صفحات سورية

الثقافة البوليسية… وصناعة الخبر!

null
درويش محمى

“سليمان ضابط في الجيش السوري وقتل في حادث اغتيال والتحقيق ما زال جارياً حتى الان”, هذا كل ما نطقت به السيدة بثينة شعبان المقربة جداً من القصر الرئاسي السوري, بشأن مقتل العميد الاستخباراتي محمد سليمان المقرب بدوره من القصر نفسه, ولم تضف السيدة شعبان اي جديد على خبر اغتيال الجنرال سليمان يوم الاحد الماضي, بعد تداوله بشكل واسع في وسائل الاعلام العربية والغربية لمدة اربعة ايام بلياليها, واكتفت شعبان بالتأكيد على وقوع الحدث واسم الضحية ورتبته, لتسجل السبق الصحافي الرسمي السوري باعتبارها كاتبة ملتزمة, والسبق “الرسمي التصريحاتي” باعتبارها مسؤولة كبيرة في النظام السوري .
اغتيال الضابط الاعلى في »حزب الله« عماد مغنية في دمشق قبل ستة اشهر, لا يختلف كثيراً عن الاغتيال الاخير الذي راح ضحيته الضابط الاستخباراتي سليمان, من حيث طبيعة الواقعة ومن حيث التعامل الخبري للحدث من السلطات السورية معه, فالسيد نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد, بعد ان اعرب عن استياءه واستغرابه في احدى حلقات برنامج”حوار هاني” الذي يبث على »دبي الفضائية«, لما أسماه بالضجة الاعلامية المفتعلة بشأن حادث الاغتيال, وبعد ان اعتبر الديبلوماسي السوري الحادث “امراً عادياً يحصل في احسن الدول”, قال فيصل مقداد “لما كل هذه الضجة حول اغتيال مغنية” .
ثقافة الصمت والتعتيم الرسمي السوري, تلك السياسة الاعلامية التي تتبع عادة لمواجهة احداث وتطورات مهمة في الداخل السوري, لاشك انها جزء من الثقافة البوليسية الراسخة للنظام السوري, فقد اعتدنا عليها واعتاد عليها الشعب السوري, ولا لوم على السيد فيصل مقداد في موقفه من مقتل عماد مغنية, ولم نكن لنلوم السيدة بثينة شعبان كذلك, على موقفها التعتيمي الاخير وثقافتها البوليسية, لولا مقالها “صناعة الخبر” الذي نشر بعد مقتل سليمان بيوم واحد, ولولا تصريحها البوليسي المقتضب بعد مقتل سليمان باربعة ايام .
افتقار الساحة العربية “لمراكز ابحاث متخصصة في انتاج الفكر والدراسات” أمر يدعو للحزن, تقول السيدة شعبان في مقالها الاخير”صناعة الخبر”, وهي محقة تماماً في ما ذهبت إليه, واعتمادها على الابحاث والدراسات الغربية في سعيها الى صناعة الخبر, امر مبرر ومقبول ومفهوم تماماً, لكن تجاهلها المتعمد للاسباب الحقيقية التي تقف وراء انحطاط وسوء صناعة الخبر في سورية, يجعلنا نعتقد ان السيدة شعبان مثلها مثل نظامها في دمشق, كان عليها الا تخرج عن السرب الملتزم وتقول الشيء وتفعل نقيضه, ففن صناعة الخبر يزدهر ويتطور فقط في الاجواء الديمقراطية والحرة, سيدتي المستشارة الاعلامية, وعلى العكس تماماً يضمحل وربما يختفي كلياً في ظل الانظمة الاستبدادية المخابراتية, ونظام دمشق ومثقفيه من الطابور المقاول, هم الأكثر عداءً وكراهية للخبر وصناعته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى