صفحات الناسعمر قدّور

فصل من الجحيم: المعتقلات السوريات يتحدثن

null
عمر قدور

يندر أن نجد كتابة سورية تقترب من السياسة، منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي، ولا تتعرض لتجربة الاعتقال السياسي. وبالاقتباس من الكاتبة المصرية فريدة النقاش: لقد أصبحت تجربة الاعتقال جزءاً من الوجدان الوطني السوري العام.
ليس في التعبير السابق أية مغالاة إذا عرفنا أن عدد المعتقلين منذ ذلك الوقت إلى الآن يعدّ بعشرات الآلاف، وإذا أضفنا إلى هؤلاء هوامشهم العائلية والاجتماعية سنجد أن نسبة لا بأس بها من السوريين قد عاينت وعانت تجربة الاعتقال عن قرب. وليس من المبالغة أيضاً أن نقول إن ما انكشف حتى الآن من تجربة الاعتقال لا يعدو عن كونه جزءاً بسيطاً، على الرغم من أن السنوات الأخيرة حفلت بشهادات لمعتقلين سابقين عن تجربتهم، كما بادر البعض منهم إلى تسجيل التجربة روائياً بغرض الحصول على هامش أكبر لفضح المسكوت عنه، ومع ذلك بقيت الكتابة قاصرة عن الوصول إلى متاهات التجربة وأعماقها، يتنازعها في ذلك القمع السلطوي والقمع الاجتماعي.

الروائية السورية روزا ياسين حسن لا تنتمي إلى الرعيل الذي شهد حملات اعتقال مكثفة، ولم تجرّب الاعتقال، لكنها قررت الذهاب إليه مختارة كما تصرّح بحديثها عن كتابها “نيغاتيف ـ من ذاكرة المعتقلات السياسيات”، وهي أيضاً تقود معها القارئ في تلك الرحلة المؤلمة، عبر تجربة ما يقارب الخمسين امرأة ممن عانين الأسر في المعتقلات السورية. “كان من الممكن أن يستمر العمل بهذا الكتاب لسنوات أخرى! ذلك أن عدد المعتقلات، اللواتي رحت أكتشفهن كل يوم، كان يزداد ويزداد! هذا ما جعلني أضطر إلى حصر العدد وإلا فلن ينتهي الكتاب”. قد يكون هذا التوضيح من قبل الكاتبة ضرورياً لدحض الفكرة الشائعة عن أن الاعتقال تجربة ذكورية، فالديكتاتوريات لا تميز بين الجنسين على صعيد القمع. أما بالنسبة لعدد الذين عانوا، أو ما يزالون يعانون، تجربة الاعتقال في سوريا فلا تتوفر إحصائية دقيقة عنهم، إلا في سجلات المخابرات ربما، وهناك بعض الحالات التي صمت فيها ذوو المعتقل نهائياً. فعلى سبيل المثال انكشفت في السنة الماضية حالة لمعتقل قد يكون الأقدم في السجون السورية، إذ أنه اعتُقل في نهاية سبعينيات القرن الماضي، وبسبب الخوف لم تبلغ أسرته أحداً على الإطلاق!.

تسمّي كتابها رواية توثيقية، فالروائية روزا ياسين لا تعمد إلى تسجيل الشهادات ولصقها وتبويبها فقط. هناك تبويب توحي به عناوين أقسام الكتاب، لكن رهان روزا كان في إعادة بناء تجربة الاعتقال سردياً، وعلى هذا يتنازع الكتاب همّان: الأول هو الإخلاص للكتابة والثاني الإخلاص للتجربة موضوع الكتاب. وبرأيي تتجلى براعة الكاتب أو الكاتبة في مثل هذه الحالة بالقدرة على استنطاق التجربة، وإعادة بنائها بشكل غير مرئي، لأن حرارة التجربة تحدّ من القدرة على اختراقها والعبث بها. على هذا كان نجاح “نيغاتيف” رهناً بتحويل تلك الحرارة إلى كتابة لا تقدّم نفسها على أنها كتابة، وكانت المقدّمات والاقتباسات التي تسوقها الكاتبة من أدب السجون تنتميان إلى ظاهر الكتابة، فيما الكتابة الحقّة نراها في قدرتها على إيصال ذلك النبض الحيّ للمعتقلات بشكل يبرع في إخفاء ذاته.

تنقسم رواية “نيغاتيف” إلى ستة أقسام تفيدنا بأن الجحيم لا يمكن تقسيمه، خاصة أن هذا التقسيم لم يخضع لاعتبارات زمنية، فالقسم الأول، الذي يحمل عنوان “أنثى الكهف العارية ـ التعذيب”، يسبق القسم الذي يحمل عنوان “الحرب النفسية أولاً.. الاعتقال”. وفي متن الأقسام ذاتها نجد الكاتبة تضع تقسيمات فرعية معنونة إياها بالأعوام، لكنها أيضاً لا تخضع لاعتبارات خطية، وعلى سبيل المثال قد يسبق عام 1992 عامَ 1978 سردياً. كما أن الخيوط السردية تتداخل بدورها، فالاعتقال لا ينفصل عن التعذيب، والأمومة لا تنفصل عن العشق. أي أن التقسيمات لم توضع إلا كإشارات، وأُبقي على المتن حراً بمعنى أنه لم يُخضَع لقصدية صارمة. كما أن الزمن بدوره تختلف كثافته في المعتقل عن الخارج، تبدو تقسيماته مجازية وأحياناً بلا معنى، ويغدو أقرب إلى المطلق. من هذه الناحية، وعلى ما فيه من قسوة، يبدو زمن المعتقل زمناً روائياً بامتياز.

الاستقبال الأول: أمسكني الضابط من شعري، وطفق يضرب رأسي بالجدران بهيستيرية. كنت أتطوح بين يديه كدمية قماشية، الجدران الصلدة تتلقى هشاشة رأسي قاسية كما هي دوماً. أحس بأن دماغي سيتطاير إثر كل ضربة. قبل أن يضيّع رأسي على الضابط متعة التعذيب ألقاني أرضاً، ليجعل الساعات المبهمة القادمة تنقضي وصدمات الكهرباء المتتالية على يدي ورجلي تجعلني أحسّ جسدي بكليته يرتفع ثم يخبط على الأرض فجأة، وروحي تصعد معه وتهبط آنة على قساوة البلاط. نهايةً اقترب مدير السجن، الذي أشرف على تعذيبي بنفسه، وراح يتمشى بتشفٍّ على ساقي المشلولتين تماماً. رحت أصرخ بما تبقى لي من قوة على الصراخ وهو يفرك حذاءه على ركبتي كأنه يمعس صرصوراً، أو كأنه يحاول هرس العظام القابعة تحت الجلد. كنت أحس بأن العظام تنهرس حقاً7-7-. هذا جزء من شهادة سناء التي اعتقلت لمدة أربع سنوات، وقد تحملت التعذيب كلّه، لكنها لم تتحمل أن يشتمها جلادها فانبرت تردّ له شتائمه. حالة سناء ليست الوحيدة أو الأفظع مما يكشف عنه الكتاب، فرهان الجلاد هو إذلال المعتقلة بشتى الوسائل، ورهان المعتقلة هو المقاومة وعدم الرضوخ. ما يميز المعتقلة هنا، من المعتقلين الذكور، هو الإحساس الدفين، أو الصريح، بأن جسدها معرّض للانتهاك، أو هو ينتهك فعلاً، وعلى الرغم من أن حالات الاغتصاب لم تكن شائعة، إلا أن التلويح بها، أو بما دونها، يُبقي هذا الهاجس قائماً. هذه المسألة تأخذ بعداً أكثر عنفاً لدى المعتقلات الإسلاميات، لأنهن تعرّضن إلى المعاملة الأقسى، ولم يُكشف عن حالات اغتصاب إلا لديهن. في إحدى الحالات اغتصبت معتقلة إسلامية، وحملت جرّاء الاغتصاب، ولنا أن نتخيل حجم المعاناة، فالوازع الديني يمنعها من الإجهاض ويضعها بين حدّي ارتكاب المعصية أو الإنجاب من سجانها.

الجسد عموماً هو محك تجربة الاعتقال، فالسجان يراهن على انهياره، والمعتقلة تراهن على كبت ضعفه. يرزح الجسد تحت ضغط مضاعف من السجّان والسجين، ما يميز المعتقلة هو اختلاف علاقة المرأة بجسدها عن تلك التي للرجل، واختلاف متطلبات جسد الأنثى، وعلى سبيل المثال أن تضطر معتقلة إلى استخدام ورق الجرائد أثناء الطمث فهذا وحده يخلّف آثاراً نفسية وبدنية ليست بالسهلة. ما سبق ينسحب على كل تفاصيل الأنوثة، وأن توقف الفتيات إضراباً عندما يهدد مدير السجن بجزّ الشعر الأسود المسترسل لإحداهن فهذا لا يخلو من دلالة أيضاً. ولعل في الاقتباس التالي عن مجموعة من الفتيات، اللواتي أخرجن إلى باحة السجن بعد سبعة أشهر قضينها في عتمة القبو، ما يوضّح الكثير: 7-7- فجأة تسمّرنا مصدومات، ثمة شيء في النظرات كان ينكسر! الضوء المبهر قام بكشف ما لم يكن موجوداً في عتمة العالم السفلي، ما لم نكن قادرات على التقاطه هناك في الظلام: العفن.. العفن يعشش بين جذور شعورنا..في زوايا أفواهنا.. وعلى رموشنا! العفن كان يغلفنا بكل تفاصيلنا. راحت الضحكات تتلاشى وهي تطبق على العفن الذي وصل إلى ما بين الأسنان!

ربما كان المحزن في الأمر أن الأنثى انكسرت داخلنا، انكسرت بصورة قاسية. في الأسفل كنا نعتقد أنفسنا جميلات، على الرغم من كل ما مرّ، في الخارج بدا أن العفن طال الأرواح أولاً ثم تفاصيل الأنثى دون أن ندري.. عفن.. عفن“.

أنا سمية من مواليد سجن… سكنت في سجون… و…” هذه الجملة خطتها الطفلة سمية على جدار أحد فروع الأمن. سمية هذه تدفع ثمن خيار أبيها لا أمها حتى، فنساء العائلة اعتقلن كرهائن عن زوجين، تمكن واحد منهما من الهرب إلى الأردن وأعدم الثاني بعد محاكمات الإسلاميين المعروفة. إن ولادة سمية بحدّ ذاتها تعدّ دلالة على همجية القمع إذ يضع المعتقل في مرتبة البهائم: “متى جاء سلوى الطلق كتمن الخبر وصياحها معه خشية أن يكون ذلك سبب لعذاب جديد لها أو حتى لهن!! حتى إذا ولدت سمع أحد الحراس على السطح بكاء المولودة فسأل فأخبرنه، فجاء هذا الشاب الذي لم تمت فيه بقايا الإنسانية بعد وأدلى لهن علبة صفيح فارغة وعود كبريت فأشعلن من ثيابهن فيها ما يكفي لتسخين ماء حمموا به المولودة، وروت الأم بنفسها إنهن قصصن لها الحبل السري بقطعة تنك اقتطعنها من علبة الصفيح تلك!”. لم تكن سلوى الوحيدة التي مرت بهذه التجربة العسيرة، فهناك رنا التي أنجبت ماريا، وضحى التي أنجبت ديانا، وغيرهن من الأمهات اللواتي تركن أطفالهن خارجاً. المفارقة، ربما، أن وجود طفلة في المعتقل كان يقدّم السلوى لجميع الأمهات، وحتى للواتي لم يصبحن أمهات بعد. ولعل مكابدة أبناء المعتقلين والمعتقلات بحاجة إلى بحث مستقل، لما لها من آثار مديدة على حياتهم، وربما هذا ما حدا بروزا ياسين إلى أن تختم كتابها بقصاصة كتبتها الطفلة جود ذات الثماني سنوات، بعد أن اكتشفت أن والديها كانا معتقلين، كتبت جود: “باسم أمي وأبي..لماذا كل الناس مظلومون في السجن.. هذا ليس من القانون.. أرجو من الجميع الانتباه جيداً“.

قد يبدو مستغرباً وسط هذه الفظائع أن يكون هناك عشق، لكن أحد رهانات هذا الكتاب كان في تقصي تلك المساحات الإنسانية التي لم يستطع القمع قهرها نهائياً، لذا نقرأ فيه عن حالات غريبة من العشق، هناك خطوبة تمت في السجن، هناك عشاق لم يروا وجوه بعضهم بعضاً. وربما هناك قصص بقيت أسيرة الذاكرة فلم تفصح عنها المعتقلات، إذ لا يفوتنا أنهن، إذ تخلصن من السجن، لا يستطعن التخلص نهائياً من الحرج الاجتماعي، وهذا ما أضاف محكّاً آخر للكتاب وللكاتبة، فلكونها رواية توثيقية بقيت أسيرة ما تقرر المعتقلات قوله، على الرغم من الجهد الشاقّ، ومحاولة نبش التفاصيل، اللذين نلمسهما وراء السطور. في الواقع إن جزءاً هاماً أيضاً يكمن في ما لا يقوله النصّ، ويترك للقارئ مهمة تخمينه. يُسجّل لروزا ياسين أنها حاولت إنارة البقع المظلمة أو ما أسمته “نيغاتيف”، وقد نجحت إلى حدّ كبير، أما ما تبقى فتلزمه محاولات شجاعة أخرى.

روزا ياسين حسن ـ “نيغاتيف ـ من ذاكرة المعتقلات السياسيات”. يصدر عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان ـ آذار 2008

خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى