صفحات مختارة

السعادة مسألة في غاية السياسة

باتريك فيفريه
في أواخر شهر آذار المقبل، تنظم صحيفة «ليبيراسيون» مؤتمرا حول مفهوم السعادة، ويبدو مبررا التساؤل حول شرعية مؤتمر كذا، على ضوء مأساة كتلك التي ما زال الهايتيون يعانون من تشريدها لهم وتقطيعها لأوصالهم وأوصال دولتهم الهشّة أصلا. لكن الجواب يأتي أكثر ايجابية بعد كارثة طبيعية، منه بعد المآسي اللامتناهية التي تسببها الإساءة البشرية للبشر. ففي الحالة الأخيرة، يطغى الاشتباه بأن رؤية معيّنة لسياسة السعادة أو ايديولوجيتها، هي المسؤولة عن ولادة جحيم من رحم نيات حسنة.
يقول الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال «كل إنسان يريد السعادة، بما في ذلك من يعلّق مشنقة لنفسه»، ولا سبيل أفضل من هذا للتعبير عن نزعة جذرية تغالب الأسى وتغلبه في قلب التراجيديا الإنسانية. لكنه من غير الجائز حدّ هذه النزعة، في الطالع الحسن، ولا ضدها الملازم لها، بسوء الحظ. فالسعادة تفترض حرية ممكنة، وكما تبطن كلمة «فيليسيداد» الإسبانية، طوقا نحو الفرح بالحياة، ونوعية الحضور بكثافة العيش.
اليد الخفية
وبعد هذا التوضيح اللغوي، يبقى من الضروري الإجابة عن الاعتراض القائل بعدم انتاجية السعادة كمفهوم جماعيّ عام. وتزداد قوة هذا الاعتراض، بكونه صادرا عن طرفين متضاربين. فهو اعتراض اقتصادي، بصفة ليبرالية، يعبر عنه اليمين. وهو سياسي أيضا، بسمة ديموقراطية يترجم على ألسنة اليسار.
الاعتراض الاقتصادي الاول، يقبع في جوهر الأنتروبولوجيا الحاضنة لليبرالية الاقتصادية، ويعبر عنه بالطريقة الأكثر جذرية برنارد دو ماندفيل في مقولته الشهيرة التي ارتكز عليها أدام سميث: ليس من حاجة إلى الولوج في صعوبات بناء الخير المشترك والمجتمع الخيّر، بما أن «الرذائل الخاصة تشكل الفضائل العامة». وكما بيّن دانييل كوهين في كتابه «ازدهار الرذيلة»، فإن هذه الفرضية الأنتروبولوجية عينها تحكم النموذج الغربي، وتحمل مفهوم يد السوق الخفية التي طرحها سميث.
لكن الإشكالية، كما يبينها البرت هيرشمان في كتابه «الاهواء والمصالح»، تكمن في أن أحقية هذه «المسلّمة» تفترض نظرية للاهواء الإنسانية. وعندما تبني الليبرالية الاقتصاد على هذه المسلّمة، متجاهلة أن ال«Homo sapiens demens» J (انسان العقل والهذيان) بحسب عبارة ادغار موران، لا يمكن حدّه بصفة الـ«Homo economicus» (انسان الاقتصاد)، او الفرد الحاسب لمصالحه بعقلانية كاملة، تدخل في مسار فكري خاطئ، ينتهي بتدمير الرابط الاجتماعي.
أضف على ذلك، ان هذا النموذج الغربي لا يقوم إلا مع استمرار تواجده في مجتمعات مســيحية ثــقافيا، حيث تتم موازنته بقيم اخلاقية تحد من ابعــاده المدمرة اجتماعيا. وما إن يهن ثقل البيئة الثقافيــة المسيحية، حتى يتحول رأسماليو الفضيلة من أتباع الادخار والاستثمار، إلى رجال أعمال منتفعين، عملاء في اقتصاد مضاربة يؤول آخر الأمر إلى الانفجار. علاوة على أن الأعوام الأخيرة قد برهنت أن النموذج هذا بعيد عن الاستدامة البيئية.
لهذه الأسباب، عادت مسألة الرفاهية والسعادة، إلى الاقتصاديين انفسهم، واقترحت اللجنة التي يترأسها جوزيف ستيغليتز وضع مؤشرات رفاهية العيش في صلب عملية قياس الثروات. ذلك النموذج الرأسمالي الرافع لشعار «المزيد دائما»، ليوازن الضـغط النفسي، والتسابق والمنافسة المتواصلين، والتدمير البيئي، بوعود تواسي الأفراد بالترويج لاستهلاك يفترض به أن يجلب السعادة، والجمال والصداقة والصفاء، عجز فوق عجزه عن الالتزام بحدود بيئية مقبولة.
الأداة المثلى
لكن الالتزام بهذه الحدود، والخروج من نمط الإفراط، بلا تعويل على استبداد يفرض ذلك، ليس ممكنا إلا إذا قام بالتوازي على مفهوم لنوعية الحياة الأفضل. ويجب إذاً ان يكون الاعتدال «سعيدا»، كما يقول بيار رابحي، وإلا فسنصبح أشباه مدمنين يطرح عليهم علاج للإقلاع عن عادتهم: إن لم يتكون لديهم أمل بحياة أفضل، فسيفضلون الاستمرار في إدمانهم. تعود إذاً مسألة السعادة، من بوابتي الاقتصاد والبيئة إلى كونها استحقاقا اجتماعيا، لا فرديا فحسب. لكن، ما موقعها من السياسة؟
هنا تتوجب مخاطبة الاعتراض الثاني، الذي سميناه ديموقراطيا، والذي يبدو للوهلة الاولى أصلب أسسا من سابقه، فرجل الثورة الفرنسية ســان جوست هو نفسه الذي أطلق عبارة: «السعادة فكرة جديدة في اوروبا»، وهو الذي لعب دورا أساســية في حقبة «الرعــب» الــثوري. كما يكفي النظر إلى استخــدام الســتالينية والماوية لمفهوم السعادة، للاقتناع بان التساؤل مشروع في هذا السياق.
لكن، أليس الفعل الاستبــدادي المسؤول الحقيقي عن خلل السياسة الاستبدادية التي تستخدم السعادة أداة؟ مؤكد ان الكثافة العاطفية التي تعبر عنها النزعة إلى السعادة، تشكل هدفا سهلا للعملية الاستبدادية، لكن ذلك ينطبق ايضا على النزعات إلى الحرية، والمساواة والمحبة. فهل سنتوقف عن طرح هذه المسائل في المساحة العامة، بحجة أن الرأسمالية استخدمت الحرية، والاشتراكية البيروقراطية استخدمت المساواة، والدين استخدم المحبة؟ تخلينا عن هذه النزعات، بحجة انها تستخدم في أطر استبدادية، سيؤدي إلى تعزيز استبداد آخر، أكثر تورية، وهو ذلك الذي تعبر عنه مشاهد السعادة الإعلانية في مجتمعات السوق.
وإذا كان هناك من خطر فعلي كامن في استملاك استبدادي للقيم الأساسية، فليس أقدر من الديموقراطية على درئه. لكن بديموقراطية غير محدودة بشكليتها العددية، لان هذه الضمانة ليست كافية لردع الانزلاقات الاستبدادية او المذهبية، كما أظهر مؤخرا، الاستفتاء السويسري حول منع بناء المآذن. ما نحتاج إليه، هو تحول نوعي نحو ديموقراطية تبنى بالمواطنة. ما يعرف هذه الديموقراطية هو قدرتها على قبول الاختلاف والتعامل معه، لتصبح فنّا في تحويل العدو الذي نتمنى القضاء عليه، إلى شريك ـ خصم، نبني معه الاختلاف في مساحة يشكل فيها الصراع بديلا عن العنف.
جامعو الطاقة
لا يكفي إذاً أن نزيد عدد المواطنين المعنيين بالديموقراطية، بل يجب العمل على تحول نوعي لها من خلال التربية الشعبية المواطنة، وبناء انماط تداولية، باستخدام حكيم للاختلافات والخلافات. هذه النوعية الديموقراطية، تشكل جوهر البديل عن ظاهرة «الركاكة في الحكم» التي تشد الديموقراطية نحو الأسفل. لا نستطيع بعد الآن، في مرحلة تاريخية تزداد اهميتها لمستقبل الإنسانية، يوما بعد يوم، أن نتكبد استمرار ميكانيكية تختار المسؤولين على أساس مساوئهم أكثر من محاسنهم.
نحتاج اليوم، إلى مسؤولين قادرين على الرؤية، حيث يعطي نظام «الركاكة» الاولوية للمدى القصير، وقادرين على حسن الاستماع حيث يدفع النظام نحو الصمم، ليظهروا قدراتهم في الجمع وتوحيد الطاقات، لا نزعاتهم نحو الهيمنة والهوس النرجسي. بعبارة أخرى، نحتاج إلى مسؤولين يكونون هم في سلام كاف مع انفسهم، ليتوقفوا عن البحث اليائس عن إدمان السلطة او المال، دواء لتعاستهم. بالفعل، عادت مسألة السعادة بارزة في لوحة السياسة.
(عن «ليبراسيون» 29/01/2010)
تعريب: مازن السيد
السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى