الدور الإيراني والعلاقة الإيرانية ـ السّورية

معنى عودة خاتمي المحتملة إلى رئاسة إيران

null
نسيم ضاهر
في ميزان الربح والخسارة، قد يكون لبنان أيضاً أول الرابحين…
إذا ما انتخب السيد محمد خاتمي مجدداً في الأشهر المقبلة، سوف تطوي الجمهورية الاسلامية صفحة النجادية، وتبدل جزءاً من المشهد في هيكلية السلطة. فمن حيث التراتبية، لا تمثل رئاسة الجمهورية رأس الهرم السياسي، إنما تملأ ما يصطلح على تسميته بالحاكمية الادارية، ولهذه الوظيفة، في الظروف الحاضرة، تعبيرات رمزية تتعدى المقام الدستوري وسلّة الصلاحيات.
شكّلت رئاسة الجمهورية، على مدار ثلاثين سنة من عمر الثورة الاسلامية، موقعاً لخلفاء المرشد المحتملين، انتزعه مدنيان، فرّ أحدهما بني صدر إلى الخارج، وأحدث ثانيهما أحمدي نجادي ضجة كبرى بخطابه الحادّ المتشنِّج، ونتائجه الاقتصادية الهزيلة، الكارثية بمقاييس البطالة والنمو. ومع أن الملعب الإيراني أًُعِـدَّ أصلاً لاستقبال الجمهور تحت مظلة الإمام الخميني. فقد أضاف الرئيس نجاد الى تعاليم المؤسس وفتاوى المرشد، نمطاً شعبوياً غير مسبوق، خوّله الشحن المتواصل داخلياً، والتحدي السافر في الخارج، بالاتكاء على البرنامج النووي، بصفته عنوان العزّة القومية، وعلى النجاحات المحققة في ميدان تطوير الصواريـخ وتصنيع ما يعتقده أمضى الأسلحة والأحدث تقنيات.
أتى الرئيس نجاد من فصائل الحرس الثوري، واعتمد على رافعتها في مختلف جوانب حركته، ضيَّق على الاصلاحييـن وهاجمهم مراراً بذريعة تعريض الأمن القومي ومحاولة العودة بالبلاد الى الوراء، كما توسَّـل أذرعة في المجال العربي، اضافة الى استعراضات القوة في «الخليج الفارسي»، وفق تسميتـه، لزرع حضور الثورة الاسلامية بحلّـة محلية والاستثمار في النزاع العربي الاسرائيلي عبر المحور الايراني السوري، ومرابطة معسكر حلفائه على الحدود المتاخِمـة لاسرائيل وفي المقلب الغزَّاوي من الأراضي المحتلة. بذلك، أشرف عملياً على تنفيذ طبعـة منقحة من الرسالة الخمينية الأساس، المعدة للتصدير، والمعزّزة بالفوائض المالية الناجمـة عن ارتفاع أسعار البترول خلال الحقبة المنصرمـة، قبل ان تنهار مع الأزمة العالمية الراهنة.
إن خذلان الرئيس الايراني الحالي في الانتخابات المقبلة حدث منتظر بكثير من الترقب، لأنه بالغ الدلالة على قراءة الوضع الحقيقي في إيران، وقياس مدى حيوية المجتمع الايراني وقابليته على الانفتاح. فالاستحقاق القريب يندرج في المفكرة الدولية نقطة انطلاق الحوار مع واشنطن ، وإذا ما فاز خاتمي، قد يفتح مرحلة ترتيب الأوضاع في الشرق الأوسط، بدءاً من بابها العربي، بإرساء مفهوم متبادل مقبول لعلاقة الأسرة العربية مع جارتها الايرانية. ولربما يسهم مباشـرة في إشاعـة جو من الثقة ينعكس على السداسية والوكالة الدولية للطاقة. ومُجمل الملف النووي الايراني بقدر من التعامل العاقل والشفافية. بالطبع، لن ينال الانعطاف المحتمل من قواعد السياسة الخارجية الايرانية ومصالح الدولة كما يصنعها ويحددها مرشد الثورة، بيد ان الاعتدال في الأداء، وطابع خاتمـي الداعي الى المعاصرة والحوار، سوف يوفران مساحة للتخاطب ، والأهم، للمبادرات والحراك في الحقل المجتمعي، بغية تظهير المخزون الحداثي الكامن في ثناياه.
لا شك ان للتغيير في سُـدّة الرئاسة مفاعيل متوقعة، من ضمنها تبدل أسلوب التعاطي مع الأزمات. ويكاد المراقبون القول، وبلسان واحد، ان محصلته مزدوجة الفوائد. فحرمان أحمدي نجاد من دفة الحكم، وان المحدود والمشروط بموافقة المرشد، انجاز في حد ذاته، نسبي بالتـأكيـد في الاطار الايراني، لكنه أيضاً هزيمة للتيار المحافظ المتشدد ، وإخلال مرحّب به وواعد في موازيـن القوى على الصعيد الوطني. ولا ينسى أن جزءاً من مصاعب إيران ومنازعاتها الناشئـة، مردّه مشاكسة أحمدي نجاد، وإيغالـه في تعميق الهوّة الفاصلة من اقرب جيرانه، ناهيـك عن المجتمع الدولي. وسيتـرك الموقع الرئاسي فيما يعاني اقتصاد البلاد من التضخـم وضآلة الاستثمارات، الى البطالـة المرتفعة والنقص في التموين والانفاق العسكري العالي، دون موارد بتروليـة كافية، في المقابل، وقدرة على الايفاء بالمشـروعات.
فرّطت حقبة نجاد بمقدار من رصيد إيران، وهي تختتم حاضراً بلاءات ديبلوماسية انيقة من الدول الوازنة المعوّل عليها في مجالات النووي والتسلـح والانشاءات، مثالها فشل البعثـة العسكريـة ذات المستوى الرفيع الى موسكو مؤخراً وضعف حماسة الصين حيال جبهة الممانعـة وأطروحاتـها. ومن المرجح أن تتلقى العواصم العالمية نبأ تعثر الرئيس الحالي في الانتخـابات بارتياح، يشفعه نجاح خاتمـي بقيمة مضافة، نافذة على استعادة علاقات بنَّـاءة وإذناً صاغية في طهران. تردّد خاتمي طويلاً قبل القبول بترشحـه نتيجة تجربة ولايتيـن واضطهاد مُقنَّـع ، وسافر أحياناً، تعرّض له الجناح الاصلاحي. لـذا، يُعوَّل على حكمة مؤيـدة بزخم شعبي ، تضع حدّاً للمناكفة وتشهد للأمة الايرانية بما لها من تاريخ ومكانة طبيعية محترمـة بين الأمم.
في الظروف العصيبية، تضحي الواقعية ضماناً لعدم الانزلاق نحو الأسوأ الذي يعني حاضراً خطر الضربات العسكرية للمنشـآت النووية اذا وصلت المحادثات الى طريق مسدود. كما تعني ايضاً العزوف من التورّط في حروب بالوكالة، والمزايدة فلسطينياً على أصحاب القضية والمبادرة العربية. على هذا النحو، يمكن التفاؤل بقدوم خاتمي والرهان على استخدام الكوابح، ريثما تمارس إدارة أوباما دورها المحوري في الشرق الأوسط، ومعالجـة الملف الشائك من جذوره. في ميزان الربح والخسارة، قد يكون لبنان ايضاً أول الرابحين، ويجد سبيله الى سلم أهلى معافى، يجنح فيه حزب الله نحو السياسة، ويرعى خاتمـي علاقات صحية متبادلة بين دولتين، متجاوزاًَ الغرور العسكري ونزعة التكافل المذهبي الصرف.
باستطاعة ايران المضي في الخطاب الثوري بعد ثلاثة عقود على سقوط الشاه. لكن منطق الدولة هو الغالب في النهايـة، يلتفت الى بناء داخلي متين، واجهة للنموذج الموعود، والى علاقات سوية موزونـة مع الخارج تدعِّـم النهوض وتحصن المنجز.
سوى ذلك، مقامرة وحبـور بامتلاك الأوراق، وجلوس في عين الاعصـار. فوز خاتمي نقلة في الاتجاه الصحيح ومعيار للتحوّلات.
* كاتب لبناني.
الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى