صفحات سورية

كي لا ننسى إن الأصل يتكرر في النسخ

null


“إلى الكواكب الأحد عشر وقمرهم”

خلف الجربوع

26-2-2008

يعتقد الباطنيون إن هناك معنى أصلي هو غاية الأفعال الظاهرية ، وان المعطيات الظاهرية في تصوراتهم مجرد معان أولية ليست ذات قيمة ، إلا إذا قادت للمعنى المجرد لدلالة أساس اعتقادهم بالأصل في كل شيء، في العرق والأفكار و إنه الأصل في الدين والفلسفة والاجتماع وحتى في الوجود الفردي و هو انفعال غامض ومبهم يختفي في طقوس اليومي ، ويتسرب إلى اليومي والعادي المألوف بشكل مموه ، ويختفي بأشكال عديدة من التمويه .

.وهذه المادة محاولة لتفسير مواقف سياسية متكررة بإعادتها إلى معنى أولي ، اقصد بذلك دلالة الموقف الحالي ومقارنته مع الغاية التي يحتكم لها أصحاب هذه المواقف ، لان الأصل تسرب إلى نسخة ظاهرية لا توحي بأنها تكرار للأصل بل شكل جديد يتجاوز الأصل .

هذا التفسير الظاهري مضلل لأنه يستند إلى مقدمات زائفة ، ولان الباطنية بمعناها الغنوصي لا تتسرب فقط إلى الفرق العقائدية ( الدينية ) المنشقة عن عقيدة أم سائدة ، عندما يشتد الصراع الاجتماعي والفلسفي داخل حوامل العقيدة الكبرى ، وتنتقل الفرق إلى ( السرية ) للمحافظة على كينونتها ، بل أيضا يتسرب إلى تعبيرات سياسية / ظاهرية ،عندما لا تستطيع هذه التعبيرات الإجابة على الأسئلة الجديدة ، وفهم لماذا تطرح هذه الأسئلة ؟ . وعندما تصبح هذه التعبيرات السياسية مجرد ( أخويات / عائلية ) غير قادرة على تجديد رؤيتها للعالم ومتغيراته المحيطة بها .

وما هذه المقدمة إلا محاولة لوضع بضع نقاط على بضعة حروف ، في المواقف المتكررة لتنظيم الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي من المعارضة السورية .

منذ انعقاد المجلس الوطني لإعلان دمشق في 1/12/2007 كثر الردح والردح المضاد وطغى على ما عداه من أحداث سياسية وظواهر اجتماعية واقتصادية وكان الهجاء سيد المواقف ودون أن نجتهد في محاولة نقدية لتفسير ما حدث ، ويستثنى من ذلك عدة مقالات اعتبرت تفسيرات عدائية ومهاترة ولأنها جاءت في سياق الردح ، ولا تندرج تحت في ما يسمى الحوار الهادئ .

نشأت هذه الحركة بدعم قومي ( عبد الناصر ) ومن قبل اليساريين والقوميين السوريين وانعكاس سوري لأصل نشأ في مصر ( تنظيم الاتحاد الاشتراكي ) بوصفه تنظيم السلطة ومواجه للأحزاب والقوى السياسية المصرية التي غيبت عن ساحة فعلها ( اعتقالاً وتفكيكاً) وأصبحت السياسة احتكارا لهذا التنظيم وأممت لصالح السلطة تدافع عنها ايدولوجيا / شعاراتية خارجية ناقلة بذلك المجتمع إلى خارج / ضلالي مسقطة عن نفسها أعباء الداخل ومشكلاته الاجتماعية والسياسية والتنموية ( لا صوت يعلو على صوت المعركة ) .

وبعد هزيمة 67 كانت هناك حاجة مصرية لوجود حليف سوري بعد وضوح نوايا قادة البعث / العسكري ومحاولتهم منافسة ( عبد الناصر ) على احتكار الشعار القومي لذلك قدم الدعم المادي والغطاء الأيدلوجي لتنظيم الاتحاد الاشتراكي / فرع سورية بقيادة الدكتور جمال الاتاسي ( احد مناضلي البعث الكبار ) الذي أدرك مبكرا وبعدانقلاب1963 إن العسكر استولوا على السلطة وعلى البعث وبدأوا بإزاحة شركائهم السياسيين في الانقلاب إلى الظل أوالى مواقع هامشية، وبذلك بدا تنظيم الاتحاد الاشتراكي(سأستخدم هذا الاسم على الرغم من وجود لواحق أخرى) حاجة موضوعية في الساحة السورية ، حتى لاينفرد البعث بادعاء تمثيله للقوميين العرب السوريين،لكن الأصل كما أسلفت هو حاجة مصرية لوجود حليف قومي عربي سوري بعد هزيمة1967 .

في هذه الأثناء برز الرئيس السابق حافظ الأسد وتربع على رأس السلطة العسكرية والسياسية اثر انقلاب 16ت2 1970وغيّب الموت الرئيس عبد الناصر،وبإيحاء من المركز القومي الذي رحل عنه قائده، يدخل تنظيم الاتحاد الاشتراكي مع السلطة الصاعدة بتحالف،وكان د.جمال الاتاسي المهندس الذي صمم الجبهة الوطنية التي أرادها حافظ الأسد أن تساعده بإزاحة المعارضة اليسارية والقومية وكان له ما أراد وبمساعدة الاتحاد الاشتراكي(ايدولوجيا وسياسيا).

وما كان إلا زمن قصير حتى افترقت مصالح التنظيم مع مصالح الرئيس الأسد،الذي ركز السلطة في يده عبر سلسلة من التدابير والقوانين وبعض مواد الدستور(الدائم) ،وبعض التعديلات في ميثاق الجبهة لصالح حزب البعث ولتعزيز سلطته ،و بعدان استطاع أن يسوق نظامه وينتزع اعترافا دوليا وعربيا بشرعيته وضرورته كنظام وظيفي في المنطقة،عندها أدرك د.جمال الاتاسي بحدسه السياسي المرهف (إن زواج المتعة قد استنفد أغراضه)ومدركا إن الرئيس الأسد وحزب البعث ليسا بحاجة لقوة قومية تنافسه في الخطاب الايدولوجيا وربما تتقدم عليه، ليدخل بعد ذلك في حوار مع قوى يسارية/قومية انتقلت للمعارضة مؤخرا،وتمخض الحوار عن إعلان تحالف سمي/التجمع الوطني الديمقراطي في سورية/ الذي قاده د.جمال الاتاسي كمعادل موضوعي للجبهة الوطنية التي يقودها الرئيس الأسد، وبالمناسبة التجمع الوطني كان تحالفا مغلقا، لأنه يستند إلى مبدأ التوافق الجماعي(لكل عضو مؤسس حق النقض) ،واعتقد إن هذا المبدأ يفسر لنا موقف الاتحاد الاشتراكي من الديمقراطية ونتائجها ، وما رفضه لنتائج التصويت إلا تعبير عن هذا المبدأ ،وقد اخفق في سحب هذا المبدأ إلى تكتل إعلان دمشق ، مع العلم بأنه يدرك إن قوى إعلان دمشق ليست من أرضية ادلوجية واحدة كما هي حال التجمع الوطني(يسار قومي) وهذا الموقف له دلالة على إن الأصل في نشوء /التنظيم/ هو السلطة حتى ولو كانت شكلية ، كهيئة الأمانة العامةلاعلان دمشق(المعادل الموضوعي للسلطة التنفيذية للنظام من الناحية الشكلية) _ مع انفجار الأزمة الكبرى في سورية بداية ثمانينيات القرن الماضي بين السلطة والمجتمع ، حيث كان العنف سيد الموقف/عنف السلطة وعنف الجناح المسلح من الإخوان المسلمين/ وعلى الرغم من إن التجمع الوطني الديمقراطي قد حمّل السلطة مسؤولية مايجري آنذاك،وطلب من طرفي العنف الاحتكام إلى العقل، عبر بيانه الشهير، الذي شخص الأزمة فيه بوصفها أزمة سياسية،واقترح لها مخارج من خلال الحوار، لكن قوى العنف كان لها حسابات مختلقة، وأيضا للاتحاد الاشتراكي حسابات مختلفة عن حسابات الحلفاء في التجمع الوطني الديمقراطي،لذلك اتخذ قراره الشهير بالحفاظ على الذات ، وتجميد نشاطه السياسي والتنظيمي في هيئات الحزب وفي هيئات ومؤسسات التجمع الوطني ،وفعليا أبقى بعض كوادره في مؤسسات التجمع آنذاك (وهي خطوة / نسخة تكاد تطابق قراره بتجميد نشاطه في مؤسسات إعلان دمشق،وما تراجع السيدة ندى الخش عضوة الأمانة عن قرارها بتجميد عضويتها إلا تكرار لقرار/باطني أولي/ .وهذا التناسخ في المواقف يطرح سؤالا لماذا؟.

_أسباب التجميد الأول اعتقد إنها تتمحور حول هذه الأسباب :

أولا : الرضوخ لطلبات الإخوة القوميين العرب من الدكتور جمال الاتاسي بتخفيف الضغط على نظام حافظ الأسد القومي المناهض لكامب ديفيد ، والعضو في دول الصمود والتصدي ، وكانت حججهم، تأجيل خلافات القوميين،لان هناك معركة قومية يحضر لها مع العدو الصهيوني( المدعوم من الامبريالية وأمريكا) تعلو على كل الخلافات حول إدارة السلطة للموارد وكيفية حل أزمات المجتمعات العربية القطرية .

ثانيا : الموقف من الإخوان المسلمين الخصم/ العدو السياسي اللدود للقوميين العرب .

_إن تجميد الاتحاد الاشتراكي آنذاك ، كانت له آثار مدمرة على الحركة الوطنية السورية، وعلى المجتمع السوري،لأنه تم رفع الغطاء الايدولوجيا عن القوى القومية/ اليسارية السلمية وغير السلمية ليستفرد بها النظام الأمني تنكيلا وتفكيكا وبعنف لايضاهى .

وكانت التهم تخوينية (عملاء لكامب ديفيد- يمين عفن –يسار مشبوه-خوان المسلمين ….) هذا الموقف جعل من الاتحاد الاشتراكي حليفا موضوعيا للسلطة ، مما سهل للاتحاد الاشتراكي العودة(وتحريك الساكن) في الساحة السورية في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي،وتحت يافطة التجمع الوطني الديمقراطي، ومنصبا نفسه قائدا للمعارضة المفككة والمثخنة بجراح مميتة في بعضها،وعلى الرغم من تجميده وحفاظه على ذاته لم يسلم من آثار سلبية، إذ برزت عدة تيارات فيه، تشكلت ملامحها في فترة التجميد ،وهذا مما حدا بالدكتور جمال الاتاسي أن يعيد هيكلة التنظيم على أساس قوة هذه التيارات ،وتمثيل رموزها في الهيئات العليا للتنظيم ،وسنعود لهذه التيارات لاحقا.

_اعتقد إن عودة الاتحاد الاشتراكي إلى العمل السياسي والتنظيمي كانت عودة موضوعية لملئ الفراغ الناتج عن انتصار السلطة على تعبيرات المجتمع السياسية والايدولوجية ، حيث إن إملاء الفراغ استمر إلى نهاية التسعينيات من القرن الماضي، وفي هذه الأثناء شهدت الساحة السورية بداية حراك سياسي معارض من نوع مختلف ، يقوده نوع جديد من المعارضين السوريين لم تألفه السلطة والاتحاد الاشتراكي، وأقصد بهذا الحراك –حراك المثقفين- مما سرّع النشاط السياسي المعارض قبل وفاة الرئيس الأسد (الأب) ، مبشرا بما سمي فيما بعد (ربيع دمشق) الذي ازدحم بالحركات المدنية والحقوقية والمنتديات والبيانات ،وحتى تبقى سقوف التعارض مع السلطة ، متوافقة مع رؤية الاتحاد الاشتراكي لشكل هذه المعارضات وكيفية إدارتها، انتقل الاتحاد الاشتراكي إلى شكل جديد من العمل،بوصفه التنظيم /الأكبر والأقدر/ ، إذ انخرط في هذه التجمعات عملا وتأسيسا، ومحاولا السيطرة على مجالس إدارتها، مما سهل عليه فيما بعد،أن يجعل من بعضها مجرد منظمات رديفة، ولجان تابعة له ،وأخرى معطلة ،وتأسيس بدائل أو منشقة عنها .

وكان الهدف واضحا، إبعاد القوى الجديدة (المثقفين المستقلين) عن دورهم التاريخي،وإبقاء المعارضة(الأحزاب) ضمن خطوطه التي لونها أو لونت من قبل السلطة، ومرة أخرى يبرز الاتحاد الاشتراكي حليفا موضوعيا للسلطة في بداية دورها الثاني بقيادة الرئيس الأسد(الابن) ،لان الجمعيات والمنظمات الحقوقية والمدنية واللجان التي لم يستطع النظام الأمني تفكيكها هي معطلة الآن، ولم تعقد هيئاتها العامة و المفترض أن تعقد(تلك التي يسيطر على مجالس إداراتها) ،أو يديرها أفراد لا هيئات منتخبة ، ومكتفية بإصدار بيانات الاعتقال والإفراج .

-منذ صدور إعلان دمشق/ت1-2005/، وعلى مدار سنتين، حاول مندوبي الاتحاد الاشتراكي إلى هيئات الإعلان التي تشكلت مبكرا،تعطيل أي عمل يؤسس لنشوء تحالف أو تكتل مغاير لوجهة نظر الاتحاد في شكل هذا التكتل، أو في آليات اتخاذ القرار، مما مهد الأرضية لانفجار أزمة أثناء انعقاد المجلس الوطني لإعلان دمشق في دورته الأولى/1-12-2007/ وفي الحوارات التي دارت بين قادة الاتحاد الاشتراكي وبقية أعضاء المجلس الوطني .

-ما يهمني هو موقف الاتحاد الاشتراكي من النتائج التي تمخض عنها المجلس،إذ سرعان ما اتخذ مكتبه السياسي أولاً ومن ثم لجنته المركزية قراراً بتجميد نشاط الاتحاد الاشتراكي في هيئات الإعلان ” الموقف الأصلي يتكرر بنسخة جديدة ” وبذلك يرفع الغطاء الأيدلوجي والسياسي عن قوى الإعلان مترافقاً ومتواكباً ( بعد ساعات من قرار التجميد ) مع حملة اعتقالات واستدعاءات واسعة في صفوف كوادر و نشطاء قوى الإعلان ( بعضها طال أعضاء في الاتحاد الاشتراكي ) ، مصحوبة بحملة إعلامية واسعة،هدفت النيل من وطنية قوى الإعلان، وخونتهم تحت يافطة من التهم القديمة / الجديدة ( أصحاب المشروع المتسق مع المشروع الصهيوني – عملاء أمريكا الليبراليون الجدد….. ) …..

وهذا يجعلنا أن نعتقد مرة أخرى بان الاتحاد الاشتراكي يبرز كحليف موضوعي للنظام الاستبدادي في سوريا وان الموقف النسخة هو تكرار لموقف أصيل، تسرب في نسخة ويحيلنا إلى الغاية / الهدف الذي يحتكم له هذا الأصل في وجوده، لكن هذا الموقف / النسخة أوقع الاتحاد الاشتراكي في أزمة بنيوية حادة، إذ إن التيارات التي تشكلت ملامحها سابقا ظهرت كمراكز قوى داخل هيئاته، عبر ممثلي هذه التيارات ،ويمكننا أن نميز ثلاثة تيارات رئيسة :

1- تيار إسلاموي قومي تعزز باندماج التنظيم الشعبي الناصري مع الاتحاد الاشتراكي .

2- تيار يعتقد بان الدكتور جمال الاتاسي قد اخطأ بالخروج من الجبهة الوطنية ،وان الأستاذ حسن عبد العظيم قد أخطا بتوقيعه على إعلان دمشق، وهو تيار” عصبوي ” الديمقراطية ليست من خياراته

3- تيار قومي علماني، يرى إن النضال الوطني هو الرافعة للنضال القومي.

اعتقد بان وجود هذه التيارات في الاتحاد الاشتراكي ليست عنوان قوة، وتعبير ديمقراطي عن حق التكتل داخل التنظيم، بل هي عنوان لانقسامات حادة .

وما إعلان المبادئ الذي صدر مؤخراً إلا لتطويق هذه الأزمة، وهو الخطوة السياسية الثانية من الموقف/ النسخة الهادف لتفكيك إعلان دمشق سياسياً والالتفاف على نتائج المجلس الوطني للإعلان ومحاولة لإنشاء تكتل جديد كبديل للإعلان ربما يأخذ شرعية التعارض مع السلطة،باعتبار القوى المعارضة الأخرى قوى عميلة وغير وطنية..

الرقة – سوريا 26/2/2008

خلف الجربوع

Khalaf524@gmail.com

خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى