صفحات سورية

المستقبل بالقياس إلى الحاضر

null


حسام عيتاني

لنتخيل أن المشاريع والدعوات والتضرعات الهادفة الى إزالة إسرائيل، هذا «الوحش» و«الكيان السرطاني» و«الجرثومة»، قد تحققت بقدرة إلهية أو بشرية. لنتخيل أن مظلة المشروع الصهيوني قد انسحبت من فوق فلسطين التاريخية وأننا في اللحظة التي تلت انهيار الدولة الإسرائيلية. السؤال المطروح: ما هي الخيارات التي تمتلكها الأطراف المنتصرة لصياغة وتشكيل مستقبل فلسطين وقد تحررت؟

نقول «الأطراف المنتصرة» استنادا الى خريطة القوى الممانعة والمقاومة الحالية المتداخلة مع قوى وفئات لا مفر من الاعتراف بشرعية حقوقهم بالأرض وبالعودة الى فلسطين على الرغم من أن رؤيتهم للصراع ولإنهائه لم تكن لتتفق مع التصورات السياسية للمقاومين المقاتلين.

الأرجح أن صراعا جديدا عنوانه تقرير المصير بعد الحصول على حق تقرير المصير، سيندلع بين الفلسطينيين، ولن يكون في منأى عن التدخلات الإقليمية والتجاذبات المميزة للمشهد العربي القائم. واذا كان الصراع العربي ـ الإسرائيلي يخلق أسباب الانقسام العربي في الساحات التي تعيش في أطر دول هشة وغير بوليسية ـ استبدادية، على ما هو حاصل في لبنان، فإن الصراع هذا لا يكفي لتفسير أسباب التفتت العربي الذي سيأخذ بعد تسوية القضية الفلسطينية أشكالا جديدة بعناوين مختلفة.

قد تقع الحروب الأهلية في «فلسطين الحرة» الافتراضية لأسباب تتعلق بشكل الدولة وتقاسم السلطة وفرض درجة من التدين على المجتمع أو لأسباب أهلية لا تحصى في تكرار لما يمكن أن يقع في لبنان. فالعلاقة بين الصراعات وأسبابها، غالبا ما تكون مركبة ومعقدة بحيث تكفي التركيبة الاجتماعية غير المستقرة، في أحيان كثيرة، لتوليد عوامل الانفجار.

ومن يعتقد أن الحروب العربية ـ العربية مستحيلة في غياب عامل الاختلاف على الموقف من الصراع مع إسرائيل، فليراجع تاريخ اليمن سواء في الحقبة الناصرية أو ما بعدها، وليراجع خصوصا تاريخ الحروب التي شنها صدام حسين على ايران والكويت ومواطنيه من الأكراد وغير الأكراد، جملة وتباعا.

رب محتج على الصورة هذه قد يقول إنها تتسم بالسكونية وتهمل إمكان تطور مشاريع قوى المقاومة والممانعة تطورا يتيح انتقالها الى مستوى أكثر ديموقراطية ويخفف من النزق الايديولوجي الذي يميزها اليوم ويفتحها أمام فئات واسعة من الفلسطينيين والعرب الذين يعتبرون أنفسهم غير معنيين بهذه القوى اليوم. ربما يكون الاحتجاج هذا صحيحا لو أن في الأفق أي مؤشرات على ما يوحي بانفتاح من النوع المشار اليه. وان هذه المقاربة تنطوي على قياس للمستقبل على أساس معطيات الحاضر.

ما بين أيدي كل مراقب يتسم بالحد الأدنى من الموضوعية، يشير الى سير القوى المذكورة في الاتجاه المعاكس لاتجاهات الترحيب بالانتفاح القبول بتنوع الآراء والحق في أشكال مختلفة من الممارسة السياسية. إننا في طور بات يقترب أكثر فأكثر من الخروج من السياسة بمعانيها البسيطة والارتماء في أحضان التأويلات الغيبية التي لن تتأخر عن أن تسفر عن وجهها الكارثي بالنسبة الى مستقبل هذه البلاد.

مناسبة هذا الكلام هي، بالضبط، هذه الدورات اللانهائية من العنف والقتل في غزة والضفة الغربية. المتمسكون بخيار الكفاح المسلح هناك، يتمسكون، في الوقت ذاته، بخطاب مرتفع السقف، يعلن تقديس الثوابت المشروعة للحقوق الفلسطينية وعدم التنازل عنها. لكنه إذ يفعل ذلك، تختفي أي آلية لطرح المطالب هذه على جدول أعمال قابل للتحقق، ولو عبر نضال سياسي ومسلح مرتفع الثمن. فتبدو المطالب، على وجاهتها، وقد ارتبطت بنهج يحيلها الى ما لا قِبل لأصحابها لا بانتزاعه من المحتل ولا للاتفاق على مصيره بين أبناء الوطن الواحد في المقبل من الأيام.

هذا، فيما يستغل الاحتلال الجانب المستحيل من النهج هذا ووقوف أصحابه خارج الواقعية السياسية بذريعة التمسك بالثوابت المبدئية، ليطلق آلة الإبادة والتصفية بأقصى فاعلية معلنا استعداده لتحمل سقوط عدد من الإصابات والخسائر في صفوفه طالما أن المقابل ليس أقل من تدمير القضية الفلسطينية على رؤوس أهلها بحسب ما تدل عليه عمليات القصف الإجرامية في غزة وحملات الملاحقة المسعورة في الضفة.

في السبعينيات من القرن الماضي، سادت في أدبيات المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية مقولات تؤكد أن الشعوب لا تهزم وان الاستعمار والاحتلال الى زوال، استنادا الى تفسيرات مبتسرة لأفكار الحتمية التاريخية. تعود صيغة منقحة عن المقولات هذه الى الواجهة. ولعل الدرس الذي يتعين التأمل فيه، أمام هذه الدورة من القتل، هي أن الكثير من الشعوب هُزمت بالفعل على مر التاريخ. وان الحتمية التاريخية كانت الى جانب الشعوب التي ألحقت بها الهزيمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى