صفحات ثقافية

الفنّ عندما يتحوّل أداة إيديولوجية

null
إيلي حداد
تتشارك الانظمة التوتاليتارية على أنواعها، من شيوعية الى فاشية الى دينية، في محاولتها تسخير الفنّ ضمن إطار مشروعها السياسي الايديولوجي. وهذا ما ظهر خلال القرن العشرين بشكل معبّر في التجربتين السوفياتية والنازية. في هذا المقال، أردت أن أركّز على مظاهر الفنّ النازي الذي طغى على المخيلة الالمانية في حقبة الثلاثينات من القرن الماضي وحتى نهاية الحرب، عندما تم تحريم منتجات هذا الفنّ وإرسالها الى المستودعات.
بالطبع تتميز التجربة النازية، وإن كانت شبيهة جداً بالتجربة السوفياتية على أيام ستالين، بأنها اقترنت بشغف أدولف هتلر بالفنون. وكان لهتلر اهتمامات فنية لم تترجم عملياً بسبب رسوبه مرّتين في الانضمام الى كلية الفنون الجميلة في فيينا، لدراسة الفنّ في المرة الاولى، والهندسة المعمارية في المرة الثانية. بالطبع تركت هذه التجربة مرارة في نفس “الفوهرر”، أي الزعيم، الذي كان يرى في شخصه تجسيداً للقدرات الابداعية لدى الشعب الالماني “العظيم”. وقد اعتبر الزعيم أن الفن هو أحد المكوّنات الأساسية لإعادة بناء الأمة الألمانية وتكوين “الامبراطورية الثالثة”، كتتويج للأمبراطوريتين السابقتين، الامبراطورية الرومانية المقدسة في العصور الوسطى والامبراطورية الالمانية في القرن التاسع عشر.
في أحد تصريحاته، عبّر هتلر عن أهمية الفنّ في تجسيد روح الأمة: “الفنّ هو قضية نبيلة. إن الذين اختارهم القدر ليظهروا روح الشعب، ليجعلوه يتكلم بلغة الحجر أو بترانيم الاصوات، هؤلاء يعيشون تحت سيطرة قوة كبرى، شاملة، مطلقة. إنهم يتكلمون لغة، بغض النظر عمّا إذا كان الآخرون يفهمونها. إنهم يفضّلون الصعوبات على خيانة النجم الذي يوجههم من الداخل”.
وكان هتلر قد كوّن افكاره عن الفنّ في فترة اعتقاله في العشرينات، التي سمحت له بكتابة “كفاحي”، وفيه يُظهر عداءه الايديولوجي للفنّ الحداثي الذي، في نظره، هو فنّ انحطاط أنتجه اشخاص ضعفاء، وفي معظم الاحيان، من اليهود. بهذه الطريقة المبسّطة للاشياء، تم ربط الفنّ الحداثي، ومنه بعض أجمل أعمال فنّانين ألمان، من مثل إميل نولده وأوسكار كوكوشكا وليونيل فاينينغر، بالمشروع اليهودي لتدمير الهوية الالمانية ونشر الافكار الشيوعية، في نظر النازيين. إذ أن أولئك الفنانين، وبدل إبراز معالم القوة في الشخصية الألمانية، كانوا في فنّهم يظهرون أشكال الضعف الإنساني والتخبط النفساني الذي يعيشه الانسان في القرن العشرين. كان دور الفنّ، بالنسبة الى الزعيم، يتركز على إعطاء صورة إيجابية عن إمكانات الشعب، خصوصاً في إتحاده تحت راية القوة التي يحملها مشروعه. في هذا المشروع، كان على الفنّ أن يظهر قوة العرق الآري وجماله، كمثال يحتذى به من بقية الاعراق، وأن يرفع هذه الجمالية الى درجة “الجلالة” (Sublime). على الفنّ النازي أن “يصهر” الناس في بوتقة واحدة، وأن يتخطى الفوارق الاجتماعية، ليجعل منهم مجموعة “عضوية” واحدة موحّدة، كما كان الوضع في العصور الوسطى في المخيلة النازية، عندما كانت المجتمعات “الاصلية” تتمتع بدرجة عالية من الاندماج والطهارة والنقاوة، خالية من العناصر “الغريبة”. لذلك، اقترن الفنّ النازي بدعوة للعودة الى الاصول، الى “التاريخ المجيد” الذي يحمل قصصاً وأساطير عن انتصارات القبائل الالمانية على أعدائها، وهذا بالطبع يعيدنا الى مرحلة كانت فيها علاقة الانسان بالطبيعة علاقة أكثر عضوية. وقد تزامنت هذه الافكار مع توق شعبي الى حياة في الطبيعة مجرّدة من التعقيدات المدنية ومن الاصطناعية البورجوازية، وكانت أبرز تجلياتها في تجمعات العراة وأصدقاء الطبيعة، التي تحتفي بالجسم الانساني المحرّر من القيود الاجتماعية والمدنية.
أدّى الهجوم النازي على الافكار الحداثية في الفنّ الى هجرة العديد من الفنانين الالمان الى الخارج، لكن البعض منهم بقي وحاول التأقلم مع الجوّ الجديد، وقد قدّمت السلطة الجديدة التسهيلات الى كل من ينضم الى مشروعها السياسي. لعب وزير الاعلام والدعاية في النظام النازي، جوزف غوبلز، دوراً مهماً في تأطير اتجاهات الفنانين الالمان بحسب الايديولوجيا الجديدة، وإن كان في بعض الاحيان أكثر تقبلاً للفنّ الحداثي من غيره في الحزب. لكن هتلر كان ايضاً يتأثر بأفكار المحافظين داخل الحزب من أمثال الفرد روزنبرغ، الذي كان يرفض كل ما يمتّ الى الفنّ الحداثي بصلة، مركّزاً اهتمامه على “الفنّ الشمالي” الذي تمثله أعمال تيتيان وجورجيوني وكاسبار دافيد فريدريخ.
من أجل دعم توجهات هذا الفنّ الأصيل، أعدّت الاجهزة المختصّة في الحزب أول معرض لـ”الفنّ الالماني الصافي” في العام 1933، تاريخ وصول هتلر الى السلطة، وقد تلته معارض أخرى تشي عناوينها بدلالات رمزية: معرض “الدم والارض”، معرض “الارض الالمانية والانسان الالماني”، معرض “الفنّ المناهض للبولشفية” وغيرها. كان أبطال هذا الفنّ الوطني أسماء سقطت في النسيان بعد العام 1945، من أمثال جورج غونتر، جوليوس بول يونغهانس، إرنست ليبرمان، وفريتز إيرلير، وهذا الاخير كان من الفنانين المفضلين لدى القيادة النازية. كان “الفنّ” عند هؤلاء يتركز على مواضيع تتناسب مع المواضيع الايديولوجية النازية، أي القوة، العائلة، الطبيعة، جمال العرق الآري، حياة الفلاحين الصادقة والمتجانسة مع الارض، إضافة الى المواضيع الكلاسيكية المقتبسة من الميتولوجيا اليونانية، والتي كان النازيون يعتبرون أنهم يتحدرون منها تاريخياً. وقد أضيف الى هذه المواضيع في مرحلة التعبئة الحزبية موضوع ليس غريباً عن محيطنا: الاحتفاء بالشهادة. لكن هذا الموضوع كان أقرب الى الفنّ النحتي منه الى الفنّ النظري، حيث تحوّل العديد من المواقع الاستراتيجية مواقع لتماثيل ونصب تجسّد البطولة والشهادة.
من أبرز الدلالات على أهمية الفنّ في المشروع النازي، كل التحضيرات الموازية للتحضيرات الحربية التي أدّت في العام 1937 الى افتتاح “معرض الفنّ الالماني الكبير” في حضور “الزعيم”، في مبنى تم تخصيصه للفنّ الالماني حصرياً في مدينة ميونيخ. أشاد النقّاد الموالون للسلطة في ذلك الحين بأهمية هذا المعرض الذي يُظهر الوجه الحقيقي للامبراطورية الثالثة من خلال “الوضوح والصدقية في التعبير”، كما من خلال المواضيع التي تعطي صورة مثالية عن واقع الحياة في ظل الحكم النازي. في اليوم التالي من افتتاح هذا المعرض، افتتح الزعيم معرضاً آخر كان قد اعطى توجيهاته بتحضيره وهو “معرض الفنّ المنحطّ” وفيه نماذج لما يعتبره النازيون فنّّاً رخيصاً يجب التصدّي له وحظره. في هذا المعرض اختلطت لوحات فنانين ألمان من أمثال ماكس إرنست، ويلي باومايستر، وإميل نولده، مع لوحات لفنانين عالميين من أمثال شاغال، بيكاسو، كاندنسكي وكيريكو.
في افتتاحية المعرض، قدّم رئيس لجنة الفنون الوطنية، أدولف زيغلر، رؤية النازيين لهذا الفنّ المرفوض موجّهاً تحذيراً أخيراً للفنانين الالمان: “إن صبرنا تجاه هؤلاء الذين يرفضون الاصطفاف بخط المشروع الوطني الاشتراكي منذ أربعة أعوام حتى اليوم قد نفد، والشعب الالماني سوف يدينهم. لا شك لدينا في ذلك. فالشعب يثق، كما في كل الامور، بنظرة إنسان واحد، هو الزعيم. هو يعلم أي اتجاه على الفنّ الالماني أن يسلك من أجل تحقيق أهدافه كتعبير عن الطابع الالماني. إن ما ترونه هنا هو نتاج من الجنون، من عدم الادراك وقلة الموهبة. إننا في حاجة الى عدد كبير من قطارات الشحن لتنظيف متاحفنا من هذه القذارة. وهذا ما سيحصل قريباً”.
هكذا تحوّل الفنّ خلال الحقبة النازية، كما تحت كل الانظمة الشمولية، والبعض منها لا يزال على قيد الحياة خصوصاً في منطقتنا، أداة لتكوين “الانسان الجديد” وتعزيز الايديولوجيا الموجِّهة للشعب، وفيها اندمجت جميع الفنون من الموسيقى والمسرح والفنّ النظري والنحتي في نظرية “العمل الفني المتكامل” التي ترجمها المبدع الالماني ريتشارد واغنر في القرن التاسع عشر في أعماله المسرحية، وكانت أبرز مظاهرها في القرن العشرين الاستعراضات العسكرية حيث أتقن النازيون تحويل هذه عروضاً فنية تندمج فيها جمالية الالوان والاضواء والازياء لتعطي الخلفية المناسبة لخطب الزعيم النارية. لم يكن دور الفنّ هنا نقدياً أو تأملياً أو معارضاً، بل كان دوراً مسانداً للمشروع الايديولوجي الذي يهدف الى صهر الشعب كله في رؤية واحدة، في مشروع واحد لا يقبل الاختلاف أو التأويل، في مواجهة بين الحق الذي يمثّله هو، والباطل الذي يمثله “الآخر”. كم نحن قريبون اليوم من زمن “الزعيم”! ¶
النهار الثقافي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى