمفهوم اليسار تحيل على “المسألة لاجتماعية”، فماذا يحتمل أن يكون حال الهوية والدور اليساريين في حقل سياسي تحضر فيه ثلاثة مسائل كبرى إضافية؟ وهل من معادلة ذهبية يمكن بلورتها لربط المسائل الاجتماعية والسياسية والقومية والدينية بحيث يكون الكائن اليساري في أحسن تقويم؟
هذا غير ميسور فيما نرى. اليسار يكون أصلح ما يمكن حين نكون في “وضعية يسارية”، تشغل المسألة الاجتماعية مركز ثقل العمل العام أو تتصدر أجندته. حين تكون ثُلث المشكلات أو رُبعها يتأثر وضوح الفاعلية اليسارية ويتراجع النجوع التحليلي والسياسي لثنائية يسار ويمين. وبينما لا يستطيع أي يساريين محتملين أن ينأوا بأنفسهم عن مشكلات عامة أيا تكن بذريعة اختصاصهم بالمسألة الاجتماعية، فإنه ليس من الحظ الطيب لليساريين حضور مشكلات أخرى، لا بد أن تتحكم بوجهة ومضمون يساريتهم والحيز الذي يشغلونه في الحياة العامة في بلدانهم والمحصول المحتمل لعملهم. لا يكفي القول إن اليسار ديمقراطي حتما، وقومي حتما، وعلماني حتما، فوق كونه اشتراكيا طبعا. في النشاط العملي في بلداننا، يحصل أن تتعارض مقتضيات الاشتراكية مع مقتضيات الديمقراطية، وموجبات هذه مع موجبات العلمانية، وموجبات العلمانية مع اعتبارات وطنية أو “قومية” قد تضع اليساريين المفترضين في موقع قريبة من مواقع إسلاميين. هنا أيضا ليس ثمة مفتاح ذهبي لسياسة يسارية متسقة حيال هذه المشكلات معا.
ما نستخلصه من ذلك أن السياسة اليسارية سياسة مثل غيرها، لا تتوفر على ضمانات أكثر من غيرها لأن تكون السياسة الأنجع. ومن الانتهازية المميزة لأصحاب العقائد جميعا أن تمارس السياسة وراء ظهر العقيدة، وأن ترفع العقيدة فوق رأس السياسة.
وفي هذا الشأن نرى أن فرصة سياسات أقل تخبطا وانتهازية ربما تكون أكبر بقدر ما تكون الثقافة ناهضة مزدهرة. الثقافة مجال عام، وأحد أسس قيام إجماعات عامة تحد من الميل الانقسامي الكامن في كل المجتمعات، والناشط في مجتمعاتنا هذه الأيام. في غيابها، اليسار معرّض لأن يكون إيديولوجية فقيرة، مثل غيرها أو أفقر. قول ذلك ضروري لأننا نلحظ انبعاث عادة يسارية سيئة بقدر ما هي عريقة، تشبه كثيرا عقيدة “الولاء والبراء” السلفية، وتقضي بأن أي يساري أقرب إليّ مهما يكن غثا رثا من غير اليساري، ولو كان محمود درويش أو نجيب محفوظ.
هذا عمى وعصبوية.
وبمناسبته نتساءل عما إذا لم يكن لدينا مشكلة ثقافية تضاف إلى المشكلات الاجتماعية والسياسية والقومية والدينية.
ختاما، يبدو أن هناك اليوم موجة تعاف عالمية لليسار، تتمثل في ازدهار التفكير النقدي المنخرط اجتماعيا والأنشطة الاحتجاجية، والعود إلى مساءلة الرأسمالية. قد لا تتيح لنا نوعية مشكلاتنا العامة المعاصرة المرغوبة لهذه الموجة، إلا أننا نكون معاصرين لمشكلاتنا بقدر ما نحرص على الروح النقدية والانخراط في صراعات اليوم في مجتمعاتنا، ونتجنب بخاصة الدخول في الأزقة المسدودة للمعتقدية والحزبية الضيقة.
*****
1- تنظر مقالتي: في أصول نظام الاستثناء السوري: محاولة ماركسية، جريدة “الحياة”، 9/3/2008.
2- مستندا إلى التراث السياسي لبلاده، يميز الفيلسوف الأميركي ريتشارد رورتي بين مفهوم دستوري للديمقراطية ومفهوم مساواتي لها، هي في الحالة الأولى نظام حكم، تكون السلطة فيه بيد مسؤولين تم انتخابهم بحرية، بينما تشير في الحالة الثانية إلى مثال اجتماعي ضامن للمساواة في الفرص وموجه ضد التمييز الاجتماعي. مقالته: الديمقراطية والفلسفة، مجلة الفكر العربي المعاصر، العدد 151-151، ربيع 2010. والمقالة أصلا محاضرة ألقيت في طهران في نيسان 2004. تنظر أيضا مقالتي: وجهان اشتراكي وليبرالي للنقد الديمقراطي، “الحياة”، 13/1/2008.
3- الواقع أن برهان غليون تكلم في كتاب حواري عن وضع الفكرة الاشتراكية العام وعن صلتها الوثيقة بالديمقراطية، لكن ليس في سياق تحولات اقتصادية واجتماعية سورية كانت وقتها غير ملحوظة، ولا في سياق تناول سياسة نخبة الحكم ووضع إيديولوجيتها وهياكلها السياسية. الخيار الديمقراطي في سورية، إعداد وحوار لؤي حسين، الطبعة الأولى، دار بترا، دمشق، 2003. بخاصة ص ص 9- 37. عدا ذلك لا شيء تقريبا.
4- سبق أن ميزت في هذا المنبر بين تغيير الملكية وتملك التعيير. الآداب، العدد 1/2، 2005. ملف الشيوعية العربية بين الواقع والمرتجى.
5- من مقدمة عبد الإله بلقزيز لـ الأعمال الكاملة لياسين الحافظ، الطبعة الأولى مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2005؛ ص 30.
6- الواقع أنه ظهرت بعد عام 2003 مجموعات نسبت نفسها إلى الليبرالية، لكنها ليست من الجذع اليساري القديم، وتشترك في أنها قريبة سياسيا إلى النظام وبرجوازيته الجديدة، وأنها تلاشت بالطريقة الغامضة ذاتها التي ظهرت بها. تراجع مقالتي: “بين ليبراليتين في سوريا: “ليبرالية موضوعية” بلا وعي ذاتي، و”ليبرالية ذاتية” بلا شروط موضوعية”. متاحة على الرابط:
http://www.yalhajsaleh.com/2009/12/blog-post_8670.html
7- تراجع مقالتي: في مفهوم خط الفقر السياسي، الحياة، 15/12/2004.
8- في دراسة رعتها الأمم المتحدة عام 2004 تبين أن نسبة من يعيشون دون خطر الفقر الأدنى (أقل من دولار أميركي واحد في اليوم) تقارب 11,4% من السكان، ومن يعيشون دون خط الفقر الأعلى (دولارين يوميا) حول 30%. ينظر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي: الفقر في سورية 1996-2004، حزيران 2005. الأرقام اليوم أعلى بلا ريب. عدد السكان اليوم نحو 23 مليونا
9- مقالتي: الطائفية كحصيلة للفقر السياسي وكحد له. “الحياة”، 28/12/2008.
10- على ما استطاع عزمي بشارة قوله في التلفزيون السوري عام 2001، وكذلك عزيز العظمة وفيصل دراج في مقالة لهما في جريدة “الحياة” في 29/6/ 2001.
11- لا ريب أن لأزمة المعارضة السورية، متمثلة بائتلاف “إعلان دمشق”، دور في عودة اللغة والرمزيات الشيوعية. ولعل التكوين الشيوعي التقليدي المعادي للغرب يستفيد كذلك من انتعاش ثقافة الممانعة ومناخاتها في البلاد في السنوات الأخيرة. لكن يبقى أن من الممتنع في تقديري خروج الشيوعية من وضع “العصبة” المغلقة إلى وضع الطرف المبادر والقادر على بلورة سياسات عامة على المستوى الوطني.
12- أتجنب عامدا التعيين لاعتبارات ذات صلة بالتكوين المستقطب بشدة راهنا للحقل السياسي والإيديولوجي السوري. وبأمل أن أتمكن يوما من إنجاز بحث مفصل عن مسارات الطيف اليساري السوري خلال العشرية الماضية.
خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى