صفحات ثقافية

اليوم خمر وغدا أمر: كانت حربا وضيعة خسرها الجميع

null
فاروق يوسف
كانوا إلى وقت قريب مهذبين. خدم أبجدية انقرضت ولم يبق منها الا التأتأة. المصابون بالبدانة المتخيلة شعروا فجأة بعسر الهضم. في وقت سابق أرعبتهم وقاحة منتظر الزيدي وهو يلقي بحذاءيه في وجه ضيفهم الكريم (محتل بلادهم وهي صفة غير مستحبة شرعا). لحظة عمياء في تاريخهم العاطفي. مثقفو اليسار الاممي الذين نجوا بمعجزة من المقابر الجماعية. كان فم التمساح مفتوحا وكانوا مثل عصافير أفريقية ينظفون أسنانه.
قالوا: المثقف لا يمد يده إلى حذائه. عيب يا أخي. المثقف كلب حراسة لا ضمير له. إن رشوك بالغبار النووي ومحوا أهلك ومدنك وسمموا طعامك ونشفوا أنهارك وأزالوا بيتك واغتصبوا أمك وأختك وجارتك فما عليك سوى أن تلجأ الى الحوار الهادئ الذي يكشف عن تحضرك.
الزيدي لم يكن واحدا منهم، كان وحشا فالتا وفتى أزقة. جماعة أخلاقية، بحيث كانت فضائح (ابو غريب) بالنسبة لهم نوعا من الكرم ما بعد الحداثوي، صورا تجهز كتبهم بمشاهد مستلهمة من القيعان السوداء، محميات الرذيلة وعار الإنسان. يومها صمتوا زاهدين في التعليق. الاهتمام الغثياني بتلك الصور كان بطريقة أو بأخرى دعاية بعثية ليس إلا. يساريون لكن بطبعة طائفية. ‘الحرية في خطر’ أخيرا قالها مثقفو العراق بلوعة صوت واحد. ننتظر الهام ذلك الصوت منذ أكثر من سبع سنوات، عمر الاحتلال. أخيرا صحا الضمير الثقافي. يا لغبطة شعبنا بنخبته المثقفة. ولكن متى لم تكن الحرية كذلك؟ سؤال يعبق برائحة مريبة. سيقول الناقمون على فكرة المقاومة: السياسة لعبة ولكل مرحلة تقنياتها. قدم في الهاوية وأخرى على سحابة. ولكن السيل هذه المرة بلغ الزبى. سيقال: اللغم تحت القدم. السم على اللسان. القذى في العين. لذلك خرج المثقفون العراقيون عن بكرة أبيهم منددين بالخطر. وصلنا إذاً بعد طول انتظار إلى الخط الأحمر. والخط الأحمر ليس بدعة شيوعية. لونه يصدأ إذا لم يدق الجرس. جرس علقه أحدهم في رقبة البقرة وأهمله. سنوات مرت وذلك الجرس يدق فيما كانت الأفكار تصدأ. غير أن الأخلاق تفرض علينا منطقا آخر. لم تعد الوحشية ممكنة. مثقفو اليسار الطائفي أناس متحضرون سلاحهم القلم، في عصر لم تعد الأقلام فيه تُستعمل. في ويكيليكس كل شيء من هواء ولا بقعة حبر. اما حكاية الحذاء فهي خرافة سومرية. حرب لم تقع. كل هذا الخراب صناعة بعثية. غير أن الحرب هذه المرة قد وقعت فعلا. لم يعد الصمت ممكنا. اعلن مثقفو العراق اعتصاما مفتوحا في مقر اتحادهم ببغداد. كبيرهم الذي يدعي انه كان شيوعيا بجلباب بعثي من باب التقية والإشفاق على مستقبل النقد الأدبي القى كلمة تستحق فعلا ان تعلق على باب البيت الأبيض. قال الرجل ما لم يجرؤ أحد في كل الأزمنة على قوله: ‘الحرية في خطر’ الرجل الذي رفض أن يقول كلمة واحدة تشير إلى احتلال بلده وابادة شعبه قاد منتسبي اتحاده في انتفاضة أولى من نوعها في التاريخ كله. إنها انتفاضة الخمر.
مُنع الخمر في العراق، فكيف تكون الحياة ممكنة هناك إذاً؟
المثقف مسؤول. نعم. غرامشي يقول ذلك. الوجوديون زادوا الطين بلة حين اعلنوها التزاما. في اللحظة الحرجة يكون صوت المثقف حاضرا. ولحظة الخمر هي أشد اللحظات حرجا في حياة الشعوب. والدليل على ذلك ان مثقفي العراق من طفيليي اليسار العالمي ومن حثالات الأمس الشيوعي لم يتحركوا حين احتلت بلادهم وحين فككت دولتهم وحين قُسم العراق باعتباره غنيمة حرب حصصا بين الاعراق والطوائف وحين عم الخراب كل صوب وحين انتهكت اعراض الناس وممتلكاتهم وحين تناثرت الرؤوس بين المزابل وحين استولى اللصوص والارهابيون والقتلة والفاسدون على الحكم مستقويين بالمحتل، وحين تم استنساخ الحكومة الفاسدة السابقة بعكس ما نصت عليه نتائج الانتخابات (الباطلة أصلا لان العراق واقعيا لا يزال بلدا محتلا). لم يصدروا بيانا واحدا يكشف عن غيرتهم الوطنية وعن حسهم بالمسؤولية. نعم اصدروا ذات مرة بيانا وحيدا يشكرون فيه بوش على جريمته وهو يحرر بلادهم (من مَن؟). لقد طالب الادباء العرب مرارا زملاءهم العراقيين بان يقولوا الكلمة المتوقعة من كل انسان شريف تُحتل بلاده. غير ان زعيم انتفاضة اليوم ومَن حوله اعتبروا ذلك الطلب تدخلا في الشؤون العائلية. وما أحلاها من شؤون: قتل ونهب وجريمة منظمة ونصب واحتيال ولصوصية وعصابات متعهدين للقتل، محلية وعالمية وفساد واغتصاب وتزوير ورغبة عارمة في الانتقام وعنف في كل حركة وخيانات صارت هي الوسيلة الوحيدة للتعبير عن حيوية المجتمع. لا أخ ولا صديق ولا رفيق درب ولا شريك أفكار ولا مسؤول ولا واجب ولا حق ولا قانون. الدنيا مصالح. هذا هو ما تعلمه العراقيون من سنوات الاحتلال. كل واحد يفر بما وقعت عليه يداه. هي حصته من الغنيمة. والآن تأتي انتفاضة الخمر لتضع الجميع في مواجهة الخطر الحقيقي.
اليعقوبي، المرشد الروحي لحزب الفضيلة، وهو الحزب الذي تفرغ أعضاؤه لتهريب نفط البصرة منذ أول أشهر الاحتلال، كان اول المنددين بتلك الانتفاضة. قال الرجل واصفا أفراد الجماعة المتحضرة: ‘إن بعضهم يبول على البعض الآخر’. ولا أدري كيف سمح رئيس الاتحاد لأعضاء اتحاده بسلوك من هذا النوع. أيام العصر الوطني كنا نقرأ جملة مكتوبة بخط ارتجالي على جدران البيوت في الأزقة القديمة تقول: ‘البول للحمير’ نعم البول للحمير. فهل يُعقل أن يبول الأدباء؟ انت محق يا يعقوبي. محق لانه لو كانت هناك نخب ثقافية حقيقية في العراق لما تمكن واحد من نوعك ومن نوع مقتدى أن يكون زعيما شعبيا. لقد تُرك الشعب لقدره منذ زمن بعيد. وهو قدر استثنائي تكاتفت الأمية والظلم والفقر والعبودية والقمع والعزل والقهر والاستبداد وأخيرا الاحتلال على تشكيل ملامحه البشعة.
هل كان مثقفو العراق أقل خزيا قبل انتفاضة الخمر؟
من خلال العودة إلى الأصولية التي تتحكم بسلوك المثقف العراقي يتبين لنا أن مثقفي اليسار الحزبي المنظم كانوا الأكثر انصهارا في مشروع تدمير العراق: دولة وشعبا، بغض النظر عن البديل (السياسي) الذي يقترحه ذلك المشروع. الوقائع تقول: انهم ذهبوا إلى بغداد مبشرين بنعم الاحتلال وفضائله، بل ان الكثيرين منهم عملوا بشكل مباشر في خدمة الحاكم الامريكي بعد أن تدربوا في وقت سابق للاحتلال في معاهد ومعسكرات أنشئت تمهيدا للغزو. وهناك من قبض حصته من خلال قيامه بتأسيس واحدة من منظمات المجتمع المدني المشبوهة. هناك من أنشأ صحيفة أو وكالة أنباء ممولة من المحتل. ومَن لم ينل حظوة كبيرة لم يفوت فرصة العمل في احدى المؤسسات الثقافية والاعلامية التي أنشئت في ظل الاحتلال. كانت هناك وظيفة واحدة، متشعبة الاتجاهات غير أن عنوانها كان واحدا: اشاعة مفردات ثقافة الاحتلال. سيقول البعض ان الكارثة كانت أكبر منهم جميعا. وهو قول صحيح. ما جرى في العراق كان أكبر من الإنسانية حتى. اهانة كبرى للتاريخ البشري في النضال من أجل الاعلاء من شأن قيم الإنسان. عودة كاملة الى عصور بدائية سبقت ظهور آدم. لكن ما فعله أولئك المثقفون لا بد أن يندرج ضمن مفهوم الخيانة، بغض النظر عن الذرائع. وهي ذرائع سيكون للتاريخ موقفه الصارم منها.
ربما لن يكون قابلا للتصديق أن عددا من مثقفي ذلك اليسار المتهالك قد رغب في أن يلعب دور الوسيط العقلاني بين المحتل وبين الشعب. وكانت الغواية المزدوجة هي وسيلتهم: إنهم يعرفون عن الطرف الآخر ما لا يعرفه الطرف المتاخم لهم. أتركوا الأمور إذاً تذهب إلى الفوضى الخلاقة. اتبعوا فقه الموتى، مسحورين كذبا بيوم القيامة. كانت لغتهم تركز على جملة واحدة: إن كل ما يمكن أن يحدث في ظل الأحتلال لن يكون أسوأ مما جرى في زمن النظام الوطني. لتمر الجريمة بسلام. للخيانة سلالم ناعمة. لها حدائق ترفل بأشجار الورد المسموم. فجأة عاد الكثيرون إلى علي الوردي. ابن خلدون زمانه. لنتذكر مثالب الشخصية العراقية. خونة الحسين وادلاء بني أمية. رقاب اينعت وحان وقت قطافها. اما المحتل. اما الحجاج. اما عباس الصوفي.
اما البويهيون والسلاجقة ودولتا الخروفين الأبيض والأسود فلا أحد ينبس بحرف عنهم. ليكن الخروف أزرق. ليكن رمادا مثل العراق. مثل أهله ونسائه وأطفاله. خمريا لمناسبة الخمر. إن أسوأ ما فعله مثقفو اليسار الرسمي العراقي انهم لم يروا العراق بصورته الحقيقية، بقدر ما رأوا فيه مساحة لحربهم المؤجلة ضد النظام. تلك الحرب التي خسرها الجميع. لذلك كانت خياناتهم تتم من أجل شيء وضيع هو المال. انتفاضة الخمر هي بمثابة صلاة الميت على ثقافة لن تكون ضرورية لأحد.
شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد
القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى