صفحات الناسفلورنس غزلان

أنين الحرية

null
فلورنس غزلان
لم يبق من حروب الأخوة الأعداء سوى هزيع الليل وعسس النهار ينسربون في  جحافل سوداء ويتسربلون بأقلام أسيرة أصابع تعزف ألحان لغة انقرضت،  وأوراقا تجف تحت نزق الحروف ورفضها الانصياع..
لم يبق من دفاتر الأخوة الأعداء سوى أزلاما تقرض الكلام وتعض على نصال لا تدمي سوى أولادهم ولا تحفر سوى قبورهم ولا تعشش إلا مع البوم…
لم يبق من تراث الأخوة الأعداء،  سوى بقايا هشة لتعاليم كانت مقدسة ذات يوم…ولم يبق من قدسيتها سوى أسطورة  تمر جحافلها على أشلاء الأطفال،  ودمار بيوت كانت عامرة تزهو حدائقها بالأخضر وتباركها غوطة الرحمن وشذى الياسمين…
لم يبق في الزمن الأغبر هذا، سوى ضغائن تسترق النظر ، تسرق الكحل من العيون،  والخبز من أفواه الجياع، ترتكب النزوات وتصطاد الخبر،  وتعلقه على أغصان العوسج عله ينبت أشواكاً يسمونها” الخيانة”.  ينقلبون على السيوف وتراثها،  فيشحذونها لتقطع أعناق العشاق لأوطان تربت على التضحية وترعرع أحرارها على الصمت في زمن العتمة،  وكبر أولادها على الخشية من غياب  الحرية ووأدها في آبار الاستبداد والفردية.
لم يبق من بحيرات الحب في زمن الفرح،  سوى ذكريات تجترعها نفوس امتلأت بالعطش وجفت حلوقها على المكبوت من الأحلام والممنوع من الرغبات، تستند عذراواتها على خرائط منتظرة وقد أصابتها العنوسة،  وتقلصت طاقتها في مرافيء الليل المنسدل دون نهاية فوق حارات دمشق العريقة وأسواقها العتيقة.
لم يبق من حلقات الحوار وحكايا الشتاء،  إلا  جدات هرمت قبل أن تبصر غائباً،  وتبتسم لمعتقل خرج من خلف الأقفال وودع الأصفاد إلى غير عودة، إلا أملا …تسحبه مرغما من فم الغول القابع فوق صدرها منذ عقود،  وتروي لأحفادها أنه لا بد سيغادر القرية ويرحل ، حين يحين وقت الرحيل!…ويسألونها عن الوقت ، فتلهيهم بأغنية الحصاد وبأنشودة العودة…حتى يغزوهم النوم…دون حلم…وتأخذهم كوابيس الفراق إلى متاهات الحاضر المخادع والزمن القادم .
لم يبق لفزاعة الرعب في جبل المقطم وأخوته في قاسيون والمزة، سوى فقراء ينتهون بقليل من الضجة وكثير من الوعود، يشيد أصحاب القوافل التي حطت رحالها في جبالنا واستقامت قلاعها وحصونها مع بنادق تخشى  أذرعة الجوع أن تغزوها، وتستنفر  رعبا من قوافل العطشى أن تأتي على آبارها، تخاف فراشات تتوالد في صقيع” صيدنايا”،  وعصافير تبكي في كوات “عدرا” حزناً على كتب تحترق بين يدي( ميشيل) ومخطوطات تأكلها الجرذان تحت وسادة( أنور ).
لم يبق من جنة الله على الأرض، سوى غيمات من فضاء ملوث، وذباب يغزو العيون المريضة وأبواب البيوت الواطئة ، وجحافل من سيارات يلاحقها غبار الغضب،  وشمس تشعل حرائقها المجنونة انتقاما للأرض من ساكنيها الصامتين وحماقاتهم.
هل بقي إمكانية لترميم صغائركم وطرد شهواتكم الموروثة في خصوماتكم التافهة أيها الأعداء الحميميون؟
هل بقي في الزمان لكم وقتاً تقرأون فيه تاريخكم،  وتتحدثون عن عبثكم في حصد أوسمة الخلاف على ترميم الحقد المتربع في أدمغة تشيخ ولا تعرف الاعتزال، ولا تعترف بهزيمتها أمام عيون أبناء تآكل نموهم في حضرة الطغيان؟
هل بقي لنا حق في استنفار  ما ادخرناه في زمن الغياب من حنين لتفاحة الحرية، و للخروج من فردوسكم المفقود الموؤود،  دون أن تجتهدوا في صنع خرائطكم وحسم تناحركم وانتحاراتكم على طرقات هجرها أهلها،  وتركوكم تلوكون شعارات كتبكم الصفراء وأخطاءكم البلهاء؟
هل لنا بعد أن نحسن الظن في اجتهادات تخرج عن المألوف،  وتعتق الأرواح الجريحة وتُخرج كتباً جديدة يفهمها الصغار ويحفظها الكبار، أتريدوننا أن نتريث بعد؟…أقولها دون وجل منكم ومن الزمن
لم يبق لي من الزمن لحظة انتظار، ولم يبق لقطار الجوع من وقت سوى الاحتضار…أنأمل أم نستعد للانتحار؟
ــ باريس 09/09/2008
م :ــ صيدنايا ، عدرا ( سجنان سوريان يقبع فيهما خيرة أبناء سوريا ومعتقليها السياسيين)
خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى