صبحي حديديصفحات ثقافية

الجرح والساموراي

null
صبحي حديدي
في حياته كان يوكيو ميشيما (1925 ـ 1970) جرحاً مفتوحاً في الضمير الياباني ما بعد الحرب العالمية وأطوار الهزيمة العسكرية والثقافية؛ واليوم وقد مرّت، يوم 25 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، الذكرى الأربعون لواقعة انتحاره الشعائري المشهود، يظلّ ميشيما جرحاً مفتوحاً أيضاً، مع فارق أنّ الضمير الياباني يمعن أكثر في أحوال القلق والاغتراب والبحث عن المعنى. كبريات الصحف اليابانية تعمدت تجاهل الذكرى، ولم يسارع إلى إحيائها، في العاصمة طوكيو، إلا بضع مئات من أنصار اليمين المتطرّف!
وفي أواسط السبعينيات قال ياسوناري كاواباتا، أوّل روائي ياباني يفوز بجائزة نوبل للأدب، إنّ ميشيما ‘أديب من طراز رفيع، لا يجود الزمان به إلا مرّة واحدة كل 200 أو 300 سنة’. بعد أكثر من عقدين، وفي تثمين شخصية ميشيما العامة وليس مقامه الأدبي فحسب، اعتبر كنزابورو أوي، الفائز الياباني الثاني بجائزة نوبل للأدب، أنّ ميشيما كان ضحية التنميطات الزائفة التي صنعها الغرب، بغية اختزال اليابان، واستكمال مهمة الجنرال ماك آرثر.
وهذا رأي تتردد أصداؤه على نطاق واسع في اليابان المعاصرة، ولا تتباين مقارباته إلا حين يتصل الأمر بصدور الموقف عن فلسفة محافظة أو ليبرالية، أو عن يسار هنا ويمين هناك، عن استعادة عقلانية موضوعية أو أخرى عاطفية قوموية. ذلك لأنّ ميشيما كتلة رموز أخذت شكل شبح يهيم على وجهه في منعرجات تاريخ اليابان المعاصر، وما فتئت ظلاله ـ أو بالأحرى: كوابيسه! ـ تترك أعمق الخدود في أرض ظلت على الدوام عاجزة عن إقصاء الرمز أو تحييد دلالاته. فكيف إذا اتصل الأمر بالجانب الشعائري، الأكثر اقتراباً من الروح اليابانية المعيارية؟
هذا روائي فذّ الموهبة، أدخل أدب الاعتراف السادي والسيرة الذاتية المازوشية إلى مشهد روائي هادىء، يهيمن عليه ضمير المتكلم الوديع، بين قطبين روائيين شامخين (جونيشيرو تانيزاكي، وكاواباتا)؛ ومسرحي يفجّر شاعرية فاتنة في تقاليد مسرح الـ’نو’، ويدخل عليها تقنيات جسورة وثورية لا سابق لها؛ وشاعر تلعب قصائده في فضاء كثيف محيّر، بين شفرة السيف وشيفرة زهرة الأوركيد؛ ومخرج سينمائي يلعب في فيلمه دور قاطع طريق، ويظهر عارياً في أكثر من مشهد؛ ومعلق رياضي وسياسي وعسكري…
ولكن هنا، أيضاً، احتشاد جميع هذه الجوانب المركبة الموهوبة في شخص رجل يحلم بذبح جماعي عظيم لفيلق من المصارعين الرومان، فداء لروح الساموراي المصطخبة بين جوانحه؛ ويتمنى تنظيم مأدبة شعائرية، تكون جثّة صديقه هي الطبق الأساسي فيها؛ مهووس بكمال الأجسام وتمرين العضلات، يظهر في صور شاذة عن سابق قصد، ملوّحاً بسيف أو باسطاً ذراعه في تحية فاشية استفزازية. وهنا أديب يؤسس ميليشيا عسكرية، وتنظيماً سرياً، للإطاحة بنظام الحكم وإحياء ماضي اليابان الإمبريالي والإمبراطوري، فيهاجم ثكنة عسكرية ويحتجز كبير الجنرالات فيها رهينة لانقلاب ثوري، لا أحد سواه يستطيع تحديد معالمه. وهنا الروائي (الذي اختتم الكتاب الأخير من رباعيته الملحمية الكبرى ‘بحر الخصوبة’ بمشهد البطل وهو يبقر أحشاءه وينزف ببطء حتى الموت، والشمس الحمراء المجيدة تشرق على الطقس الدامي بالبطء ذاته)، يمارس الانتحار بطريقة مشابهة، بعد زمن قصير من كتابة وصيته روائياً.
وفي مطلع العام 1970 كان ميشيما قد اتخذ قرار الموت الشعائري، مستنداً في ذلك إلى مبدأ فلسفي جمالي ياباني قديم، مفاده أنّ محتوى الجمال محكوم بالمرور العابر، وليس بالديمومة القاتلة المضجرة. هكذا حال زهرة الأوركيد، وحال مذبح شينتو الآسر الذي يُدمّر كل عشرين سنة ويُشيّد من جديد لكي يبقى متجدد الجمال. أما خطوات برمجة ذلك الموت فقد تردد ميشيما بشأنها بعض الوقت، ثم حدّدها ونفّذها واحدة واحدة: تسليم الفصل الأخير من الرباعية الروائية، تنظيم عصيان مسلح ضدّ ثكنة عسكرية واعتقال ضابط كبير برتبة جنرال، ثمّ الإنسحاب مع ماساكاتسو موريتا، زعيم حركة الطلاب في الميليشيا، إلى ركن هادىء، والانتحار ببقر الأحشاء على طريقة الـ’سيبوكو’ التقليدية العتيقة.
والحال أنّ جانب التفضيح المنظم الدائم، وخدش الثوابت اليابانية، وجرح الكبرياء الثقافية والذاكرة الجمعية، هي بعض الأسباب في أنّ اليابان تريد أن تنسى هذا الرجل ـ الكابوس، لأنّ استذكاره يمثّل نقيض الحاضر بمعنى أوّل، أو هو نفي لقسط كبير مما في هذا الحاضر من إجماع وتصالح وسكينة. ورغم تصاعد مشاعر العداء للوجود العسكري الأمريكي على أرض اليابان، فإنّ القيم القومية والإمبراطورية هي آخر ما يريد سواد اليابانيين استرجاعه هذه الأيام. وكتلة الرموز المتحركة التي جسّدها ميشيما مصدر إحراجات كبرى، لها عواقبها الإيديولوجية والأخلاقية في صفوف اليمين كما اليسار، والجراح قد اندملت بالاختيار تارة وبالقوّة طوراً، وتحت رقابة دولية صارمة في الحالتين، فلماذا تُنكأ الآن؟ ولمصلحة مَن تُستعاد كوابيس آخر أنبياء الساموراي، الذي تنبأ بانقراض اليابان الحقيقية، وبصعود يابان ‘محيّدة، جوفاء، ثرية، تكنوقراطية… ولكنها بلا خصيتين، بلا رجولة’؟
وإذا كانت هذه حال ميشيما في موقع الرجل كتلة الرموز الأقرب إلى الكوابيس، فإنّ حال الرجل المبدع ستظلّ محطّ الأنظار والقراءات التحليلات، مهما بلغ الخفر أو الحياء أو الحرج أو التناسي. ذلك لأنه قامة أدبية شامخة، وصار ملك الإنسانية جمعاء، وهكذا يبقى.
خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى