صبحي حديديصفحات سورية

اعتقال كاراجيتش: مَن كان في البيت الأبيض بلا خطيئة!

null
صبحي حديدي

في صحيفة الـ “غارديان” البريطانية يكتب جون هوبر من بلدة سريبرنيتشا (موقع المجزرة، الأشهر في أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية، التي وقعت في مثل هذه الأيام قبل 13 سنة وأسفرت عن تصفية قرابة 8 آلاف قتيل من مسلمي البوسنة)، أنه لو جرى تصميم نصب تذكاري باسم رادوفان كراجيتش، الزعيم الصربي السابق ومجرم الحرب المتورّط مباشرة في هندسة وتنفيذ تلك المجزرة، فإنّ آلاف شواهد القبور المتراصة صفاً بعد آخر في بلدة بوتوكاري، حيث المقبرة الجماعية لضحايا سريبرنيتشا، سوف تكون هي التصميم الأبلغ تعبيراً عن حياة وأفعال كراجيتش. وإذا كانت عشرات المفارز العسكرية الخاصة والإستخباراتية التابعة للحلف الأطلسي، المكلفة خصيصاً بتعقّب الرجل واعتقاله، قد فشلت طيلة 12 سنة في تنفيذ المهمة، فإنّ المصادفة العمياء تكفلت بهذا… ليس في ميادين قتال تلك المفارز الأطلسية، بل على متن حافلة ركاب عامة في قلب العاصمة الصربية بلغراد.
غير أنّ إلقاء القبض على مجرم الحرب هذا لا يذكّر بأنّ شريكه في صناعة المجزرة، الجنرال راتكو ملاديتش، ما يزال حرّاً طليقاً فحسب، بل ينبغي أن يعيد التذكير ـ وبإلحاح أكثر ـ على أنّ سواهما من صنّاع المجازر يواصلون العيش بحرّية مطلقة وفي وضح النهار، بمنأى عن أيّ اتهام أو ملاحقة قانونية، عدا عن حقيقة أنّ البعض منهم يتمتع بصفة “بطل قومي” لدى شرائح واسعة من أبناء جلدته. وفي موازاة النصب التذكاري الجدير برجل مثل كاراجيتش، عند شواهد قبور بوتوكاري، ثمة نصب آخر يقع على مبعدة آلاف الأميال من سريبرنيتشا، على الأوتوستراد 8، غرب مدينة البصرة العراقية وغير بعيد عن حقل الرميلة، جدير بأن يحمل اسم الجنرال الأمريكي المتقاعد باري ماكافري. ولعلّ لوحة تنويه خاصة يجب أن ترتفع في قلب ذلك النصب، باسم القائد العسكري الأعلى لذلك الجنرال: الرئيس الأمريكي جورج هربرت بوش.
ففي عددها المؤرّخ 22 أيار (مايو) 2000، كانت مجلة “نيويوركر” الأمريكية قد نشرت تحقيقاً مفصلاً مسهباً وموثقاً، كتبه الصحافي الأمريكي الشهير سيمور هيرش (صاحب الفضل في كشف تفاصيل مذبحة “ماي لي” في فييتنام)، حول إصدار ماكافري أمراً بذبح عشرات الجنود العراقيين المنتشرين على الأوتوستراد 8، رغم أنهم كانوا قد استسلموا أو سلّموا أسلحتهم (إذْ كانوا في حالة انسحاب)، ورغم أنّ بعضهم كانوا جرحى، والبعض الآخر كانوا من العناصر الطبيّة (بينهم طبيب خرّيج الولايات المتحدة)، فضلاً عن عشرات المدنيين المنسحبين معهم إلى داخل العراق. المذبحة وقعت يوم الثاني من آذار (مارس) 1991، أي بعد يومين من إعلان وقف إطلاق النار. والجنرال صاحب الأمر (الذي تقاعد بعدئذ، ولكنه كان يشغل موقع «قيصر» مكافحة المخدّرات في إدارة الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، ساعة نشر تحقيق هيرش)، كان آنذاك يقود الفرقة 24 مشاة، وعزّ عليه أن تنتهي الحرب دون أن يتمكن جنوده من ممارسة «صيد ديوك الحبش»، كما كان التعبير الشائع يقول في وصف قتال الأمريكيين ضدّ العراقيين. والأمر الذي أصدره الجنرال إلى قادة وحداته كان ينصّ على التالي، بالحرف: «تدبّروا طريقة تمكّنني من ذبح كلّ هؤلاء العراقيين الأوغاد».
«كان يبحث عن معركة ما»، كتب هيرش، فوجدها في أرتال من الدبابات العراقية المتراجعة (700، بكامل أطقمها)، كانت توجّه مدافعها نحو الداخل العراقي، عكس الكويت، ولم تكن تشكّل أيّ تهديد للقوّات الأمريكية أو المتحالفة. «لم تكن هناك أيّة حاجة لإطلاق النار على أحد. لم يكن في وسع العراقيين أن يتراجعوا بسرعة أكبر. كانت الحرب قد انتهت»، أفاد الجنرال المتقاعد جيمس جونسون زميل ماكافري في ساحة القتال. «لقد اختلق معركة حين كانت الحرب قد انتهت» أفاد زميل آخر هو الجنرال رونالد غريفيث. «لم يكن باري يحارب شيئاً آخر سوى كثبان الرمال. كان يفتّش عن معركة بأيّ ثمن»، قال زميل ثالث هو الجنرال جون يوسوك.
فماذا قال البيت الأبيض، حينذاك؟ جون لوكهارت الناطق باسم الرئيس الأمريكي لم يعدم البلاغة، كعادته: «إتهامات باطلة. أعتقد أنّ المقالة ذاتها جزء من سلسلة مقالات كتبها صحافي يظنّ أنه لو ألقى بالكثير من سقط المتاع على الجدار فإنّ شيئاً ما قد يعلق». أكثر من ذلك، شنّ البيت الأبيض هجوماً معاكساً من نوع عجيب، إذْ سارع «المكتب القومي لسياسة مكافحة المخدرات»، الذي كان ماكافري سيّده، إلى إصدار مجلّد ضخم في امتداح احترام الجنرال لحقوق الإنسان، وفي حثّ منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان (وبينها منظمة العفو الدولية!) أن تهبّ للدفاع عن العسكري الشريف المطعون في كرامته!
ثمّ ماذا قال الجنرال نفسه، الذي كُرّم فوراً في أعقاب «عاصفة الصحراء» واستحقّ النجوم الأربعة دون سواها؟ «هذا هراء بلا معنى، وهو تاريخ تحريفي للحرب»، تلك كانت الجملة الأولى المقتضبة، مثل أمر عسكري جافّ وصارم. وبعد رفضه لقاء هيرش، وعدم الكتابة إليه إلا عن طريق مستشاره القانوني، قال الجنرال: «أعتقد أنّ ما فعلته في الرميلة كان مناسباً تماماً ومطلوباً للدفاع عن قوّاتي ضدّ قوّات عدوّة مجهولة ولا نعرف شيئاً عن نواياها». فوق هذا، في حديث مع أسبوعية “نيوزويك” الأمريكية، وبعد أن وصف مشهد الدمار على الأوتوستراد بأنه “أحد أشدّ مشاهد الخراب إثارة للصدمة”، تباهى ماكافري هكذا: “ذلك النهار كان بين أسعد أيام حياتي”!
ماذا عن البنتاغون؟ لم يكن تحت الشمس من جديد بالطبع: «لا تثير الحكاية قضايا جديدة ولا حاجة لفتح التحقيق من جديد. الجيش يثق بسلوك واستقامة جنود الفرقة 24 مشاة». والقول بعدم الحاجة إلى فتح تحقيق جديد انبثق من واقعة أنّ البنتاغون كان قد حقّق بالفعل في “الحادثة”، حسب التوصيف الرسمي للمجزرة، أو اضطرّ إلى ذلك عملياً، منذ آب (أغسطس) 1991. كيف؟ ذات يوم وصلت إلى مكتب التحقيقات الجنائية في البنتاغون رسالة مغفلة من التوقيع، توجّه إلى الجنرال ماكيفري سلسلة اتهامات خطيرة، لعلّ أخطرها أنه «ارتكب جرائم حرب» في المعركة التي شنّها يوم 2 آذار (مارس) ضدّ قوّات عراقية متراجعة. كذلك تتهم الرسالة جنود الفرقة 24 بـ «ذبح» أسرى حرب عراقيين في قاعدة جوية، في اليوم الرابع من اندلاع القتال.
البنتاغون تعامل بجدّية تامّة مع الرسالة، لسببين: الأوّل أنّ صاحبها كان يعرف ما يقول، ولا ريب البتة في أنه كان جزءاً من الحلقة القيادية في الفرقة إياها، بدليل ما يسرده من معلومات عسكرية دقيقة حول تحرّكات الفرقة. السبب الثاني أنه يختم رسالته بهذه الجملة الباردة الصاعقة: «إذا اخترتم عدم التحقيق، فهذا شأنكم. ثمة، مع ذلك، تسجيلات ووثائق وصور فوتوغرافية، والمعلّق الصحفي جاك أندرسون سوف يكون مهتماً كثيراً بالأمر». تعامل البنتاغون بجدّية إذاً، دون أن يعني ذلك عدم النيّة في «لفلفة» الأمر واستخلاص النتيجة الروتينية المتوقعة: «لا دليل على ممارسات خاطئة»!
والحال أنّ مجزرة الرميلة كانت تكمل مجزرة أخرى مريعة سبقتها، حين قصفت القاذفات الامريكية ملجأ العامرية المدني، في 13 شباط (فبراير) 1991، فسقط مئات القتلى من نساء وأطفال وشيوخ ضحية انفلات التكنولوجيا العسكرية الأمريكية من أيّ عقال. كانتا، كذلك، مآلاً طبيعياً لانفلات الضمير الأمريكي (والغربي إجمالاً) من أيّ وازع أخلاقي، وانزلاق عمليات “عاصفة الصحراء” نحو العتبة الوحشية المحتومة التي ستعيد تذكير العراقيين والعالم بأن آخر سابقة لهذه العربدة البربرية كانت تدمير المغول لبغداد عام 1258.
ولهذا فإنّ مجزرة العامرية سوف تظلّ الكاشف الأكبر لواحد من أقذر المبادىء «الأخلاقية» التي أضمرتها الإدارة الأمريكية منذ الساعات الأولى في التخطيط للحرب إجمالاً، وفي عمليات القصف الجوي وفق أسلوب الـ Carpet-Bombing. والمبدأ ذاك كان، ببساطة، أنّ الضحايا في الصفّ العراقي (من مدنيين أو عسكريين) هم مشكلة علاقات عامة ليس أكثر، وأنّ الرأي العام الأمريكي سوف يبدي القلق وبوادر حجب التأييد عن الحملة بأسرها إذا اتصل الأمر بالضحايا الأمريكيين وحدهم، كما كتبت صحيفة «لوس أنجليس تايمز» آنذاك، بالحرف الواحد. وللتذكير، لم تكن النخبة الأمريكية ضدّ هذا المبدأ، ولم تر فيه أية ضارّة أخلاقية استناداً إلى ثلاثة معايير:
الأوّل أن كلّ الملامة تقع على عاتق صدّام حسين. إنه هو الذي اتخذ قرار غزو الكويت، وهو الذي واصل العناد ورفض الحلول السياسية، وهو الذي بنى وسلّح ونشر «الجيش الرابع» في العالم، وهو تجسيد هتلر والشيطان والشرّ المطلق. ومارلين فيتزوتر، الناطق الصحفي باسم البيت الأبيض آنذاك، قالها بأنفة باردة: «هل سقط آلاف العراقيين؟ نعم، ولكن مَنْ المسؤول عن سقوطهم؟ لا تنتظروا منّا الإحساس بعقدة ذنب إذا كان صدّام حسين قد غزا الكويت واتخذ بنفسه قرار إفناء شعبه». ولو أن فيتزوتر تحدّث عن «إفناء جيش صدّام» أو تحطيم آلته العسكرية، لهان الأمر واكتسب التعليل مضمونه العسكري «الحقوقي». ولكنه تحدّث عن «إفناء شعبه»، مفترضاً أنّ هذا الشعب ملكية خاصة لصدّام حسين، وأن إفناء هذا الشعب جزء من العبء القتالي، تماماً كتدمير دبابة أو ناقلة جنود.
المعيار الثاني أن الولايات المتحدة لا تتحمّل أية ملامة ما دامت لم تقصد قتل المدنيين، حتى حين تكون نسبة 70% من الكتلة النارية المستخدمة (أي ما يعادل خمس قنابل نووية من عيار قنبلة هيروشيما) قد أخطأت أهدافها العسكرية حسب اعتراف البنتاغون ذاته. ورغم أنّ تلك القوّة النارية كانت أعلى بكثير مما يقرّ به القانون الدولي في نزاعات من هذا النوع (لأنها، ببساطة، انطوت على القصف الأعنف في تاريخ البشرية)، فإنّ مسؤولي الإدارة والبنتاغون واصلوا الإعراب عن نواياهم الطيبة في عدم استهداف المدنيين.
المعيار الثالث كان يمزج بين المعيارين السابقين، فيحاجج بأن صدّام حسين هو الذي يتعمّد وضع المدنيين في قلب الأهداف العسكرية، وأن عماد الجيش العراقي هو الاقتصاد العراقي ذاته، الأمر الذي كان يبرّر قصف محطات توليد الكهرباء وتنقية مياه الشرب ومعامل حليب الأطفال والطرق وشاحنات الدقيق ومحطات الوقود المدنية و… متحف بغداد، والمواقع الأركيولوجية في كركوك، ومسجد نور الدين في الموصل، وقصر آشور بانيبال في نمرود، والأضرحة السومرية في أور! وبهذا المعنى يمكن أن نقرأ عبارة الجنرال ماكافري عن «قوّات عدوّة مجهولة ولا نعرف شيئاً عن نواياها». إنها عدوّة، أينما كانت، كيفما كانت!
وفي عام 1991 كان الروائي والمسرحي الأمريكي ستيف تيسيك قد تساءل عن السبب الذي يجعل «فورة الفرح» هي ردّ فعل السواد الأعظم من الأمريكيين على مشاهد الدماء والقتل الجماعي. وكتب الرجل يقول: ما الذي يدفع بوش إلى اعتبار الأمريكيين على هذه الدرجة من الإنحطاط الأخلاقي والإنساني؟ كانت الإجابة بسيطة ومنطقية وسوداء قاتمة: إما أنّ بوش شطب البشر والمشاعر الانسانية من مفهوم أمريكا القوّة العظمى الوحيدة، أو أنه يعرف الأمّة بأفضل مما تعرف الأمّة نفسها!
كلّ هذا قبل 11/9، وقبل غزو أفغانستان والعراق، وقبل مذابح الفلوجة وحديثة ومباذل سجن أبو غريب… وثمة إغواء بالغ في القول: مَن كان في البيت الأبيض بلا خطيئة، فليرمِ أمثال كاراجيتش وملاديتش بالحجارة!

خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى