صفحات ثقافية

عن تصريحات زياد الرحباني في دمشق: الوطنية ليست دائماً على حق

null
راشد عيسى
اختار الفنان زياد الرحباني أن يطلّ على الجمهور السوري، في قناتين إعلاميتين، أولاً عبر حوار مع إذاعة شام FM السورية الخاصة، والثانية على حلقتين في صحيفة »تشرين« الحكومية. ومنذ استمعت، وقرأت ما ورد فيهما، أيقنت أن الشحّ الذي يميز الظهور الإعلامي لزياد، الذي لم يكن يظهر إلا »مفلتراً« عبر ملحقيه الإعلاميين، وهم ينبغي أن يتفهموا أكثر من غيرهم حاجات الصحافة والصحافيين، لا أن يشوشوا عليهم وعلى أرباب عملهم، أيقنت أن هذا الشحّ لا سبب وجيهاً له سوى انخفاض في منسوب العبقرية، إذ قيل كلام ثرثار كثير لا معنى له، وبالطبع سنجد دائماً من يرى عبقرية في هذه الثرثرة، وفلسفة، وهضامة لا نظير لها. مثلاً حين يكلّف زياد نفسه عناء الوقوف أمام الحشود ليقول وبنبرة توحي بأنه يقول كلاماً استثنائياً سيصفق له الجمهور طويلاً، وتتناقله العناوين: »دمشق ليست عاصمة ثقافية، إنها عاصمة أساسية«. فيا للعبارة الفاتنة التي لن يفلتها الجمهور.
سنترك هنا كل ما قاله زياد، ليسعد به المعجبون، ولكن ما يهمنا بعض تصريحات لافتة تضمنت اتهامات سياسية. لا يهم كثيراً أن زياد لم يبد أسفاً واضحاً على رحيل الشاعر الفلسطيني محمود درويش حين سأله مستمع، والسؤال مسجّل سلفاً ولا ندري أي معنى له في حوار مع زياد، قال المستمع: »درويش رمز من رموز الثورة، وكان اتُهم في فترة من الفترات بالعـمل تحت لواء العلم الإسرائيلي، فهل هذا الشيء يقلّل من قيمة عمل درويش؟« فجاءت إجابة زياد: »درويش خسارة كأديب بلا شك، ولكن الملاحظة التي قالها (المستمع) وردت في فترة معينة. لكن لا شك سيبقى أديباً شئنا أم أبينا. الموقف العام الذي كان فيه، لا أستطيع التفصيل فيه الآن، خاصة أن الشخص..«. وإذا كان العزاء شأن شخصي، لا يسأل عنه زياد، فإن تمرير الاتهام بهذا الشكل وكأنه أمر مسلّم به، يستحق التوقف والنظر. ولا ندري من نسأل، الإذاعة التي مررت السؤال في غير محله، أم نسأل زياد، الذي سيقول ما هو أخطر حين يتناول تجربتيْ التونسي أنور ابراهيم، واللبناني ربيع أبو خليل: »هذه هي الموسيقى التي يريد الغرب أن يصنعها بالنيابة عنا ويصدرها للعالم باسمنا. هذه هي الموسيقى التي يصنعها الصهاينة في العالم بدلاً من العرب«. وكي يزيل الفنان الرحباني أي إمكانية لتأويل خاطئ يعود في موقع آخر من الحوار، حين يفسر غياب أغنيات فيروز ووديع الصافي عن محلات الموسيقى الكبرى في أوروبا: »عندما يتعلق الأمر بأسماء مثل فيروز التي يجب أن تكون قد وصلت للغرب إذا كان أحد منا قد وصل، لن تجد أعمال فيروز، لكنك ستجد أعمال ربيع أبو خليل وأنور إبراهيم بسهولة أكبر، وبالمصادفة أنور إبراهيم يهودي«. وحين يسأل زياد عن تجربة ظافر يوسف، الذي عزف قبله بأسابيع في دمشق، يقول: »هناك كثيرون من هذا النوع، قبل عامين أو ثلاثة جاء الى مهرجان بيت الدين عازف ناي تركي … محتال دولي«.
المعيار الرحباني
وبالمناسبة فقد استضافت عاصمة الثقافة العربية، دمشق، الفنان أنور ابراهيم، التي لا يستطيع زياد أن يزاود عليها في حساسيتها من شبهة صهيونية، أو شبهة تطبيع، كما كانت دمشق استضافت من قبل ربيع أبو خليل. وبالطبع احتفلت مع المحتفلين بمحمود درويش على أرفع المستويات. بالإمكان بالطبع أن يتجادل الناس قدر ما يشاؤون في الموسيقى، أما أن نستخدم أحكاماً تصل إلى هذا الحدّ، كما تتضمن نفياً قاطعاً لتجارب الآخرين كأنما ليقول أنا، أنا، أنا فقط، فهو أمر مستغرب من زياد، ولا يليق بقامته الموسيقية. فهل هو مضطر لاستعارة أسلحة من خارج الكار، أسلحة سياسية لرشق تجارب الآخرين؟ التجارب التي لا يستهان بها، ولا بجماهيريتها، تلك الجماهيرية الشغوفة بأعمال زياد كما بأعمال الآخرين، إلا إذا كان الفنان الرحباني يريد لنا لوناً موسيقياً واحداً. وإذا كانت الوطنية هي المعيار الرحباني الوحيد لماذا لا يريد أن يتذكر أو يشير مرة إلى فنان بحجم مارسيل خليفة.
يصل زياد أخيراً في معرض حديثه عن عمله الصحافي، إلى تقييم الصحف اللبنانية، هو الذي يصوّر نفسه كما لو أنه جاء منقذاً لها: »لم يكن هدفي هو التعدي على الصحافة بل كان الهدف هو المساعدة في إطلاق جريدة »الأخبار«، خارج سياق الإعلام الموجود، لأن جل الصحف باتت مشتراة، حتى صحيفة »السفير« التي كانت الأقرب لنا ضاعت لبعض الوقت بعد أن توفي الحريري«.
ضربنا كفاً بكف، قلنا متى تنتهي حروب السياسة في بلادنا، كي يعود الموسيقي موسيقياً وحسب، والشاعر شاعراً، والمسرحي مسرحياً، من دون صورة المبدع الشامل التي يطارد الجميع للوصول إليها، وفي الوقت نفسه يستعيرون منها ما يقوّيهم على المطاردة. قلنا أيضاً إنه ليس فقط »الوطنية ليست دائماً على حق«، إنها غالباً ما تكون ظالمة، وغالباً ما تستعمل في غير مكانها.
(دمشق)
السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى