صفحات العالم

ساركوزي يطلّق سياسة ديغول

محمود عوض
إذن ها هو الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ينجح أخيراً في ما سعى من أجله منذ انتخابه في أيار (مايو) 2007: إعادة فرنسا إلى حظيرة الجناح العسكري لمنظمة حلف شمال الأطلسي. هدف بدا في حينه بعيد المنال – حتى داخليا – على ضوء ثقافة سياسية متجذّرة في فرنسا منذ عهد الرئيس الراحل شارل ديغول. فحين قرر ديغول في سنة 1966 إخراج فرنسا من القيادة العسكرية لحلف شمال الأطلسي، وفي الوقت نفسه إخراج القواعد العسكرية الأميركية من الأراضي الفرنسية، كان يؤكد عملياً وجود مساحة من الاستقلال لفرنسا عن سطوة القيادة الأميركية. تلك السياسة الديغولية كانت تهدف إلى تحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية لفرنسا في العالم الثالث بتقديم بديل عن هيمنة المصالح الأميركية العاتية، وأن تخفّف من حالة الاستقطاب الحاد التي فرضتها الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفياتي ومعسكره الأوروبي.
ومنذ انتخابه رئيساً لفرنسا عمل ساركوزي بهمّة طوال عشرين شهراً لفرض هذا التحوّل الجذري في التوجهات السياسية والأمنية لفرنسا. وحينما جرى التصويت لصالح هذا التحوّل مساء الثلثاء الماضي في الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) كانت النتيجة 329 مؤيداً مقابل 238 معارضاً، وهو ما يعني أن الأغلبية المتحققة لم تجئ كاسحة كما كان يأمل ساركوزي. وزيادة في الاحتياط فإن ذلك التصويت جرى في سياق الاقتراع على السياسة الخارجية التي تنتهجها حكومة فرانسوا فيون رئيس الوزراء ومن بينها ضمنياً عودة فرنسا إلى الجناح العسكري لحلف شمال الأطلسي. كان هذا يعني أن رفض العودة إلى «الناتو» يساوي إسقاط الحكومة الفرنسية، وهو ما سمح للحزب الحاكم بتمرير انضمام فرنسا عسكرياً الى حلف «الناتو» وتجديد الثقة بالحكومة.. في وقت واحد.
ملابسات هذا التحوّل الفرنسي تزداد وضوحاً مع مقارنته بملابسات الخروج الفرنسي عسكرياً من حلف شمال الأطلسي سنة 1966. ففي ظل الحرب الباردة والمواجهة الأميركية مع الاتحاد السوفياتي على المسرح الأوروبي اختار شارل ديغول لبلاده الاستقلال عن القيادة الأميركية. هو لم يخرج بفرنسا من المعسكر الغربي بتلك الخطوة الجذرية ولا خرج من موقع فرنسا في الحرب الباردة بالمعنى العريض. فقط أراد ديغول الاحتفاظ لبلاده بمسافة عن القيادة الأميركية.
الآن في 2009 يعيد ساركوزي فرنسا إلى الجناح العسكري منفصلاً هذه المرة، ليس عن أميركا، ولكن عن أحد الملامح الأساسية لسياسة فرنسا الديغولية التي استمرت لأكثر من أربعة عقود. اللافت هنا بدرجة أكبر هو أن هذا التحوّل يتم بعد عشرين سنة على انتهاء الحرب الباردة و18 سنة على تفكك الاتحاد السوفياتي ذاته وقبله تفكك حلف وارسو وبعده انضمام دول ذلك الحلف إلى حلف شمال الأطلسي. وبدلاً من تحلل حلف «الناتو» على ضوء اختفاء العدو الذي نشأ لمواجهته سعت الولايات المتحدة إلى توسيع عضوية الحلف شرقاً باتجاه روسيا ذاتها وتوسيع النطاق الجغرافي لمهمات الحلف تجاوزاً للمسرح الأوروبي وامتداداً نحو آسيا وإفريقيا. ولأن الأحلاف العسكرية يصنعها الخطر وتفككها الطمأنينة فقد كان لا بد من ابتكار أخطار جديدة تبرّر استمرار حلف شمال الأطلسي بل والتوسع فيه من حيث العضوية والموازنات العسكرية.
وكان جاك دولور الرئيس السابق للمفوضية الأوروبية هو الذي قال ذات يوم إن الاتحاد الأوروبي هو كالدراجة الهوائية التي تسقط في الحال إذا لم تتقدم. ولكن بتقدم حلف شمال الأطلسي في طبعته الجديدة المتضخمة تابعنا الإضافات الأميركية المتتابعة للمهمات والتحديات التي تضاف إلى مسؤولياته. تحديات بمستوى ضمان أمن الطاقة ومكافحة القرصنة وحتى السيطرة على المضائق البحرية.. اضافة الى منع الانتشار النووي ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة. بل إننا تابعنا احتشاد مجموعات من دول حلف شمال الأطلسي في أفغانستان منذ سنة 2001 (ولفرنسا هناك 2800 جندي) وفي خليج عدن وحتى في جنوب البحر الأبيض المتوسط تحت عنوان منع تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة. وفي العام الماضي سجل الصحافي البريطاني روبرت فيسك ملاحظة بالغة الدلالة حينما كتب أن العالم الإسلامي أصبح يوجد فيه الآن جنود غربيون هم 22 ضعف الجنود الغربيين الذين كانوا موجودين في زمن الحروب الصليبية.
الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك كان هو الذي بادر بالكتابة إلى الرئيس الأميركي بيل كلينتون يعرض عليه رسمياً عودة فرنسا الى عضوية الجناح العسكري لحلف شمال الأطلسي مقابل تعيين اثنين أو ثلاثة من كبار الضباط الفرنسيين في القيادة الجنوبية للحلف. هذا الشرط أدى في حينه إلى رفض أميركا للعرض الفرنسي لأن القيادة الجنوبية للحلف تعني تحديدا منطقة البحر الأبيض المتوسط وأيضا إسرائيل وارتباطها بالأسطول السادس الأميركي.. وكل هذا تصرّ أميركا على أن تحتكره لنفسها من دون مشاركة، أو حتى مجرّد تطفّل، من أقرب حلفائها.
الرئيس ساركوزي كان له مدخل مختلف باختياره من اللحظة الأولى الارتباط الوثيق بالسياسة الأميركية إلى درجة قد يراها البعض تبعية كاملة. وزاد من ذلك خروجه بمشروع سمّاه «الاتحاد من أجل البحر المتوسط».
في البداية كانت الفكرة هي قيادة فرنسا لرابطة مستمرة مع دول جنوب البحر الأبيض المتوسط – تسع دول عربية زائدا إسرائيل – كبديل عن فشل عملية برشلونة التي انطلقت في سنة 1995. مع اعتراض ألمانيا جرى ضم كل دول الاتحاد الأوروبي إلى الدول العربية التسع زائدا إسرائيل. وهكذا فإن ما فشلت إسرائيل في الحصول عليه من خلال عملية برشلونة جاء الرئيس الفرنسي لكي يتيحه لها مجاناً من خلال مشروعه الجديد بحجة أنه «أفضل وسيلة للخروج من حلقة الانتقام والكراهية الجهنّمية بين العرب وإسرائيل».
ساركوزي سعى أيضا إلى دفع دول الاتحاد الأوروبي الى زيادة امتيازاتها الممنوحة لإسرائيل والبدء في دراسة طلبها الحصول على صفة «الشراكة الاستراتيجية» مع الاتحاد الأوروبي بما في ذلك إشراك إسرائيل في آليات صنع القرارات الأوروبية وعقد قمة سنوية مشتركة بين إسرائيل ودول الاتحاد الأوروبي. وسبق ساركوزي ذلك بخطابه غير المسبوق في الكنيست الإسرائيلي، وهو الخطاب الذي لم يرد فيه أصلاً أي ذكر لعبارة «الأراضي المحتلة». وهو الوصف الذي التزمت به السياسة الفرنسية منذ صدور قرار مجلس الأمن رقم 242 في 22/11/1967.
كانت إعادة فرنسا إلى الجناح العسكري لحلف شمال الأطلسي إذن جزءاً من تحوّل كامل في التوجهات الاستراتيجية والأمنية الفرنسية، بدءاً من إقامة قاعدة عسكرية لفرنسا للمرة الأولى في منطقة الخليج إلى الحرص على عدم إدانة إسرائيل في حربها المتوحشة ضد أهالي قطاع غزة والتي استمرت 22 يوماً ومسايرة زعم إسرائيل بأنها «حرب دفاعية». وقبل هذا كله كانت فرنسا هي التي لعبت الدور الأكبر – بعد أميركا وقبل بريطانيا – في تأجيج أزمة دارفور من خلال استضافتها لممثلي حركات تمرّد ضد السودان ودعمها تشاد في استخدامها للمتمرّدين ضد السودان أيضاً. وبعد صدور مذكرة المحكمة الجنائية الدولية باعتقال الرئيس السوداني عمر البشير كان لافتاً خروج الناطق باسم وزارة الخارجية الفرنسية ليعلن أن فرنسا تؤيد اعتراض طائرة رئيس السودان في الجوّ لاعتقاله. وجرى في اليوم التالي تخفيف التصريح قليلاً بالقول إن المقصود بذلك هو في حالة وجود طائرة رئيس السودان في الأجواء الفرنسية.
بالعودة إلى دخول فرنسا إلى الجناح العسكري لحلف شمال الأطلسي بعد ابتعاد طال 43 سنة نجد أن هذا التحول توازى مع رؤية تسعى إلى جعل الحلف متسعاً ومتنوع المهمات ليصبح في نهاية المطاف الذراع العسكرية للغرب باتساع العالم. مهمة كان المحافظون الجدد حاولوا الترويج لها في سنوات جورج بوش وتلحق بها فرنسا الآن، رغم أن الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما وعد ناخبيه بالتغيير وبالحوار والديبلوماسية بدلاً من المواجهة والحرب، ورغم أن قياداته العسكرية بدأت تعلن أخيراً أنها لا تسعى في أفغانستان إلى انتصار عسكري.
* كاتب مصري
الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى