صفحات مختارة

ما بعد التدوين…

عباس بيضون
بدأ التدوين بالقرآن. ذلك يعني ان الكتابة العربية نشأت مقدسة ولا بد انها حملت الى الآن أثراً من هذه النشأة. كانت الكتابة في أول بدوها دينية ولا شخصية فالكاتب لا ينص الكلام ولا يؤلفه لكنه يثبت أمراً إلهياً ويعممه ويؤيده ويحول دون انقطاعه في الصمت، أي ان الكتابة تحول دون انقطاعه او زواله. هكذا يبدو كل نص مكتوب مدوّن محصّناً ضد ما يعرض للكلام الشفهي من تحوير ونسيان وتزوير. لا بد ان للكلام المكتوب حرمة ليست للشفهي وله هيبة ليست للشفهي. لا يمكن للحقيقة ان تحفظ بدون كتابة حتى ان الكتابة والحقيقة يتلابسان. يخطر ان كل كلام مكتوب قد يُحمل على الحقيقة وهنا الخطر، بمجرد الكتابة يمكن تحيير الناس وتشويشهم وربما خداعهم. إذ لا يسهل تكذيب كلام مكتوب وقد يغتربه القاصر والجاهل، الكلام، الشفهي يذوب في الصمت او ينقطع فيه وهو لا يحمل سيماء الحقيقة ليخدع عنها، الكلام الشفهي لا يضل ولا يضلل. لذا وجدنا بعض القدامى يحرق كتبه خشية ان يضل ويضلل، فالكلام إذا صار كتابة أمكن ان يكون أحبولة ورياء، من دون علم صاحبه او خفية عنه، فقد يخطئ العالم وقد يسترسل في الخطأ وقد يجر آخرين الى خطئه فيحمل فوق إثمه آثامهم وخير له ان يصمت خشية ذلك، يتكلم المرء لكن الكلام يتبدد في الصمت ويتبدد في الفراغ، قد يعثر المرء في كلامه لكنها عثرة أين منها عثرات الكتابة التي تلقي بصاحبها في هاوية لا منجاة منها، الكلام المكتوب جناية على صاحبه لكنه قد يكون جناية بكل المعاني، أياً كان صاحبه.
توصي بعض الشيع الدينية بحفظ النص المكتوب فلا يقع في يد جاهل أو منحرف. حفظ الكلام المكتوب حفظ الحقيقة من ان تختلط بالزيغ وحفظ المقدس من ان يمازج الزائل والترابي. حفظ الكلام المكتوب حفظ للطائفة لان كتابها إذا ابتذل وتيسر لكل امرئ لا نأمن من العبث بالحقيقة وحرفها عن جادتها. الكلام المكتوب ثابت دائم وهو عرضة للتلاعب وعرضة لتأويلات شتى. لا يهم المسلمين ماذا يقول الدنمركيون عن الإسلام ونبيه في بيوتهم ومجالسهم. لكن الأمر يتبدل حين يتحول ذلك الى كاريكاتور مرسوم أو كلام مكتوب مطبوع. الكلام المكتوب لا يتبدد ولا يزول ولا بد من مواجهته قبل ان يستفحل، لا بد من ردعه في موضعه، فكلام كهذا تحد صريح وحرب معلنة لا يجوز التهاون معها والقعود عن التصدي لها.
الكلام المكتوب إساءة وإهانة ما زال معلناً وقائماً، وهو كل يوم جديد يكرر التحدي ويمعن في الإهانة. نترك الكلام الشفوي ولو كان مسيئا للريح تبدده، أما الكلام المكتوب فيستدعي الرد بل ويستدعي المجابهة. عرفت امرأة تظن ان كل كلام مطبوع حقيقة، الأرجح ان هذه المرأة ليست نادرة. انها لا تزال تحمل تجاه التدوين ما حمله الأجداد. امرأة كهذه وسواها قد تقع ضحية التدوين، ومن أجل ذلك، من أجل ان لا يعمّ. يلقى الكلام المكتوب المسيء جواباً رادعاً.
السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى