صفحات سورية

قمة دمشق بين العرب وإيران

null


د.وحيد عبدالمجيد

سقط الرهان على أن حاجة سورية إلى نجاح القمة المقرر أن تستضيفها في 29 و 30 مارس الحالي تفرض عليها إرضاء الدول العربية التي تسعى إلى حل لأزمة الفراغ الرئاسي في لبنان.

ولم يكن ممكناً لهذا الرهان أن يكسب لسبب بسيط هو عدم وجود معايير أصلاً لنجاح أي قمة عربية أو فشلها. كما أن شيوع انطباع بأن المقصود بنجاح قمة دمشق تحديداً هو مستوى التمثيل فيها أتاح للدولة المضيفة أن تتحرك لتأمين حضور عدد معقول من الرؤساء والملوك والأمراء عبر اتصالات ثنائية.

وعندما ضمنت حضور ما لا يقل عن عشرة منهم، بل يمكن أن يزيد، لم يعد هناك ما يمثل ضغطاً عليها لتسليم الورقة اللبنانية التي تبغي الاحتفاظ بها حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود بالنسبة إلى الصراع على الشرق الأوسط.

ولن يتيسر ذلك، إذا تيسر، قبل أن تظهر اتجاهات الإدارة الأميركية المقبلة تجاه المنطقة، أي في منتصف العام القادم على الأقل.

كما أن الحماقة الأميركية والإسرائيلية دعمت مركز سورية فيما يتعلق بمسألة القمة، ووضعت الدول العربية المعتدلة فى حرج شديد إزاء مابدا أنه هجمة منظمة، بدءاً باغتيال عماد مغنية في دمشق ومروراً بوضع المدمرة “كول” أمام السواحل اللبنانية، ووصولاً إلى العدوان الهمجي على قطاع غزة.

فلم يعد ممكناً، والحال هكذا، إقناع عدد يُعتد به من الدول العربية بإرجاء القمة أو نقلها من دمشق بما قد يؤدي إليه من تكريس الانقسام العربي.

لذلك فأما وقد أصبح انعقاد القمة فى دمشق أكيداً، فليس من العقل ولا المنطق أن تسهم الدول المعتدلة في ترسيخ انقسام يتيح لإيران فرصاً إضافية للتمدد في العالم العربي، ويبعث برسالة خاطئة إلى إدارة أميركية أدمنت الخطأ في الشرق الأوسط.

وأصبح ضرورياً أن تشارك هذه الدول، وربما بقوة، في أعمال القمة وأن تنهض بمسؤوليتها في حماية النظام العربي الرسمي من تغلغل نفوذ إيران الآخذ في التوسع.

غير أنه لا سبيل إلى وضع حد لهذا النفوذ من دون تطوير مشروع عربي لمستقبل المنطقة يجذب تأييد تيارات عريضة في شعوبها. فالمصدر الرئيس لقدرة إيران على توسيع نفوذها الإقليمي هو الفراغ الاستراتيجي الناجم عن غياب مشروع يعبر عن المعنى الايجابي للاعتدال الذي يسعى إلى بناء دول ومجتمعات عقلانية ناهضة قادرة على تحقيق التقدم والازدهار عبر مشاركة شعبية حرة وانجاز اقتصادي وتطور علمي وثقافي وتكنولوجي.

فالصورة الشائعة للاعتدال والمعتدلين العرب في اللحظة الراهنة هي تلك المرتبطة بالسعي إلى الحفاظ على الوضع القائم في المنطقة. ولما كان هذا الوضع منسوجاً من إحباطات ومرارات وانكسارات وربما انحطاطات،شتى، فقد بات سهلاً الإيحاء بأنها جزء لايتجزأ من نسيج الموقف العربي المعتدل، في الوقت الذي تقدم إيران وحلفاؤها مشروعاً واضحا بسيطا في رسالته، وهي أن القوة العسكرية تعتبر السبيل الوحيد لمواجهة المشروع الأميركي- الصهيوني، وأن برنامج إيران النووي والمقاومة المسلحة هما بالتالي الجناحان اللذان ستحلق بهما المنطقة إلى المستقبل.

ولكي يتسنى لعامة العرب وبسطائهم إدراك مدى سطحية وهزال هذا النهج، يتعين طرح منهج آخر عليهم يمثل بديلا جادا ليس فقط عن الطرح الذي يقدمه محور إيران- سورية- حزب الله- حماس، ولكن أيضا عن الواقع البائس الذي لا يجد هؤلاء فيه مكانا لهم فيه ولا أملا يحدوهم في المستقبل.

ويقتضي ذلك عملا جادا على صعيد إعادة بناء الوضع العربي داخليا وإقليميا عبر منظومة إصلاحات شاملة. فالإصلاح هو المدخل إلى وضع عربي أفضل وأقوى سواء الإصلاح السياسي والاقتصادي الداخلي الذي يعيد الحيوية ويواجه الفساد باستقامة وحسم أو إصلاح العمل العربي المشترك على صعيد العلاقات بين الدول العربية وعلى مستوى جامعة الدول العربية.

فإصلاح الدولة والمجتمع عبر تطور ديمقراطي أسرع وأكثر مؤسسية ومشاركة شعبية أوسع يحصن العالم العربي إزاء التدخلات الأجنبية التي تنعش النزعات الراديكالية. كما أن هذا الإصلاح يجعل الشعوب أكثر حيوية وقدرة على الاسهام في بناء المستقبل. أما إصلاح العمل العربي المشترك على المستوى الرسمي وتدعيمه على الصعيد الشعبي، فهو يوفر المقومات اللازمة لدور عربي رئيسي في صنع شرق أوسط جديد بأيدي أبنائه وليس عبر تدخل أميركي يوجد الأجواء المؤدية إلى انتعاش الراديكالية وإضعاف الاعتدال العربي.

فلكي يتمكن المعتدلون العرب من مواجهة التمدد الإيراني- الراديكالي، لابد من إعادة الاعتبار لمنهج الاعتدال. ولا يمكن أن يعاد لهذا المنهج اعتباره من دون تأكيد أنه لا ينطوي على تخاذل وأن السلام يسعى إليه، ليس استسلاما ولا يمكن أن يكون، لأنه ينطلق من فلسفة تتلخص في أن القوة هي التي تصنع السلام، بينما الضعف يقوض فرصه لأنه يغري الأقوى بانتهاك حقوق الأضعف. فالاعتدال ينبغي أن يكون موقف قوة قبل كل شئ وإلا ما بقيت حاجة إليه.

ولذلك تجدر مراجعة كل ما لم يكن يؤدي هذا المعنى في سياسات الاعتدال العربية من قبل، أي تنقية هذه السياسات ما يدل على أن الاعتدال قرين ضعف أو تخاذل أو تخل عن حقوق أو تفريط في مصالح الأمة.

ولما كان منهج الاعتدال ينطلق من الواقع ولا يقفز عليه، أو يحرق مراحله بالتعبير الماركسي القديم، فلا يعني ذلك القبول بالواقع أيا كان أو الاستسلام له. فالواقعية التي يجدر بالمعتدلين العرب اتباعها هي التي تسعى إلى تغيير الواقع ولكن بأساليب الواقع وليس بالقفز على هذا الواقع، أي استنادا إلى عمل جاد وليس استغراقا في شعارات أو عيشا في أوهام نصنعها في خيالنا.

وهذا هو الاعتدال الذي ينبغي أن يعيد المعتدلون العرب تقديمه إلى أمتهم عبر السعي إلى بناء القوة الشاملة. فإذا كانوا يرون أن القوة ليست عسكرية فقط وإنما هي قبل ذلك اقتصادية ومعرفية وتكنولوجية، وأن التفوق العسكري ماهو إلا محصلة عناصر القوة المختلفة، فعليهم أن يطرحوا ذلك في صورة فعل على الأرض وليس مجرد كلام. فليس من سبيل إلى تغيير ثقافة شائعة على الصعيد العربي تحفل بالقوة العسكرية أكثر من غيرها، وترى الفخر كله في مواجهة ضد إسرائيل، إلا عبر التقدم فعليا في بناء اقتصادات ناجحة يحترمها الآخرون ويجدون فيها ما يغريهم بالاعتماد عليها بدلا من أن نظل نحن الذين نعتمد على الآخرين في كل شئ.

وهذا هو الأساس الموضوعي لمشروع مستقبل المنطقة يهدف إلى ضمان مصالح دولها وتفوقها واستقلال إرادتها من دون الدخول في مواجهات أو حروب مفتوحة، وذلك عبر خلق أنموذج لبناء القوة الشاملة التي لا تقتصر على الإمكانات العسكرية.

وعندئذ يتبين أن السلاح النووي ليس هو المصدر الوحيد للقوة، وأن امتلاكه بدون عناصر القوة الأخرى قد يؤدي إلى عكس المستهدف منه لفرط الحرص عليه كما حدث في باكستان.

هكذا يظل في إمكان العرب المعتدلين تغيير المعادلات الإقليمية الراهنة، بما في ذلك دور إيران الحالي حيث قدموا أنموذجا لبناء القوة المستندة الى مشاركة شعبية حرة وتنمية اقتصادية ناجحة وقدرة معرفية متزايدة وسياسة خارجية مستقلة ونشيطة. وعندئذ يمكن أن يتنامى دورهم ويملأ الفراغ الذي تمددت فيه إيران في غيابهم فتأخذ علاقاتهم معها منحى آخر.

كاتب من مصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى