صبحي حديديصفحات العالم

أحدث حروب أمريكا في أفغانستان: الثكنة ضدّ البيت الأبيض

null
صبحي حديدي
البعض ذهب إلى حدّ اعتبارها البرهة الفاصلة الكبرى في حياة القائد العسكري الأعلى في الولايات المتحدة الأمريكية، الرئيس باراك أوباما؛ وأنها شبيهة تماماً بتلك البرهة التي عاشها سلفه هاري ترومان، سنة 1951، حين أعلن إعفاء الجنرال دوغلاس ماك آرثر من قيادة القوّات الأمريكية في جنوب شرق آسيا، على خلفية خلاف الأخير مع البيت الأبيض حول الستراتيجية الأفضل لإنهاء الحرب الكورية. هكذا ينبغي أن يتصرّف أوباما مع الجنرال ستانلي ماكريستال، قائد القوّات الأمريكية ـ وكامل قوّات الأطلسي، أيضاً ـ في أفغانستان، بعد المادّة الصحافية المثيرة التي نشرتها مجلة ‘رولنغ ستون’ الأمريكية، وأظهرت الجنرال وهو يسخر من كبار مسؤولي البيت الأبيض؛ ابتداء من أوباما نفسه، مروراً بنائبه جو بايدن، دون توفير مستشار الأمن القومي الأمريكي جيمس جونز، والمبعوث الأمريكي الخاص إلى أفغانستان والباكستان ريشارد هولبروك، والسفير الأمريكي في أفغانستان الجنرال المتقاعد كارل آيكنبيري.
وبالفعل، اقتدى أوباما بأمثولة سلفه ترومان، فأعفى الجنرال من موقعه القيادي، أو قبل استقالته على نحو ما، مشدداً على أنّ سلوك ماكريستال لم يكن يلبي المعايير التي يجب أن يهتدي بها القائد العسكري، وهو سلوك يهدد مبدأ سيطرة السلطة المدنية على الجيش. الفارق الجوهري، مع ذلك، كان أنّ الخلاف الجوهري حول خيارات ستراتيجية كبرى هو الذي كان الحافز وراء قرار ترومان بإعفاء ماك آرثر، في حين أنّ أوباما كان متفقاً تماماً، ما خلا تفاصيل غير أساسية وغير حاسمة، مع ستراتيجية ماكريستال في أفغانستان، والتي اقترحها الأخير على البيت الأبيض استجابة لطلب الإدارة الجديدة، وتمّ الإعلان عنها في أيلول (سبتمبر) العام الماضي.
والحال أنّ الأصوات التي طالبت بإعفاء الجنرال من موقعه القيادي في أفغانستان كانت قد ارتفعت منذئذ، بمناسبة تسرّب النقاط الرئيسية في خطة ماكريستال وتقييمه العام للوضع العسكري على الأرض، ولا سيما إلحاحه على ضرورة زيادة عدد القوّات الأمريكية بما يكفل تكرار نجاح خيار ‘الاندفاعة’ كما طُبّق في العراق. ولقد قيل يومها إنّ العسكر يحاولون إحراج القيادة المدنية لاتخاذ واحد من قرارين، كلاهما غير شعبي في الواقع: إما تلبية طلب الزيادة (وماكريستال أوصى، آنذاك، بعدد يتراوح بين 30 إلى 40 ألف مقاتل)؛ وإما رفض الطلب، والظهور بمظهر المتسبب في مزيد من التعثر والفشل والخسائر. صحيح أنّ أوباما لم يرسل، بعد، كامل العدد الذي أراده الجنرال، إلا أنه أضاف حتى اليوم 12 ألف جندي إلى القوّات الأمريكية في أفغانستان.
بعض التفاصيل الأخرى في خطة ماكريستال (والتي لم يضعها، للإنصاف، دون التشاور مع رهط من كبار الخبراء الأمريكيين في الشؤون السياسية والجيو ـ ستراتيجية)، كانت تسير على غير ما رأى ـ ويرى اليوم، أيضاً ـ هؤلاء الذين تعمّد الجنرال أن يلسعهم بسياط ملاحظاته الساخرة، في مجلة ‘رولنغز ستون’. ما يسوّغ ترجيح التعمّد والتقصد، وليس الهفوات وزلات اللسان، هو أنّ ماكريستال ليس غبياً ولا متهوراً ولا ثرثاراً، في العادة، بل هو نقيض هذه الصفات جميعها، إذا وضع المرء جانباً حقيقة أنه عسكري مثقف، درس العلاقات الدولية في هارفارد، وتميّز سلوكه مع الإعلام بالتقشف والانضباط الشديد. وبمعنى ما، كان الجنرال ينتظر ضربة قاضية، تطيح به وببعض أبرز تفاصيل خطته، آتية من الرباعي بايدن وجونز وهولبروك وآيكنبيري، فاستبق هؤلاء، وضرب من الثكنة قبل أن يضربوا من البيت الأبيض!
ذلك لأنّ معالم فشل تلك الخطة أخذت ترتسم تدريجياً، وعلى نحو مضطرد متعاقب، في عدد من الجوانب السياسية، المحلية والإقليمية، والجوانب الأخرى العسكرية والعملياتية، وفي طليعتها مبدأ ‘المهامّ الأربع’ الذي حدّده ماكريستال للحملات العسكرية القادمة، بعد زيادة القوّات: الاستيلاء، التطهير، الإمساك، والبناء. ولقد توهم الجنرال أنّ استيلاء جنوده على أية منطقة أفغانية سوف يفضي بالضرورة إلى تطهيرها من ميليشيات الطالبان أو أنصارهم؛ كما سيتيح الحفاظ عليها فترة زمنية كافية، في المدى المتوسط أو حتى البعيد، لبناء مرافقها وخدماتها، أو حتى إعادة تشكيل تحالفاتها القبلية؛ وصولاً إلى وضعها نهائياً في رصيد سلطة كابول المركزية، وضمان ولائها للقوّات الأمريكية. وعلى امتداد الأسابيع والشهور، كانت الوقائع تكذّب آمال الجنرال، وتبرهن على العكس تماماً، أي تعزيز مواقع الطالبان، وضعف السلطة المركزية.
وفي البرقية الشهيرة التي أرسلها، وتسرّبت بعدئذ إلى الصحافة ليس عن طريق المصادفة كما يتوجب أن يتخيّل المرء، أشار السفير آيكنبيري (وهو، للإيضاح الدالّ، قائد ماكريستال السابق في أفغانستان) إلى اعتبارَين عمليين يحولان دون تحقيق نجاحات ملموسة في خطة الأخير: 1) أنّ أيّ تصعيد عسكري أوسع نطاقاً سوف يجعل الجيش الأفغاني أكثر اعتماداً على القوّات الأمريكية، وسيؤخّر بصفة ملموسة آجال اعتمادها على ذاتها، فضلاً عن آجال انسحاب القوّات الأمريكية والأطلسية من البلاد؛ و2) أنّ الحملات العسكرية المضادة تتطلب شريكاً سياسياً أفغانياً قوياً، يضمن تنفيذ اثنتين على الأقلّ من المهامّ الأربع، أي الإمساك والبناء، في حين أنّ الرئيس الأفغاني حميد كرزاي سرق الإنتخابات الرئاسية، ولا يُعتمد عليه، وسوف يقود الولايات المتحدة إلى مستنقع لا خلاص منه. وفي مستوى آخر أساسي من خطته في تصعيد الحملات العسكرية، استهدف ماكريستال ‘اقتلاع جذور’ الطالبان ومختلف حلفائهم من فصائل ‘المجاهدين’، عن طريق غزو مساحات واسعة من مناطق البشتون في جنوبي شرق، وجنوبي غرب البلاد. ولم تسفر نتائج أولى العمليات في هذا المستوى عن حصيلة هزيلة تماماً، فحسب؛ بل لقد استولدت المزيد من عداء قبائل البشتون، المعروفة بولائها لنظام كرزاي بنسبة تتجاوز 80 بالمئة في بعض التقديرات. الخطر التالي، الكامن في تبدّل الولاءات القبائلية عموماً، والبشتون بصفة خاصة، هو تمهيد الأرض لاحتمالات الحروب الأهلية المصغرة، ثمّ الشاملة، بين الطاجيك والأوزبيك والهزارا.
ولم يمضِ زمن طويل على تحالف الطالبان مع ‘الحزب الإسلامي’، بزعامة رئيس الوزراء الأفغاني الأسبق قلب الدين حكمتيار، في تنفيذ سلسلة من العمليات والكمائن ضدّ القوّات الاجنبية؛ لكنّ حكمتيار يتمتع اليوم برضا تامّ من كرزاي، الذي يريد تلميع صورة خصمه السابق على المستوى الأفغاني، وتبييض صفحته في ناظر أوروبا والولايات المتحدة، بما يفيد تكتيكاته السياسية الآنية. وفي المقابل، بسبب عواقب خطة ماكريستال في صفوف البشتون، قد يحلّ سريعاً ذلك اليوم الذي سيشهد عودة حكمتيار إلى التحالف مع الطالبان، وكأنّ الزمن لم يمرّ على أحد، ولا شيء تبدّل أو تحوّل! أكثر من هذا، اعترفت إحدى لجان التحقيق في الكونغرس بأنّ أمريكا تموّل الطالبان بصفة غير مباشرة، وذلك عن طريق سداد أموال طائلة لشيوخ القبائل المحليين كي يضمنوا سلامة القوافل العسكرية؛ وسبيل هؤلاء في تأمين ذلك الضمان ليس سوى… رشوة الطالبان!
واليوم، ما الذي سيكون في وسع الجنرال دافيد بترايوس، بديل ماكريستال، أن يقوم به في أفغانستان؟ ألم يكن القائد الجديد هو، نفسه، منظّر وصاحب خيار زيادة القوّات، وتنفيذ ‘الاندفاعة’ في العراق؟ ورغم اختلاف الشروط في البلدين، على أكثر من صعيد، كيف للجنرال الجديد أن يكون أكثر نجاحاً من الجنرال القديم، ما دامت السياسات ذاتها سارية المفعول، والخطة قائمة وقيد التطبيق؟ وأيّ تغيير هذا الذي طلع به أوباما، رئيس التغيير، إذا كان مستخرجاً من خزائن سلفه جورج بوش الابن؟ وهل هذه هي الخطوة الأولى على طريق ارتداد أوباما عن وعوده الإنتخابية بصدد أفغانستان، بما في ذلك أجل الإنسحاب من البلد في أواسط 2011؟
ثمة، إلى هذا، تلك الأسئلة الأخرى التي تخصّ حقائق أفغانستان: أنّ البلد يأتي في المرتبة الخامسة بين الدول الأفقر في العالم، ولكنه أحد أكبر مراكز إنتاج الأفيون وتهريبه؛ وقد عانى شعبه من ويلات حروب أهلية طاحنة متعاقبة، وعداوات مستحكمة، قديمة وحديثة ومتجددة؛ وتشابك خرائط القوى والفرقاء، عسكرية كانت أم مذهبية أم قبائلية، وطبائع ارتباطاتها بالخارج. والبلد يحتل موقعاً ستراتيجياً مكيناً، بين الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وشبه القارة الهندية، ويجاور الجمهوريات الإسلامية السوفييتية السابقة، والصين وإيران وتركيا، فضلاً عن الباكستان؛ الأمر الذي جعله مسرحاً لما عُرف باسم ‘اللعبة الكبرى’ بين التاج البريطاني وقياصرة روسيا؛ وسلسلة الألعاب بين واشنطن وموسكو خلال سنوات الحرب الباردة، والتي دفعت الأخيرة إلى غزو البلد، كما حضّت الثانية على صناعة ‘الأفغان العرب’، حيث سينقلب السحر على الساحر!
وهكذا فإنّ الأسئلة القديمة أعادت إنتاج نفسها تباعاً، وكأننا أخذنا نعيش مرحلة ما بعد انسحاب الإتحاد السوفييتي وسقوط نظام نجيب الله: أيّ أفغانستان يريد العالم بعد سقوط نظام الطالبان؟ وإذا فشلت معظم المجموعات القبائلية والإثنية في رأب الصدوعات الداخلية، فهل ستواجه البلاد مخاطر انقسام الأمر الواقع، وفق خطوط إثنية ومذهبية وقبائلية تُجهز على ما تبقّى من وحدة إجتماعية ـ سياسية في طول البلاد وعرضها؟ هل ستبادر أية قوّة إقليمية (الباكستان؟ إيران؟ روسيا؟) إلى ‘لَبنَنة’ أفغانستان على غرار ما فعل النظام السوري في لبنان؟ أو ربما ‘عرقَنة’ البلد، كما صار العالم يقول، بعد اتضاح مخاطر تقسيم العراق؟
وكما شهدت أفغانستان سيرورة اتساع المستنقع الذي غرق فيه الجيش الأحمر السوفييتي، ها أنها تشهد سيرورة المستنقع المعدّ للقوّات الأمريكية والأطلسية، ومكوّناته تبدأ من حروب العصابات وحروب الطوائف وحروب القبائل وحروب الأفيون، ولا تنتهي عند… حروب الجنرالات. وأياً كانت عوامل التباين، فإنّ أفغانستان الراهنة تذكّر كثيراً بأفغانستان ما بعد انسحاب السوفييت في عام 1989، فلا يضاهي الإضطراب السياسي الشامل سوى الفوضى العسكرية المنطوية على كلّ المخاطر.
ثمة مَنْ يرى في إعفاء الجنرال ماكريستال والإتيان بالجنرال بترايوس واقعة جديدة في تخبّط، وربما ارتطام وتصادم، فريق أوباما الصانع للسياسة الخارجية؛ وهو المآل المنطقي الناجم عن ميل الرئيس الأمريكي نفسه إلى تكوين ‘تحالفات’ ضمن الفريق ذاته، وليس مجموعات متجانسة، بهدف ‘تنويع’ المقاربات والخيارات، وربما الستراتيجيات ذاتها، خلف السياسات العريضة المعتمدة. وأصحاب هذا الرأي لا يترددون في الجزم بأنّ الحصيلة كانت كارثية حتى اليوم، بصدد العراق وأفغانستان وفلسطين وإيران وتركيا والعالم الإسلامي بأسره، ثمّ الصين واليابان وأوروبا…
وبالطبع، من نافل القول أنّ الحصيلة الأخرى، الموازية، هي إعادة إحياء سياسات الإدارة السابقة، وإعادة إنتاج مآزقها، هنا وهناك في العالم، وردّ عقارب الساعة إلى ما قبل أداء القسم الرئاسي، حين بدت وعود التغيير بمثابة بارقة أمل تخصّ العالم بأسره، وليس أمريكا وحدها. وبعض تلك الحصيلة أن يقتدي الجنرالات بمبدأ ‘الضربة الإستباقية’ الشهير، الذي دشّنه بوش والمحافظون الجدد في الإدارة السابقة، وأن لا تكون ميادين المواجهات الضارية مقتصرة على ساحات الوغى، بالضرورة!
‘ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى