صفحات مختارة

حول ثقافة المرايا العربية المهشمة

مطاع صفدي
يغلب على الرأي العام العربي هذه الأيام، ليست أشباح التشاؤم المعتادة وحدها بألفاظها السلبية وأوصافها المكروهة؛ بل هنالك حالة من الضجر من التشاؤم نفسه. إذ لم يعد ينتج اليأس سوى المزيد من شعور التنصل من المسؤولية. فقد استغنى معظم العرب عن بقية الآمال المعقودة على قدرة أنظمتهم الحاكمة في حماية الدرك الأسفل الذي انهارت نحوه كرامة الحضارة العربية في أعين أجيالها الشابة خاصة، الباحثة عن مستقبل مختلف عمّا جرت عليه حياة آبائهم على الأقل.
جيل آباء هؤلاء ربطوا مصيرهم بالأهداف العامة وتحولاتها، وهي التي لم تكن مجرد أهداف سياسية، بل اعتبرها شباب ذلك الجيل أنها من طبيعة كيانية تمس وجود الأمة، وتشكّل رهانات هذا الوجود على مدى استحقاقاته الإنسانية المطلقة. ذلك كان معنى الالتزام، ليس بالأخلاقية العادية، ولكن بنوع من فروسية الوعي النهضوي بالحقوق المشروعة للأمم السيدة لذاتها دائماً. فكان الرواد النهضويون يعفّون عن توصيف سلوكهم بألفاظ السياسة ومشتقاتها المتداولة، لم يكونوا سياسيين، ورفضوا في كل المناسبات اتهامهم باحتراف السياسة. كان ذلك أشبه بامتهان براءة التزامهم الذاتي، وتنزيهه عن أية منافع تخص السلطة ومباذلها.
قد تُلصق بهؤلاء الآباء الطيبين مفردات المثالية والخيالية، لكن متى كانت مثاليتهم نقيصة. هم يتقبلونها بافتخار واعتزاز. فقد كانوا يعيشون ويسلكون، ويتخذون المواقف (السياسية) مع ذلك، وكأنهم انتقلوا إلى عصر مجتمعاتهم العادلة المتقدمة، وأنهم خرجوا فعلاً وواقعاً من كلّية الظروف البائسة المحيطة بهم والمضادة لأبسط شروطهم (الانقلابية) غير المتحققة بعد، أو الأسوأ المتحقق منها فقط. فالمسألة المركزية المطروحة على جيل الاستقلال في أغلب الأقطار المتقدمة نسبياً، والحائزة على تحررها من الاستعمار الاحتلالي الغربي، قبل سواها، لم تكن محصورة بتغيير الحكومات أو الأنظمة، بقدر ما هي تغيير حياة مجتمعاتها. كان الالتزام انشغالاً حضارياً بالتكوين الكلّي لمجتمعات معزولة عن التقدم الإنساني منذ ألف عام. ولقد رشّح جيلْ الاستقلال هذا نفسه للنهوض بأعباء هذه المهمة التي لم تكن في حينها موضعَ تساؤل أو تمعين (علمي)، بقدر ما كان تصديقها فعلَ يقينٍ وجداني. وهذا الفعل ليس شعوراً فردانياً، بل تضامنياً، ما بين أوسع شريحة من مثقفي المرحلة. هؤلاء الذين يتسابقون إلى احتلال موقع الطليعة، ليس للمجتمع ككل، بل للتيار المتحرك منه.
مصطلح (الطليعة) قبل أن تبتذله مرحلة الانحطاط المتجدد المستديم راهنياً كانت تتداولُه ثقافة النهضة عن جدارة تاريخية تكوينية يكتسبها عادة رواد حقيقيون لتطورات اجتماعية ذات نفع عام واضح المعالم والأهداف؛ فالطليعيون الأصلاء يتركون للآخرين أن يمنحوهم شرف هذا التصنيف. ليسوا هم من يختلقونه لأنفسهم، ولا من يتبجحون بامتيازات قد لا يستخدمونها فعلاً، على كل حال لم يعد العصر قابلاً للاعتراف لأحد بمثل هذا التصنيف أو أشباهه. زمن (الطلائع) والانجذابات الفئوية نحو طقوسها قد ولّى. هذا لا ينطبق على القاموس النهضوي، فلا بد لكل نهضة من قيادة فرسانها الأوائل، من المبشرين بأنوار فجرها، والمبادرين لافتتاح دفاترها البيضاء الجديدة، المستعدة لاستقبال نصوصها الحدَثية الكبرى.
قراءة النهضة في عصر انحطاطها قد لا تنصف الطليعيين. بعض المؤولين يردون يُبوس الأشجار التي تموت واقفة، إلى بذورها الفاسدة أو الزائفة أو الفاقدة أصلاً لنوعية الحيوية التي ستنبت الأشجار الباسقة او العملاقة. ما تقوله ثقافة النهضة في هذا الصدد هو أن كل مشروع نهضوي يبدّد جدواه إن لم يمتلك سلطة المراجعة النقدية لانجازاته، وهي السلطة الآمرة التي ينبغي لمكتسبات النهضة أن تقدم لها ضماناتها المتأصلة في الحراك الاجتماعي. فليس ثمة نهضة متروكة لصُدف الظروف وحدها، دون تدخل جذري لإرادة الوعي، فردياً وجماعياً، في مفاصل التحولات، خاصة إذا كانت النهضة واقعة في مراصد أعدائها التاريخيين من حولها، والمستجدّين من ما وراء البحار.
الأصح من ترداد مصطلح الطليعة هي العودة إلى الحانة الأعم التي يبرز منها الأفراد الطليعيون، وهي قطاع المثقفين التي يُعزى إليها تمييز الحراك الاجتماعي الواعي من صِنْوه الآخر، الحراكِ الغريزي التلقائي للجماهير الواسعة. فالمثقفون أو بالأحرى المتعلمون، وهم قلائل في مطلع الاستقلال، وتعليمهم نسبي محدود كذلك، هؤلاء هم البيئة الحاضنة لأفكار النهضة الأولية، والتي يمكن النظر إليها على أنها هي الناظمة لشعارات المرحلة سياسياً، كانت أفكاراً ذات طموحات لم تكن بعيدة المنال في احساس مطلقيها ودعاتها. فالاستقلال منح الناس ثقة بالذات افتقدها العرب منذ تاريخ تدمير بغداد على يد المغول، لم يكن جيل أواسط القرن العشرين يسمح لخياله أن يتصور انسحاباً يوماً ما لأعظم إمبراطوريتين آنذاك، البريطانية والفرنسية، والتخلي طواعية عن مصالحهما الكبرى في أوطان العرب قاطبة، أما جيل الخمسينيات وما بعده، فكان ممتلئاً افتخاراً واعتزازاً بأمته العربية العائدة إلى مسرح العصر والعالم والتاريخ، فكان طبيعياً أن يمتح المثقفون من نعيم هذا الرصيد المعنوي الثر، مستمدين منه مؤونة برهانية لدرجة البداهة المطلقة في كل ما راحوا يسبغونه على أمتهم العربية من خصائص العبقرية الحضارية، فقد ولد الاسم العربي هكذا من جديد، محملاً بآمريات طموحات شتى في مختلف شؤون الكمال الإنساني وشجونه.
إنها لحظة الفجر النادرة المبشرة بمولد الأمل الساطع في نهارات الحاضر والمستقبل المضيء القريب. فلم يكن الوحدويون الأوائل يتخطون الواقع الوجداني لمجموع شعوبهم في المناداة بالوحدة الدولاتية، بأولوية الواحدة للأمة الواحدة الفائزة فورياً بحريتها. فماذا بعد التخلص من العدو المشتت للأمة، والمقسّم للوطن سوى العودة إلى الحالة الطبيعية للسجين الذي أُطلق سراحه فجأة، ليستعيد حياته السابقة؛ فكيف يمكن للوحدة أن تكون مجرد أيديولوجيا تُقبل أو تُرفض، تُرفع أو تُخفض كشعارات آنية لفئات من المجتمع دون غيرها، أو ضداً على سواها.
حين الحديث عن آمرية الاسم العربي ينبغي ألا يذهب الظنّ إلى ما يشبه الدوغما الأسطورية أو السحرية. فكل نهضة في التاريخ محتاجة إلى إعادة إنتاج الأمة، وتجسيدها عبر شخصية مفهومية، يتداول رموزَها معشرُ النهضويين، متعمقين ومبدعين وقياديين، لمعانيها ومزاياها، وانجازاتها. على أن لا يفهم من هذا أيضاً أن هذه الشخصية المفهومية مبرّأة سلفاً من نواقصها وانحرافاتها وأخطائها المحتملة.. وحتى من الكوارث التي سوف تحدث باسمها زوراً وبهتاناً، أو أنها قد تكون مشاركة فيها؛ فالانحطاط ملازم للنهضوي، يترصّده في مواقف التيه والضعف والتخاذل. ولقد حفلت تجربة النهضة المعاصرة بما يعرف بالواقعات الفاصلة التي قد يزعزع بعضها من أركان البداهات الفكرية الداعمة لتمثال تلك الشخصية المفهومية، بمعنى أن آمرية الاسم العربي ليست بمنأى عن التجربة. كل قيمتها الاعتبارية أنها متفاعلة مع تضاريس المحن، وأنها قادرة على الانتهاض من تحت الحطام، عائدة وهي مجرّحة نازفة، لتقول كلمتها التي سوف تحيي مواتها من جديد.
يذكرنا هذا أنه ليس من نهضة بدون عقيدة ثقافية، ومن خيارات سياسية. والحالة العربية الراهنة اليوم هي في أمس الحاجة إلى استعادة العرب لذاكرتهم النهضوية، والبحث مجدداً عما أضاعوه من وعود مستقبلهم الماضي. ذاكرة النهضة هي دليلها الموضوعي والنزيه، عما يعنيه ضياع الاسم العربي تحت مختلف تسمياته الزائفة. فاللحظة الحاضرة ليست لحظة لليأس من إعادة النصاعة إلى هذا الاسم العربي، مع استعادته هو ذاته لفصاحة لسانه، فالخارجون على آمريته، لم يفقدوا جميعاً، بوصلةَ العودة إلى ركابه. لن يصمّوا آذانهم طويلاً عن نداءات فصاحته، بينما تتساقط لغونات أعدائه داخل البيت الأهلي وخارجه.
لقد شهدت النهضة العربية، منذ مرحلتها الأدبية في نهاية القرن التاسع عشر، وطيلة صراعاتها الثقافية والسياسية، إبان القرن العشرين، بزوغَ وانهيارَ العديد من الإمبراطوريات العالمية. فكان انفكاكها عن الإمبراطورية العثمانية، واحداً من الأسباب المباشرة لانهيارها. كما أن حرمان الإمبراطورية البريطانية والفرنسية من مستعمراتها العربية، مهد الطريق لزوالهما، ووارثةِ الإمبراطورية الأمريكية لتراثهما الأسود، وأخيراً وليس آخراً، تهرول هذه الإمبراطورية نحو حتفها، بكل صَلَفِ الغباء المطلق والدموية الهمجية، لتلقى عيْن المصير البائس لجدّتيْها، من أوربا العجوز، وذلك بدءاً من حروبها (البوشية) العابثة ما بين صحارى العراق وأفغانستان.
آمرية الاسم العربي ليست سحرية ولا ميتافيزيقة؛ ولكنها واحدة من قوى التاريخ الإنساني الصامدة، والمزروعة في الحديقة الخلفية من حضارات الأمم الحية. فإذا كانت هذه الآمرية قد كفّت عن صنع إمبراطورياتها السامية والعادلة، إلا أنها اكتسبت دوراً استثنائيا في إسقاط إمبراطوريات الشر؛ ولا يزال هذا الدور في أوج انجازاته وممارسته في تغيير خطوط الانحرافات المظلمة التي تعتري وجه الخارطة العالمية من عصر إلى آخر.
القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى