صفحات الناسغسان المفلح

الاضطهاد الاجتماعي في سورية، أهل حوران نموذجا

null

غسان المفلح

حوران تريد حقوقها وتريد ترين يمشي على الجلة

في هذه العبارة التي كان يسخر فيها معظم الشعب السوري من أهل حوران ولهجتهم، ولم يكن هذا التهكم يميز بين حوراني مسيحي أو شيعي أو سني! لم تعني هذه التهكمية لأهل حوران المقيمين في المدن السورية الأخرى سوى نكتة. وهكذا بالمجمل كان يتم التعاطي مع هذه السخرية على لهجة حوران وثقافتها من قبل أهل الشام أو حلب أو حمص،
من قبل السني والمسيحي في المدينة ومن قبل العلوي والدرزي، هنا أتحدث عن تجربة معاشة من قبلي لكوني حوراني! وفي الشيخ مسكين التي هي قريتي، يوجد ثلاث عشائر كبيرة لها امتداد خارج الشيخ مسكين، وهي عشائر الحريرية والديرية والفواعرة- التي انتمي إليها- هذه العشائر أيضا تنكت على بعضها وتسخر من تعدادها، ومن بعض رجالاتها، مع ذلك كان هنالك شخصيات رحمها الله محترمة من كل القرية مثل النائب عن حوران في البرلمان السوري في الخمسينيات محمد خير الحريري، و المرحوم حامد الشلهوب الفاعوري، والمرحوم الحاج ياسين الندى الديري، ومحمد سعيد الزرازرة والمرحوم شفيق وهدان وغيرهم حيث لا تسعفني الذاكرة. هذه شخصيات كان لها حضورا مع غيرها من الشخصيات من عائلات أخرى أصغر تعدادا. لها احترامها من كل أهالي الشيخ مسكين، ولهم مكانة، الذي تلجأ إليه فتاة هربا من أهلها، في حال اقترفت ذنبا مع شاب مثلها- كما يقال في لغتهم! وكان هؤلاء يحمونها. ريثما يجدون حلا للتزوج من الشاب أو من رجل غيره.مع ذلك ذاكرتي في القرية ضعيفة لأنني عشت في دمشق، حيث أن الأجواء التي عشت فيها يتواجد فيها من كل الأديان والطوائف السورية، وكانت ثقافة السخرية من لهجات بعضها وثقافتها أمرا لا يعدو كونه موجودا في كل دول العالم وأساسه هو ريف- مدينة، دمشق في الخمسينيات كانت مدينة، ولم تكن قرية. حتى قياسا بالقاهرة ذاتها، وهذا أمر ربما نعود إليه في مقال مستقل. لهذا لم يشعر أهل حوران أنهم مضطهدون اجتماعيا بل كان شعورهم يتعلق باستغلال التجار في دمشق لمنتجاتهم الزراعية، أما الحديث عن اللهجات، لا يمكن له أن ينضوي تحت عنوان اضطهاد اجتماعي. وإن كان ينضوي تحت هذا العنوان، فأهل المدن السورية، يتهكمون على كل لهجات الريف السوري، والعكس صحيح في حالات أخرى. أهل مدينة دير الزور يتهكمون على أهل الرقة، ومن أهل حوران في دمشق، من حاول أيضا تجنبا لهذا التهكم أن يقلد لهجة أهل دمشق. في المحصلة نعتقد أن هذا جزءا عاديا من الاجتماع الإنساني، ولا يمكن بوتقته ضمن عنوان الاضطهاد الاجتماعي، إلا عندما يأخذ مضمونا سياسيا، يعيد هيكلة علاقات سلطوية وطبقية ذات بعد إقصائي، وهذا ما يجب التركيز عليه في سورية، فالمدينة تضطهد الريف بمعزل عن هويته الدينية والطائفية، مثلا: حوران جارة لجبل العرب والذي يسمى أحيانا جبل حوران الذي تسكنه أغلبية درزية، هم أيضا يتهكمون على لهجة أهل حوران، ولكن هل هذه المسألة تسبب إحساسا بالاضطهاد من قبل أهل حوران أو أن الدروز يريدون من خلال هذه التهكمية إقامة حالة اضطهاد ضد أهل حوران؟ أم أن التهكم على أهل حمص ولهجتهم من قبل كل سكان سورية لا يعد اضطهادا اجتماعيا. علينا النظر للمسألة من زاوية أخرى، لا تحميها السلطة ولا تشجعها في الحقيقة، وأخص تحويل سنة سورية إلى أكثرية متماسكة على ثقافة واحدة، تضطهد أقلياتها من خلال السخرية على لهجات هذه الأقليات، وهذا غير صحيح لا في تاريخ سورية القديم ولا في تاريخها الجديد، فإذا كانت الأكثرية السنية متماسكة على ثقافة واحدة، معنى ذلك أن الأقليات السورية أيضا كذلك، وهذا أيضا غير صحيح، ولكن من وجهة نظر الفاعل التاريخي داخل هذه (التجمعات- لا نجد مصطلحا أفضل) يمكن لنا معرفة مقدار هذا التماسك والتراص وبناء على أية أجندة وثقافة؟ هذا مبحثه ليس هنا- هذا التهكم لا يتم في السر، أما التهكم من اللهجة العلوية فأصبح أحيانا في السر لأنه انخرط في عامل سياسي إقصائي قمعي أعاد هيكلة المجتمع السوري وثقافته. عندما كنا نعتقل في فروع المخابرات كان بعض الضباط يسخرون من لهجة مناطق المعتقل، ولكن عندما يكون المعتقل من الطائفة العلوية لا أحد يسخر من لهجته. أما عن القبيسيات وثقافتهن، علينا العودة إلى دهاليز الاستخبارات لنعرف ما الذي يجري في سورية. وماهو الاضطهاد الذي يتعرض له الشعب السوري بكل طوائفه وأديانه وأيديولوجياته، هنا علينا البحث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى