صفحات ثقافية

أوليفـر ستـون واسـتفزاز الأميركـي العـادي: “دبليـو” فيـلم عـن فاشـل صـار رئيسـاً

null
زياد الخزاعي
بين صاحب »الفصيلة« (»أوسكار« ١٩٨٦) و»مولود في الرابع من تموز« (١٩٨٩) و»وول ستريت« (»أوسكار« أفضل ممثل لمايكل دوغلاس، ١٩٨٧) المخرج الأميركي أوليفر ستون وبين رؤساء الولايات المتحدة المعاصرين وقادة آخرين، أو شخصيات من حولهم، ما يشبه الخَبَل السينمائي. فهو مهووس إيديولوجي بارع في التشكيك بحكاياتهم الرسمية. يتلبّسه عناد مقاتل سابق في فيتنام، في إزاحة اللباس الدعائي الذي يستر ضعفهم وتردّدهم وابتسار ثقافاتهم ونذالاتهم السياسية، والكثير من رعوناتهم الشخصية، من دون أن ينأى بنفسه ونصوصه السينمائية عن حافة أسواق العروض وجوائز »أوسكار« ونميمة الصحافة. ستون رجل مبادئ سينمائية، قد لا يرضينا بعض رؤاه، كما أوردها في نص »قطار منتصف الليل السريع« (١٩٧٨) للبريطاني آلان باركر، عن مهرّب مخدرات ينتهي إلى جلسات تعذيب واغتصاب شرس في سجن تركي؛ ومثله صاحب امبراطورية المخدّرات توني مونتانا (آل باتشينو)، الذي يعمّد وضاعته بشلال من الدماء وأكوام الرصاص وحفنات مجنونة من الكوكايين، في »الوجه ذو الندبة« (١٩٨٣) لبراين دي بالما، أو استعارة البطولة الميثولوجية للعبد الأبله الذي يتحوّل إلى إله مهاب في »كونان البربري« (١٩٨٢)، أو السادية المبالغ في بطولتها وأجوائها الشيطانية، في »سفاحان بالفطرة« (١٩٩٤). لكن ستون حصّن نفسه وخطابه السينمائي بجملة من الأفلام المستفزِّة للأميركي العادي، بنعرة وطنيته المتأجّجة على الدوام، ونزعته الأمّارة إلى التسلّط، كما كانت في »أفلامه الرئاسية« وثلاثيته الفيتنامية، المتحاملة على الإثم والفواجع والجرائم، أو احتفاليته الملوّنة بحقبة الستينيات الماضية، والمعمّدة بدم انتحار المطرب الشعبي جيم مورسون، بطل »ذي دورز« (١٩٩١)، أو تعيّره الإدارة الأميركية بتورّطاتها الدموية في دول أميركا اللاتينية، في »سلفادور« (١٩٨٦)، أو غمزه في الحكايات الملتبسة لرجال الإطفاء، بُعيد هجمات أيلول على نيويورك، في »المركز الدولي التجارة« (٢٠٠٦).
حقائق ستون
لم يبتعد ستون، الذي قال عنه أحد كتاب »نيويورك تايمز« اليمينية »إن الشياطين تتلبّسه«، عن الحقائق. حاول مقاربتها مليّاً، من أبوابها الأكثر تقليدية وتباسطاً. ذلك أن هذا المخرج النبيه يفهم مديات السذاجة السياسية، التي انجبل عليها القطاع الشعبي الأكبر في الولايات المتحدة، والمحاصَر بالإعلام الضاري وإداراته التي جعلته أمّياً وناقصاً تجاه »عقلنة« الخطط المدبّرة في البيت الأبيض، والتي انتهت أخيراً بكارثة احتلال العراق، بالإضافة إلى الحرب في أفغانستان، وطبول الحرب التي تُقرَع ضد إيران، والتشكيك المستمر بقيادات مناوئة، مثل آل كاسترو والفنزويلي شافيز وغيرهم. انتصرت جهود ستون في مربعه السياسي إلى العقل المركزي، الذي يقرّر إشعال حرب أو شطب دولة أو تجويع أمة. إن سادة البيت الأبيض، في أعرافه السينمائية، أولى بالشتيمة والفضح. فهذه الكائنات وصلت إلى الغرفة البيضاوية عبر المؤامرات والتدليس السياسيين، وقوة العائلة وميراثاتها الحزبية وثرواتها وارتباطاتها.
لعل ستون راهن، في هذا الاختيار العصي، وبنجاح، على تحويل الفيلم التجاري إلى ما يشبه الديوانية السينمائية، التي تُجمع نخبة مشاهدين يرون في أعماله انتصاراً للرؤية المعاكسة للخطّ الرسمي، فيما يستأنس المشاهد العادي بما يعتبره ذمّاً لسلطة هائلة القوة، لا يستطيع، أو مجبر على عدم مسّها علناً. إن نظرية المؤامرة في »ج ف ك« (١٩٩١)، التي استقبلت بكثير من الضجيج والشتائم، عكست مزاجاً لم يكن متوافراً في الستينيات الفائتة. وعلى الرغم من إصرار ستون على أن اغتيال كينيدي تمّ على أيدي مثليين كوبيين مناوئين للحكم الشيوعي، فإن كثيرين وجدوا في حكايته تشكيكاً بالإصرار الحكومي على إدانة الشاب لي هارفي أوزولد، الذي قدّمه ستون »نبياً ممركساً«، لا يخلو من غباوة واضحة. وعندما وضع إصبعه على حقيقة تورّط الرئيس ريتشارد نيكسون بفوبيا الاستخبارات، وولعه بالخفايا، وعناده في الاحتفاظ بجميع التسجيلات السرّية لاجتماعاته، وسكره الدائم، وتهادنه مع القيادات العسكرية فيما يتعلق بقرار الحرب في فيتنام، نعته النقّاد بالخائن (صحيفة »شيكاغو تربيون« وصفته بـ»مهين المخابرات«، وقالت »نيويورك تايمز« إنه »يبرّر اغتيال الرئيس، لأنه غير مؤتمن«). قبل هذا، مهّد ستون إلى أعدائه أن يتكاثروا، عندما قدّم مسخرته السينمائية »ديف« (١٩٩٣)، التي تهكّم فيها على »فبركة رئيس« عبر شبيهه، درءاً للفضيحة الجنسية التي أوقعت الرئيس الحقيقي في أزمة قلبية أثناء مضاجعته خليلته. وكأنما هذا لم يكفه، وجد ستون نفسه أمام نعت أكبر هو »العمالة«، عندما ذهب إلى فيديل كاسترو، وسايره في يومياته، في »الكومندانته« (٢٠٠٣)، أتبعه بجلسات مطوّلة مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، في »شخص غير مرغوب فيه« (٢٠٠٣). قبلهما، صاغ إيفا بيرون كطوطم سياسي لا يسود إلاّ على شعب ناقص الحيلة، في »ايفيتا« (١٩٩٦) للبريطاني آلآن باركر؛ ولم يفته التاريخ، فعرج على »الإسكندر الكبير« (٢٠٠٤)، ليختبر مثليّة قائد غيّر تكتيكات الحروب.
الشياطين السينمائية
إن الشياطين السينمائية لستون قادته، هذه المرّة، إلى الشخص الذي أدخل بلده في حربين، وختم الحقبة الطويلة لحكمه بأكبر كارثة اقتصادية. المواطن الذي سعى إلى منصب مفوّض في رياضة الـ»بايزبول« فوصل إلى سدّة الرئاسة، وتحوّل إلى السياسي الأكثر إثارة للجدل والشتيمة من أقرانه: جورج دبليو بوش (أداء قدير لجوش برولين، الذي عُرف في فيلم الأخوين كوين »لا موطن للعجائز«). للوهلة الأولى، يبدو منجز ستون كأنه سيرة ذاتية؛ بيد أن حصافته تفاجئ الجميع. فالنص مكتوب عن أشخاص كوّنوا كيانه: هناك من حاول شدّ عزمه وإنقاذه من »سفاهة حياة« ابن الذوات، وهناك الشخصيّتان اللتان مارستا غلّهما الأبوي على كائن خاسر على الدوام، بالإضافة إلى العقول التي غذّت نزعاته الإيمانية والقيادية، لتوصله إلى سدّة حكم البلد الجبّار في قوّته وموارده.
لكن، كيف يمكن لهذا الشخص، بما لديه من احتمالات ضعيفة، أن يحوّل نفسه من شخص مرفوض من عائلته ذات المحتدّ الطبقي النافذ، التي اعتبرته »بطة سوداء«، إلى من يتولّى رئاسة العالم الحر؟ إن حكاية جورج الابن سيرورة نضاله، الذي غطّى جزءاً مُعتبراً من شبابه، مع شيطانه الذاتي، الذي بقي يصارعه مستتراً في ظل خيال مهيمن لوالده الرئيس السابق. إذ كان الابن في الأساس رجلاً فاشلاً حتى سن الأربعين، عندما أدرك قدرة الله، وأدار ظهره لماضيه بصورة مذهلة. في النهاية، حمله ذلك إلى البيت الأبيض، كما فعل والده من قبل. ومع ذلك، فإن انتصاراته لم تترك صدى يجعله أقرب إلى قلبَي والديه، خصوصاً الأب (جيمس كرومويل)، الذي يُهينه بالقول: »لقد خيّبت ظنّي دائماً«، فيما تشتمه الأم باربره (آلين بريستين): »أنت فاشل مثلي«، ويتندّر أقاربه في الجامعة على مستقبل عائلته السياسي، بنعت مخجل هو »بوشنطن« (تركيب من بوش وواشنطن). يقول ستون عن هذه التضادات العائلية في تمهيداته الصحافية: »إن ما نعرضه هو ومضات لبوش لم نشهدها من قبل بالتأكيد. ستسنح الفرصة للمُشاهدين ليلقوا نظرة على ما هو مخفي عن رئيس لم تكن احتمالات نجاحه مؤكّدة، ولم نكتشف سريرته حقاً، لأن صورته رسمها الفريق الذي يحيط به. غير أن ما يثير الاهتمام، هو أن الفيلم يتناول على مراحل قصّة ابن ابيه. لسنوات عدّة، اعتقدتُ أنها ستكون قصة ابن أمّه، إلاّ أني، بعد تعمّقي في الأبحاث، وجدتُ أن للأب دوراً أكبر بكثير من الدور الذي كان يدور في مخيلتي«. يضيف قائلاً إن هذه العلاقة المعقّدة »خلّفت أثراً عميقاً في الابن، وبالتالي في الولايات المتحدة والعالم. لا ترغب عائلته في الكشف عن مكنوناته«. ويرى ستون أن الحكاية تتناول »ابناً ينافس والده في مناح عدّة، بل يتحدّاه«.
يظن البعض، ربما، أن جورج الابن نجح في مسعاه. بيد أن كثيرين يتمسّكون بقناعتهم أنه أغفل فرصَه كلّها. فالنزاع جزءٌ من سيرته الذاتية، إذ أوقف مسيرته في السكن الجامعي في جامعة ييل وانتقل إلى حقول النفط في تكساس، قبل وصوله إلى »١٦٠٠ جادة بنسلفانيا« (عنوان البيت الأبيض)، من دون أن يمسك فرصة نجاح واحدة فيها. لا يسرد ستون هذه الحياة كبيبليوغرافيا تقليدية، إذ يفتح فيلمه في العام ٢٠٠٢ بمشهد قراره اعتماد صيغة »حلف الشيطان«، الذي مرّره الداهية كارل روف (البريطاني توبي جونز)، راسماً عبره الخطّ الأول لعصابة المحافظين الجدد، ليرينا بعده الشاب وهو يحيي ملعباً فارغاً، ويطن في خياله هدير جماهير »بايزبول« الغائبة، وهي التحية الناقصة التي يختم بها ستون عمله الناصع في تهكّمه لوحدانية هذا الشخص العفوي، الذي لن يخفي تفاخره ببلاهته وتندّره الشخصي عليها.
يلهث مُشاهد »دبليو« المتعجّل ليقارن التماهي السينمائي بالأسماء الحقيقية، ويمنّي نفسه بزلاّت اللاتشابه. تفوته مشهديات ذات مغازٍ كبيرة: لقطات مقرّبة لزجاجات الويسكي وأقداحه (بوش في عزّ مرحلة إدمانه)؛ حزامه الجلدي وشارة الصليب على مشبكه الضخم (بوش قبل استماعه إلى عظة الداعية إيرل (ستسي كيتش)، التي تدخله دفعة واحدة في مرحلته الإيمانية)؛ اسكتشات بليغة كضياع بوش ورئيس أركان قواته وفريق إدارته طريقهم في مزرعته التكساسية؛ الاعتراف الجنسي المضمر لزوجته في غرفة النوم؛ غيرته المعلنة من شقيقه جاب؛ مشهد حلم معركة الأيادي المفترضة بين الأب وابنه في الغرفة البيضاوية؛ تنظيرات نائبه ديك تشيني في احتلال الشرق الأوسط، على خلفية شاشة لُوِّنت بسذاجة مثيرة للغثيان؛ وغيرها. هي في مجملها شحنات درامية للخــطوط التاريخية، التي يعرفها المشاهد لمعارك الرئيــس الأميركي الثالث والأربعين في العالم.
(لندن)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى