صفحات ثقافية

الرواية السورية المحظورة اقرب إلى الحياة الاجتماعية

null
محي الدين عيسو
حاولت الرواية السورية المحظورة الدخول إلى فضاء العالم الاجتماعي عبر بوابة المحاكاة الواقعية لعقل القارئ ، والاقتراب من حياته اليومية، بعيداً عن مقص الرقابة والرقيب، وسجلت حضوراً لافتاً في ميدان الإبداع الحر، عبر كم هائل من روايات لم تدخل على المكتبات ولم تعرض للبيع إلا خلسة، نتيجة الرقابة ومعوقات النشر والترجمة، وقبل ذلك وبعده، التخلف والاستبداد والدين والمذهبية، ونتيجة لتزايد وسائل الإعلام الخاصة بخاصة ثورة الاتصالات والإنترنت، والكتابة عن مضمون تلك الروايات القريبة عن الواقع الاجتماعي ازداد إقبال القراء عليها، ونالت سمعة جيدة، وحاول القارئ الحصول عليها بشتى الوسائل لإفراغ شحنته في قراءة ما هو قريب منه والابتعاد عن ما هو مزيف ومراقب من مقصات الرقابة المختلفة .
رواية ”القوقعة – يوميات متلصص” لكاتبه مصطفى خليفة الصادرة عن دار الآداب البيروتية كتب عنها الكثير من النقاد والروائيين في مختلف وسائل الإعلام ونالت شهرة واسعة ، وكانت من أكثر الروايات نجاحاً من بين الروايات التي حاكت معاناة السجون بحسب رأيي الشخصي لا لشيء سوى أنها كانت تجربة شخصية وواقعية بتفاصيلها ومفرداتها الأقرب إلى الواقع، واختيار الكاتب أسلوب الكتابة العارية والمباشرة، حيث لاقت صداً وقراءة ومتابعة من قبل الكثيرين من مهتمي أدب السجون وغيرهم، لأنها كتبت بطريقة سردية ممتعة وقريبة من واقع السجون بحسب من ذاقوا مرارة الاعتقال في تلك الأيام، ويسمي الكاتب الأشياء كما يجب أن تسمّى وكما لم يعتد القارئ أن يسمّيها في الروايات الرسمية أو التي حصلت على موافقة وزارة الثقافة، فيصف الكاتب أحوال التعذيب التي تفوق التصوّر: الجلد، الدولاب، الكهرباء، الفروّج، الشنق، الإذلال الجنسي، الخ أضف إلى ذلك عبارات أخرى مستخدمة في الرواية أدت إلى شد القارئ أليها لا لشيء سو لأنها غير موجودة أو ممنوعة من التداول في الروايات الصادرة عن وزارة الثقافة من قبيل: ولك كلب … ولا جحش ولاعرصات … يا ابن الشرموطة …. كول خرى ولامَنيك…. المنايك …. العمى بـ عيونه…. وغيرها كما في المقطع التالي:
– ولا حقير… أنت أنت يا طويل… أطول واحد بالصف، تعال هون…
يركض أحد البلديات ويجر أطول واحد بيننا، طوله أكثر من مترين، الرقيب جالس على كتلة إسمنتية أشبه بالكرسي، يضع رجلاً على رجل، يشد صدره يرجع رأسه إلى الوراء والأعلى، يقول :
– ولا حقير .. أنت بني آدم ولا زرافة؟
يضحك المتجمعون حوله بصخب، يتابع الرقيب : وهلق … اركض حول الساحة خمس دورات وطالع صوت متل صوت الزرافة … يالله بسرعة. يركض السجين ويصدر أصواتاً، لا أحد يعرف كيف هو صوت الزرافة، أعتقد حتى ولا الرقيب نفسه، يدور السجين خمس مرات، يتوقف، يقول الرقيب
– ولا حقير … هلق بدك تنهق متل الحمار!
ينهق السجين الطويل. تضحك الشرطة.
– ولا حقير… هلق بدك تعوي متل الكلب!
يعوي السجين الطويل. تضحك الشرطة. يضحك الرقيب وهو يهتز، يقول :
– ولا حقير… إي … إي … هاي ناجحة وكويسه … أنت متل الكلب فعلا.
ثم يلتفت إلى رتل السجناء الذي يسير منكس الرؤوس ومغمض العينين، يصيح :
– ولا حقير… أنت أنت… أقصر واحد بالصف ، تعال هون.
يركض أحد البلديات، يجر أقصر واحد بالرتل. شاب صغير لا يتجاوز الخامسة عشر، طوله أكثر قليلا من المتر والنصف، يقف أمام الرقيب الذي يضحك ويقول : ولا حقير… يا زْمِكّ … وقف قدام هالكلب الطويل.
يقف السجين القصير أمام السجين الطويل، يصرخ الرقيب : ولا حقير … يا طويل … هلق بدك تعوي وتعض هالكلب يللي قدامك وبدك تشيل قطعة من كتفه ، وإذا ما شلت هـ القطعة … ألف كرباج.
يعوي الطويل ثلاث أو أربع مرات متواصلة، يتقدم من القصير وينحني مطبقا بفكيه على كتف القصير الذي يصرخ ألماً ويتملص من العضة .
– ولا حقير… يا طويل… وين قطعة اللحم ؟ يا شرطة … ناولوه.
ينهال رجال الشرطة بكرابيجهم ضرباً على الطويل، يسقط على ركبتيه، يتساوى بالطول مع القصير وهو جاثٍ … يترنح … يصرخ الرقيب:
– بس … ” تتوقف الشرطة عن الضرب ” … ولا حقير … طويل … قوم وقف.
يقف الطويل . ولا حقير… قصير… وقف وراءه.
يرجع القصير إلى خلف الطويل. وهلق … انتوا الاثنين اشلحوا تيابكم.
يخلع الاثنان ثيابهما ويبقيان بالسراويل . ولا حقير قصير… نزل سرواله.
ينزل القصير سروال الطويل الى حد الركبتين . ونزل سروالك كمان.
ينزل القصير سرواله أيضا.
– وهلق … قرب نيكه … اعمل فيه متل ما بتعملوا ببعضكم كل ليلة يا منايك … يا الله قرب نيكه.
يتلكأ القصير، تشتد إليتا الطويل وتتشنج، يشير الرقيب إلى أحد عناصر الشرطة، يقترب هذا ويهوي بالكرباج على ظهر القصير … يلتصق القصير بالطويل من الخلف، يهتز الطويل، عضو القصير المتدلي بالكاد يصل فوق ركبتي الطويل، يضحك الرقيب وباقي عناصر الشرطة.
الرتل يسير. الرؤوس منكسة، العيون مغمضة، رغم ذلك، الكل يرى، الكل يسمع…. وترتفع بيادر الحقد والذل
يطلب الرقيب تبديل المواقع، يصبح الطويل خلف القصير، عضوه المرتخي والمنكمش في منصف ظهر القصير… يستمر الضحك … الرتل يسير، الرؤوس منكسة، العيون مغمضة.
تنفس آخر، يوم آخر، رقيب آخر، شرطة آخرون، بلديات آخرون، السجناء أنفسهم، زادوا قليلا، نقصوا قليلا.
يجلس الرقيب على الكتلة الاسمنتية ذاتها، يضع رجلاً على رجل، يصيح وهو ينظر إلى الرتل الذي يسير برؤوس منكسة وعيون مغمضة : جيبوا لي هـ البغل … السمين.
يأتون برجل أربعيني بدين، يعرف الرقيب منه اسمه واسم مدينته، كم أمضى في السجن … وتفاصيل أخرى، ثم يسأله : أنت متزوج ولاّ أعزب؟
– متزوج سيدي.
– أنت بتعرف شو عم تساوي زوجتك هلق … ولا … أنا بقلك، أكيد عم تشرمط، أنت صار لك ثلاث سنين في السجن …. وهي كل يوم مع واحد جديد.
السجين ساكت، منكس الرأس مغمض العينين، يتابع الرقيب : ليش ساكت ؟! … احكي … وإلا خجلان تقول قدام الشباب انك متجوز واحدة شرموطة ؟!… شو العرصات كمان بيخجلوا؟!
وفي مقطع آخر يروي مصطفى خليفة حواراً بين معتقلين يحملان شهادات جامعية عالية ومستوى الحوار متدني جداً لكنها قريبة من الواقع المعاش حتى خارج السجن بين أناس يحملون الشهادات الجامعية أو يعملون في المجال الثقافي، وهذا جزء من طبيعة المجتمع السوري كما التالي:
فالسجن أساساً هو عالم الاشياء الصغيرة، عالم الصغائر، اثنان من أساتذة الجامعة، شخصان محترمان جداً، كبيران في السن .. يتشاجران، يتشاتمان، ينتهي الأمر بالمقاطعة، والمسألة برمتها تكون قد بدأت على الشكل التالي :
يا أخي كم مرة قلت لك لا تلبس شحاطتي؟!
– ايه … شو فيها إذا لبسناها؟ .. رح ينقص من قيمتها يعني؟!
– بينقص ما بينقص … لا تلبسها وبس… صار ميت مرة حكينا … وإلا انت ما بتفهم حكي؟!
– انا ما بفهم!!… شو شايفني حمار متل حضرتك؟!
– أنا حمار ؟! … ايه إنت وأبوك وكل عيلتك حمير يا أكبر حمار!!…. وقد يتطور الأمر بين الأستاذين إلى الضرب إذا لم يتدخل أحد بينهما.
هذه الرواية ” القوقعة ” منعت من التداول والتوزيع داخل سورية لأنها تحاكي معاناة المعتقلين السياسيين والتعذيب والإهانة والسب والشتم أيام الثمانينيات، كما أعمال سردية كثيرة تحدثت عن هذه المعاناة وسمت الأشياء بمسمياتها فكانت أقرب إلى الواقع من بينهم عماد شيحا وإبراهيم صموئيل وحسيبة عبد الرحمن ولؤي حسين وهبة دباغ وغيرهم.
وبعيداً عن عوالم السجن المخيفة والمرعبة يقترب الروائي الكردي عبد الحليم يوسف في روايته “سوبارتو” التي صدرت منها الطبعة الأولى في العام 1999 في بيروت بالعربية، وصدرت الطبعة الثانية عام 2006 عن دار نشر رابطة كاوا للثقافة الكردية في هولير، يقترب إلى جزء إلى الطبيعة الاجتماعية لمنطقة الجزيرة السورية والتي أثارت ضجَّة عقب صدورها، وخلقت سجالاً واسع النطاق اجتاز الوسط الثقافي الكردي ليصل إلى جاره العربي في سورية، فكانت بحق الرواية التي أنشأت حراكاً اجتماعيا وعقدت من أجلها الندوات والمحاضرات لدراسة الرواية ومناقشتها ونقدها بصورة عنيفة لأنها دخلت إلى المحظور الاجتماعي .
ورواية ” سوبارتو” تشرح واقع أليم لإحدى المدن في الشمال السوري من خلال مواضيع عديدة يكسر فيها الكاتب حاجز الخوف من قول الحقيقة المرّة ويسمي الأشياء بمسمياتها بأسلوبها الواقعي الحياتي، وأجاد توظيف الكلمة للمعنى المطلوب عبر وصف أحداث واقعية بأسلوب قريب جداً من الواقع منها الانحرافات الأخلاقية التي كانت لدى الأطفال، والاعتداءات الجنسية فيما بينهم، والحديث عن الحب بين سكان ” سوبارتو ” دون مواربة، وكذلك التطرق إلى الإشكاليات الاجتماعية و السياسية القائمة في المجتمع الكردي، منها المقطع الآتي:
(من الفصل الاول ) بطريقة ما سرقنا بسكويتو من أمه. وفي إحدى الأزقة استطاعت قبضاتنا الصغيرة أن تعجنه وتحفر في جسمه الرخو حفراً تشبه حفر الشارع العام في بلدنا. أن نخرجه من جلده ونضعه في جلد آخر كما يقال، فتَّتنا بسكويتو كالطحين. وفي اليوم الثاني غاب بسكويتو عن المدرسة، ألهبت عصا الآنسة نيراناً في باطن أقدامنا العارية. تبنا وإلى الأبد من الاعتداء على بسكويتو بعد هذه الحفلة العنيفة. إلا أن تنورة الآنسة كانت مثيرة. أقسم أحدهم يوماً بملائكة السماء والأرض بأنه شاهد “كيلوت” الآنسة عندما جلست على المقعد الأول فاتحة رجليها، وأن كيلوتها أحمر. احتج آخر… تشارطا على ليرة كاملة، رمى الثاني قلمه على الأرض بعد أن جلس في المقعد الأول وعندما همَّ برفع قلمه عن الأرض اختلس النظر إلى نقطة التقاء فخذي الآنسة الغافلة عن كل ما يجري. عندما تأكد من أنه خسر الرهان. أصبح الانحناء لعبتنا المفضلة والممتعة. لم تفهم الآنسة معنى السقوط المتتالي لأقلام الصغار، كلما جلست على المقعد الأول. كنا قد عرفنا بأن الآنسة لا تغير الكيلوتات لعدة أيام أحياناً. كنا نجهل أن كيلوتها في ذلك اليوم من النوع المليء بالثقوب، والذي لا يخفي الكنوز كلها بل يزيدها ألقاً. كان الدور واقفاً على أطولنا وأكبر سناً. عندما حاول رفع قلمه سقط من يده المرتجفة ثانية. انتبهت الآنسة إلى عيني تلميذها الكبير تلتهمان ما بين رجليها التهاماً وفمه مفتوح على آخره مأخوذاً ومذهولاً بما يراه. نهرته الآنسة فجأة؛ خبأنا ضحكاتنا العظيمة؛ كانت تلك آخر مرة تفتح لنا الآنسة رجليه.
وما أثار الضجة الإعلامية للرواية التطرق إلى الجانب الجنسي بالشرح المستفيض وكتابة أدق التفاصيل عند الحديث عن الممارسات الجنسية في مدينة ” سوبارتو” حيث رفضها عقل القارئ في بداية صدور الرواية إلا أنه تم إنجاز دراسات وكتب عن الرواية فيما بعد لأنه تم الاكتشاف بأن الرواية تحاكي الواقع الاجتماعي ولا مفر منه حتى لو كان واقعاً أليما، كالمقطع التالي : (من الفصل الرابع ) كانت سيلفا مشغولة بي، فكت أزرار قميصي زراً وراء آخر، رمت بنطلوني وهي بكامل ثيابها، بدأت تقبل جبيني فأنفي فشفتي فذقني فصدري فبطني، فسرتي، فحيث النعومة التي لا تحتمل. وعندما بدأت شفتاها، ولسانها و أصابعها توزع الأنين في فضاء الغرفة، كدت أهشم الكرسي الذي وقعت عليه يدي. وخلعت ثيابها قطعة قطعة، وعندما تلامس الجسدان العاريان، والساخنان، أول ما فعلته هو القبض على النهدين الأبيضين، ما أشهى أكلهما، وهي تئن وتتلوى بين يدي كأفعى. كان جسدها مطواعاً ليناً، يلتف على جسدي بمرونة وخفة، انقلبنا على الأرض وعلى السرير، وسبحت الغرفة بكل زواياها في نشوة كادت تزلزل الأرض برمتها. وسأعلم فيما بعد، أن سيلفا لاعبة جمباز، وأنها حازت على البطولة أكثر من مرة، وأنها تحتفظ في البيت بأكثر من وسام. وفي المرات الأخرى فور دخولها، كانت تخلع ثيابها وتقوم بحركات رياضية، فتقدم لي عرضاً مبهراً للجمباز، ثم ترمي بنفسها على السرير فاتحة يديها لاحتضان عريي، وفجوري وذكورتي المتفجرة كبركان هائج. احتلت سيلفا كل حياتي، لكنها كانت خائفة.
هذان نموذجان من الروايات التي صدرت بعيدا عن مقص الرقابة ونالتا شهرة كبيرة وقراءة ونقد ودراسة واسعة فكانتا بحق من أكثر الروايات جدلا في الوسط الثقافي وأكثرها تمرداً واقتراباً من الواقع الاجتماعي والسياسي.

باخرة الكورد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى